حصار وخيار

  غازي العريضي

للأسف، يتعامل كثيرون في منطقتنا منذ سنوات، وخصوصاً من هم في مراكز القرار العربي، مع الضيق الناتج من مخاطر إقفال مضيق هرمز وكأنّه أمر مفاجئ، وفي ذلك كثير من القصور في قراءة الأحداث ومساراتها، وقصر نظر، وقلّة مسؤولية، وكثير من الاتكالية والرهان على الولايات المتحدة، ورئيسها دونالد ترامب تحديداً. أقول هذا الكلام لأنّ المتابع الجدّي للوقائع والحقائق المعلنة، والمدقّق في مواقف ترامب ونتنياهو والمسؤولين الإيرانيين، يدرك أنّها كانت تؤشّر إلى اندلاع الحرب مع إيران، واستهداف المضيق، وهو ما حصل وما زال يحصل اليوم.
كتبتُ مقالاً في “العربي الجديد” (19/3/2019) عنوانه “العرب بين إيران وإسرائيل”، جاء فيه: “قائد القوات البرّية في الجيش الإيراني كيومرت حيدري أعلن: إيران تصنع أسلحة قتالية حديثة. الجيش الإيراني أمّن 600 ناقلة نفط من خلال 60 دورية بحرية ذهبت إلى البحار البعيدة. قائد أسطول الجنوب في البحرية الإيرانية أفشين فاشك أضاف: الدوريات نفّذت حتى الآن 6000 عملية مرافقة لناقلات نفط وحمايتها”. وهدّدت إيران بالردّ إذا أقدمت أميركا وإسرائيل على استهداف المصالح الإيرانية، وتحديداً في مضيق هرمز، فإمّا أن يكون التصدير متاحاً للجميع أو أن يكون ممنوعاً على الجميع… نحن أمام صراع حقيقي بين أميركا وإسرائيل ومعهما بعض العرب من جهة، وإيران وحلفاؤها من جهة أخرى. كلُّ فريق سيحاول استخدام أوراقه للضغط على الآخر. المؤكّد أنّ العرب هم الخاسرون في هذه العملية. الحرب على أراضيهم والتسابق على ثرواتهم. إذا حصل التصادم، وقعت الخسارة الكبرى ولحق بهم دمار هائل. وإذا مالت الأمور نحو التفاهم فسيكون على حسابهم”.

ترامب ونتنياهو شريكان في لعبة تخريب المنطقة كلّها وتنظيم الفتن فيها 

وفي مقال آخر (30/6/2019) بعنوان “من يربط مصيره بأميركا سيخسر”، قلت: تتكثّف الاتصالات وتتعدّد الأفكار والاقتراحات لضمان أمن الملاحة البحرية في مضيق هرمز. ثمّة ثلاث مبادرات: بريطانيا تدفع باتجاه تشكيل قوة أوروبية في المضيق. أميركا تدعو إلى إنشاء تحالف أمني متعدّد الجنسيات، على أن تكون المبادرة الأوروبية مكمّلةً له أو متكاملة معه. روسيا، بعد لقاءات مع ممثّلي البعثات الدبلوماسية للدول العربية وإيران وتركيا والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية ودول مجموعة بريكس، اقترحت إبرام اتفاقات للحدّ من الأسلحة وإنشاء مناطق منزوعة السلاح وخطر تكديس الأسلحة التقليدية المزعزعة للاستقرار”… إيران أكدت أنّ مضيق هرمز مسؤولية إيرانية عُمانية. بعد زيارة وزير خارجية عُمان يوسف بن علوي ولقائه كبار المسؤولين فيها، وإرسال بريطانيا قوات إلى المضيق، أمر استفزازي ورسالة عدائية ستؤدّي إلى تفاقم التوترات… الحل السياسي هو الذي يضع حدّاً للتوترات… توسيع دائرة الصراع في المضيق والممرات على الأرض يعطي إيران دوراً أكبر في المواجهة… أمّا الرهان على تحالفات أميركا فهذه نتائجه في العراق وسوريا واليمن وفلسطين خسائر متتالية، دمار، خراب، ركام، نزوح، هجرة وتهجير وجوع وفقر وفتن متنقلة، وإسرائيل دولة يهودية (عاصمتها الأبدية) القدس الموحّدة، والعرب مشتّتون مفكّكون ينتظرون الفرج منها ولا يتعلّمون”.
وفي 25/7/2019، جاء في مقال عنوانه “المنطقة بين ترامب ونتنياهو” أنّ “الرئيس ترامب يعلن: الولايات المتحدة لن تؤدّي مهام الشرطي في مضيق هرمز لحماية الدول الغنية مثل الصين والسعودية واليابان والإمارات. لماذا نحارب في سبيل تلك الدول، وهذا يكلّفنا ثمناً باهظاً، في وقت لا نحصل إلا على كمّية قليلة جدّاً من النفط عبر المضيقين؛ هرمز وباب المندب، بينما تستورد الصين 65% من النفط واليابان 25% عبرهما؟… الرئيس الإيراني حسن روحاني ردّ: مضيق هرمز ليس مكاناً للمزاح والتلاعب بالقواعد الدولية. المسؤولية الرئيسية حماية المضيق والخليج الفارسي تقع بشكل رئيسي على إيران والدول المجاورة، وليس للآخرين صلة بهذا الأمر. الجمهورية الإسلامية تعمل على حماية المجاري المائية في العالم، بما فيها باب المندب والمحيط الهندي. يجب على العالم أن يشكر الحرس الثوري لحماية مضيق الأمن في مضيق هرمز…. رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو ردّ: القوة الوحيدة التي تحمي في الشرق الأوسط من الانهيار هي إسرائيل، وذلك لأنّها تقف ضدّ التطرّف الإسلامي بشقَّيه: الشيعي الذي تقوده إيران، والسنّي الذي يقوده داعش” (اليوم “حماس” وغيرها من تحالفات دول إسلامية كما يقول).

ثبت أنّ القواعد الأميركية في المنطقة لا تحمي العرب، والكلّ في ضيق، ومضيق هرمز هو العنوان والقضية والهدف اليوم

إنّها لكارثة أن تصل الأمور في منطقتنا إلى هذا الحدّ. ترامب يهين قادتها ورموزها ويستخفّ بهم، ويمارس البلطجة عليهم ويرعبهم لـ”يحميهم”، مقابل ثروات شعوبهم ودولهم، ونتنياهو “يمنّ عليهم” بمنع الانهيار. شريكان في لعبة تخريب المنطقة كلّها وتنظيم الفتن فيها. وكتبت بتاريخ 21/7/2019 مقالاً عنونته بـ”استعدّوا لناقلات السلاح”، جاء فيه: صادرت حكومة جبل طارق سفينة غريس-1 العائدة إلى طهران والمحمّلة وقوداً. ردّت إيران بمصادرة السفينة البريطانية تينا أمبيرو، تنفيذاً لتهديدها الواضح ضدّ الحصار البحري عليها. استمرّت الوساطات العُمانية العراقية الفرنسية أسابيع للإفراج عن السفينتَين. أصرّت إيران على أن تأتي المبادرة من بريطانيا، وهذا ما حصل. عبّرت عن ارتياحها لأنّ أميركا لم تتمكّن من تشكيل تحالف بحري لضمان أمن مضيق هرمز… الرئيس حسن روحاني قال إنّ السفينة بالسفينة، المضيق بالمضيق. إذا كان الجميع يريدون سلاماً فإنّ إيران يجب أن تنعم بالسلام. وإذا ما واجهت مشاكل فالجميع سيواجهون مشاكل. إصرار إيران على أن تفرج بريطانيا عن السفينة الإيرانية أولاً كان لتلقينهم درساً، والباقون: لا تلعبوا بذيل الأسد، لأنّ الأسد سيذلّكم”.
اليوم، بعد ستّ سنوات، نحن أمام حرب أميركية (“ملحمة الغضب”) – إسرائيلية (“زئير الأسد”) مشتركة ضدّ إيران، وحرب إسرائيلية بدعم أميركي ضدّ لبنان والمنطقة مجدّداً، لا تزال بين ترامب ونتنياهو، والعرب بين إيران وإسرائيل، وحاملات الطائرات، وناقلات السلاح، تصول وتجول في الأجواء والبحار، ورهانات مستمرّة على أميركا. والأهداف هي نفسها، والمواقف هي ذاتها. توجّهُ أميركي – إسرائيلي لتغيير النظام في إيران، وحتى الآن النظام لم يتغيّر رغم تصفية عدد من رموزه، بل تقول صحيفة وول ستريت جورنال: “لقد تغيّر النظام لكن نحو الأسوأ”. مشكلة السلاح النووي لا تزال قائمةً، ومشكلة اليورانيوم تضاعفت على الرغم من ضربات أميركية – إسرائيلية متتالية استهدفت مواقع هذه المواد، وأضيف إلى ذلك كلّه فتح مشكلة مضيق هرمز. والمنطقة في خطر كبير. الحرب على الأرض العربية، واستهداف المنشآت الإيرانية يهدّد المنشآت العربية. حرب الصواريخ والحرب الإلكترونية هزّت “تل أبيب” وقلب إسرائيل السياسي والأمني. والقواعد الأميركية في المنطقة ثبت أنّها لا تحمي العرب، والمأزق كبير. والكلّ في ضيق، ومضيق هرمز هو العنوان والقضية والهدف اليوم. ترامب يهدّد بمنع إيران من السيطرة والتدخّل، لكنّه فشل في تشكيل تحالف دولي أو تعاون مع أوروبا. شتمَ حلف شمال الأطلسي (ناتو)، فقال عنه: “ضعيف”، “غير ذي فائدة”، “لم يقف معنا”، “عندما أنجزنا مهامّنا طرح مساعدتنا، لا نريده. لسنا بحاجة إلى دعمه”. لديه مشكلة مع أوروبا وروسيا والصين واليابان. العالم كلّه في خطر. إيران أكثر تمسّكاً بمواقفها، وتعتبر نفسها صمدت. عجز الآخرون عن إسقاطها رغم محاولاتهم الرهان على تغيير النظام وإحداث تحرّكات داخلية تساهم في ذلك، ذهب ترامب إلى عقد اتفاق مع القيادة الإيرانية. صُدمت إسرائيل، ونتنياهو معروف بثباته على قناعاته ومواقفه وعناده. سيحاول التخريب، وهذا ما فعل. سيحاول التحريض محرّكاً حلفاءه وأصدقاءه أينما كان، خصوصاً في أميركا. إيران حدّدت قوانينها: “إمّا حرية ملاحة للجميع أو لا ملاحة للجميع”. تردّد ترامب وتراجع عن الاتفاق، ثم أعلن حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية، وأكّدت إيران أنّ “يورانيوم إيران مقدّس مثل أرضنا ولا يخرج غرام واحد منه خارج البلاد”، و”سيبقى هرمز على حاله السابقة ما دامت واشنطن لا تلتزم بضمان حرّية السفن من إيران وإليها”.

نحن أمام حصار مضيق واحتمال انفجار وضيق، والعرب بلا خيار وبلا طريق

وزير الطاقة الأميركي قال: “نقترب من حلّ النزاع مع إيران ووضع حدّ لتهديداتها المستمرّة منذ 47 عاماً”، وذلك في تعقيب على تساؤل ترامب: “لا أدري لماذا لم نهاجم إيران منذ 47 عاماً؟”. قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) براد كوبر زار خمس دول في المنطقة، والمحطّة الأكثر أهمية كانت إسرائيل، حيث كان نقاش حول الاستعداد لجولة جديدة من الحرب وتحديث بنك الأهداف: منشآت الطاقة، ومواقع استراتيجية، وبنى تحتية تؤثّر في الاقتصاد، بعد الحصار المفروض حول الموانئ الإيرانية.
هنا انبرى نتنياهو ليقول، محرّضاً ترامب، محفّزاً على استكمال الحرب، بعد صدمته وصدمة فريقه الأمني الوزاري، خصوصاً باتفاق وقف إطلاق النار مع إيران الذي أُعلن منذ أيام: “نريد إخراج اليورانيوم المخصَّب من إيران وإنهاء قدراتها على التخصيب”… كأنّه يعرض استعداده للقيام بهذه المهمة أو المشاركة فيها والتخلّص من هذه العقدة. وأضاف: “قبل أكثر من عام اتّضح أنّ إيران تتجه نحو تصنيع قنبلة نووية”، في إشارة إضافية إلى ضرورة استكمال الحرب والتخلّص من “النووي الإيراني”، علماً بأنّ مسؤولي المخابرات الأميركية أكّدوا منذ بداية الحرب أنّ “إيران ليست على وشك أن تكون دولة نووية… ولا تهديد من هذا القبيل يبرّر الحرب”. كأنّنا مقبلون على جولة جديدة أعنف من الجولات التي شهدناها، والعرب هم هم، بل في حال أسوأ. بين ترامب ونتنياهو” وبين إيران وإسرائيل، بعضهم ذهب إلى الإبراهيميّات، والآخرون لا يزال ترامب ونتنياهو يبيعانهم أوهاماً، والحريق سيكون شاملاً مناطقهم كلّها من دون حلّ سياسي كامل، يبدو أنّه لا يزال مستبعَداً، كي لا نقول مستحيلاً.
نحن أمام حصار مضيق واحتمال انفجار وضيق، والعرب بلا خيار وبلا طريق.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى