المجر مع بيتر ماغيار إلى ديمقراطية ليبرالية محافظة

ساري حنفي

                                                                                                  

لم يكتفِ فيكتور أوربان في 16 عاماً بحكم المجر؛ بل أعاد تعريف بلاده. لم تكن عقيدته عن “الدولة اللاليبرالية” خللاً في النظام، بل كانت جوهره. لقد جادل بأنّ الديمقراطية الليبرالية (بما تتضمّنه من توازن بين السلطات، وصحافة مستقلّة، وحقوق للأقليات) تمثّل سمّاً غربياً. وبدلاً منها، شيّد نظاماً استبدادياً ذا طابع قومي وقانوني، إذ أصبح الدستور أداةً للّعب، والسلطة القضائية فرعاً تابعاً للحزب الحاكم.

انتهت في 12 إبريل/ نيسان الجاري هذه التجربة، وشهدت انتخابات الأسبوع الفائت نسبة مشاركة قياسية، قاربت 80% بفارق بضعة أعشار فقط. قبل أربع سنوات، كانت النسبة 66%، ليخرج فوز بيتر ماغيار الساحق (بحصول حزب تيسا على أغلبية ثلثي المقاعد) لا يمثّل مجرّد تغيير في الحكومة، بل انتقالاً في النظام: من “لا” ديمقراطية أوربان اللاليبرالية إلى ما يمكن تسميتها “ديمقراطية ليبرالية – محافظة”. ولكن لفهم ما الذي ستصبح عليه المجر، علينا أولاً أن نفهم ما الذي تتركه وراءها.

تشريح اللاليبرالية: نقطة الانكسار

كانت المجر في عهد أوربان تُجري انتخابات. كان لديها برلمان، ورئيس وزراء، ومحكمة دستورية. وفي أضيق تعريف إجرائي، كانت ديمقراطية. لكن من حيث الجوهر، كانت دولة مُستولى عليها. أتقن أوربان فنّ الانقلاب القانوني. لم يحظر المعارضة؛ بل خنقها. لم يُغلق الصحف؛ بل سمح لحلفائه من الأوليغارشيا بشرائها جميعاً، محوّلاً الإعلام إلى كتلة دعائية واحدة. لم يُلغِ القضاء؛ بل رفع سنّ تقاعد القضاة بين ليلة وضحاها، واستبدلهم بموالين، وجرّد المحكمة الدستورية من فعّاليتها.

أصبح “القانون الأساسي” لعام 2011 (صاغه حزب فيدس منفرداً من دون مشاركة المعارضة) سلاحاً. فقد رسّخ رؤية أوربان لـ”الدستور التاريخي” مع إلغاء الرقابة القضائية على التعديلات الدستورية. وكانت النتيجة ديمقراطية ذات شكل ديمقراطي ومضمون لا ليبرالي: انتخابات حرّة، لكنّها غير عادلة، وحقوق مكتوبة، لكنّها غير مُطبّقة.

أتقن أوربان فنّ الانقلاب القانوني. لم يحظر المعارضة؛ بل خنقها

أصبحت المجر تحت حكم أوربان أوّل دولة عضو مارقة في الاتحاد الأوروبي. ففي 2022، أعلن البرلمان الأوروبي أنّه لم يعد بالإمكان اعتبارها “ديمقراطية كاملة”. ومع ذلك، تباهى أوربان بهذا، واصفاً نظامه بأنّه “دولة لا ليبرالية قومية مسيحية” متفوّقة على الغرب “المنحطّ”. ولأكثر من عقد، نجح هذا النموذج. فقد قدّم أوربان ضرائب منخفضة، ودعماً للأسر، وسردية قائمة على الفخر الوطني. لكن بحلول عام 2024، أصبحت التناقضات قاتلة. بلغ التضخم 26%. جُمّدت أموال الاتحاد الأوروبي. انهارت العملة المجرية (الفورنت)، ولم تعد آلة الدعاية (كانت تُغرق كلّ صوت معارض) قادرة على إخفاء المستشفيات الفارغة من أطبائها، ولا المعلّمين الذين يعملون مقابل 500 يورو شهرياً.

كانت الفضيحة التي أطاحت أوربان قضية عفو في أوائل 2024، مرتبطة بالتستّر على اعتداء جنسي على الأطفال. وعندما انتفض الرأي العام، فعل أوربان ما يفعله المستبدّون عادةً: ضاعف رهانه. وهذه المرّة، برزت شخصية من داخل قلب النظام؛ كان بيتر ماغيار (المنتمي سابقاً إلى الدائرة الداخلية لأوربان، والزوج السابق لوزيرة العدل السلطوية جوديت فارغا) قد رأى الآلة من الداخل. كان يعرف أين مفاتيحها. وكان يدرك أنّ ضعف أوربان ليس في سياساته، بل في افتقاره إلى الشرعية. ومن هنا تكمن جاذبية ماغيار في موقعه المتناقض، لأنّه في آنٍ واحد ابن النظام ومعارضٌ له. وعلى عكس شخصيات المعارضة السابقة، لا يمكن بسهولة تصويره شخصاً هامشياً أو قليل الخبرة.

البديل الليبرالي – المحافظ

ليس ماغيار يسارياً ثورياً. لا يرفع علم قوس قزح، ولا يردّد شعارات ماركسية. إنّه محافظ: يلوّح بالعلم، ويثمّن الأسرة، وكاثوليكي. لكن محافظته تنتمي إلى تقليد مختلف، تقليد يسبق التحوّل اللاليبرالي لأوربان. إنّها محافظة ليبرالية بالمعنى الأوروبي الكلاسيكي: الإيمان بأنّ المجتمع المستقرّ يحتاج إلى سيادة القانون، وقضاء مستقلّ، وصحافة حرّة، وحقوق ملكية محمية بالتساوي لجميع المواطنين، بغض النظر عن ولائهم للحزب الحاكم. كما يؤمن أيضاً بمكافحة اللامساواة، وتعزيز الخدمات العامة، وإعادة توزيع الثروة.

كان برنامج ماغيار، الذي أُعلن في أواخر 2025، لافتاً ليس لراديكاليته، بل لطابعه الاستعادي. فقد سمّي نهجه “الثورة المملّة” (The Boring Revolution) لأنّها هادئة وتركّز على تغيير في المؤسّسات السياسية والبيروقراطية من دون عنف. فقد تعهّد بـ:

  1. استقلال القضاء: إلغاء المكتب القضائي الوطني الخاضع لسيطرة فيدس، وإعادة سنّ التقاعد الإلزامي للقضاة، وإبعاد المحكمة الدستورية عن التسييس.
  2. تعدّدية الإعلام: تفكيك مؤسّسة الصحافة والإعلام لأوروبا الوسطى (KESMA: احتكار عائلة أوربان الإعلامي) وطرح وسائلها للبيع لمالكين مستقلّين.
  3. تشريعات مكافحة الفساد: إنشاء نيابة عامّة مستقلّة بالكامل، مع إشراف أوروبي، لاستعادة الأصول التي استولت عليها شبكة أوربان.
  4. تحديد ولايات رئيس الوزراء: حدّ أقصى ولايتَين، يُرسَّخ في تعديل دستوري جديد لا يُمرَّر إلا بأغلبية معزّزة من حزبَين على الأقلّ.

كانت استراتيجيّته ماغيار تقوم على تحويل التركيز بعيداً عن الهُويّة ونحو الحوكمة

ذلك كلّه بالغ الأهمية للعدالة الاجتماعية، وهي مسألة قلّلت من شأنها الليبرالية الرمزية، كما بيّنتُ في كتابي “ضدّ الليبرالية الرمزية… دعوة إلى علم اجتماع تحاوري” (نقله إلى العربية ياسر الزيات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2025). أمّا دور سياسات الهُويّة، فهو أكثر هامشية في خطاب ماغيار. ففي عهد أوربان، أصبحت المجر ساحةً رئيسة لما توصف بـ”سياسات حرب الثقافة”، مع تركيز قوي على مناهضة الهجرة والدفاع عن تصوّر معيّن للهُويّة الوطنية. لا شيء من هذا “ووك”، ولا هو اشتراكية. إنّه ببساطة الأثاث الأساسي لديمقراطية ليبرالية فاعلة. ومع ذلك، بعد 16 عاماً من حكم أوربان، يبدو الأمر وكأنّه ثوري.

يدرك ماغيار أنّ ساحة سياسات الهُويّة هي المجال الذي يمتلك فيه النظام القائم أفضليةً بنيويةً. والانخراط المباشر في هذه النقاشات قد يعيد إنتاج الاستقطاب ذاته الذي يقوم عليه النظام. لذلك، كانت استراتيجيّته تقوم على تحويل التركيز بعيداً عن الهُويّة ونحو الحوكمة (للدولة وخدماتها العمومية).

من سياسات الهُويّة إلى سياسات العدالة المؤسّسية والاجتماعية

إذا تابعتَ السرديات الإعلامية الغربية مع دخول عام 2026، فقد تتوقّع أن تتمحور الانتخابات حول ما يُسمّى قانون “دعاية مجتمع الميم” أو حقوق طالبي اللجوء. وجمّد الاتحاد الأوروبي مليارات الدولارات بسبب هذه القضايا تحديداً. غير أنّ الغالبية من المجريين الذين صوّتوا من أجل التغيير، كانت وجهتهم العدالة الاجتماعية. ففي نظام لا ليبرالي، لا يكون المحور السياسي الأساس هو اليسار مقابل اليمين، بل الليبرالية مقابل اللاليبرالية، أي سيادة القانون مقابل حكم الأفراد.

لم يفشل نظام فيكتور أوربان لأنّه كان محافظاً أكثر من اللازم، بل لأنّه كان فاسداً أكثر من اللازم، تعسّفياً، ومنفلتاً من القانون. لم يستيقظ الناخب المجري يوماً وهو يطالب بدراسات الجندر أو بضرائب الكربون، بل استيقظ وهو يطالب بقاضٍ لا يتلقى اتصالاً هاتفياً من مكتب رئيس الوزراء. لقد فهم بيتر ماغيار ذلك جيّداً. فهو لم يخض حملته ضدّ محافظة أوربان الاجتماعية، بل ضدّ إفلاته من العقاب. وعندما كان أوربان يعلن أنّ المجر “أمّة مسيحية”، كان ماغيار يرد: “إذاً لنتصرّف على هذا الأساس. لقد قال المسيح (أعطوا ما لقيصر لقيصر)، وأنتم أعطيتم ثروة الأمّة لعائلتكم”.

لم يفشل نظام فيكتور أوربان لأنّه كان محافظاً أكثر من اللازم، بل لأنّه كان فاسداً أكثر من اللازم، تعسّفياً، ومنفلتاً من القانون

في القضايا الاجتماعية، أشار ماغيار إلى تبنّي مقاربة “عِش ودع غيرك يعيش”. فهو لن يُلغِي حظر تبنّي الأزواج من الجنس نفسه الذي فرضه أوربان (لأنّه يدرك أنّ قاعدته الريفية سترفض هذا)، لكنّه في المقابل وجّه مؤسّسات الدولة بهدوء إلى التوقّف عن تطبيق التمييز ضدّ عائلات مجتمع الميم في الواقع العملي. وعندما سُئل عن مسيرات الفخر، قال: “الشرطة تحمي جميع التجمّعات السلمية. هذا هو القانون، وأنا ألتزم القانون”. وعندما سُئل إن كان سيشارك في هذه المسيرات، أجاب بلطف بأنّه مشغول في تحديد مواقع الفساد المرتبط بأوربان، وفقاً لما نقله الباحث في شؤون الديمقراطية توم كاروثرز (Tom Carothers). فهو يدرك أنّ معظم ناخبيه، رغم سخطهم من أوربان، ما زالوا محافظين اجتماعياً. وهو يقدّم لهم الأمن الاقتصادي والاستقرار الديمقراطي مقابل قدر من التسامح. إنّها صفقة، لا ثورة.

هنا تكمن عبقرية التركيبة الليبرالية – المحافظة. يقبل ماغيار بالإطار الثقافي للمجر التقليدية (الأسرة، والدين، والعلم) لكنّه يُصرّ على أن هذه القيم لا تزدهر إلا في ظلّ مؤسّسات ليبرالية وإعادة تأهيل الخدمات العامة (خصوصاً الصحّة والتعليم). فالمجتمع المحافظ يحتاج إلى دولة محايدة. من دون هذا، تتحوّل المحافظة إلى محاباة زبائنية. هذا هو جوهر المحافظة الليبرالية: تحقيق نتائج محافظة عبر آليات ليبرالية. وهو نقيض محافظة أوربان اللاليبرالية، التي سعت إلى تحقيق نتائج محافظة عبر سلطة تعسّفية.

المخاطر المقبلة

لا شيء من هذا مضمون. يرث ماغيار دولة مُفرَّغة من مضمونها. فما يزال الجهاز الإداري مكتظّاً بموالين لحزب فيدس. كما أنّ المحكمة الدستورية مكدّسة بتعيينات فيكتور أوربان، الذين يشغلون ولايات تمتدّ تسع سنوات. ولا يزال الدستور يحمل في طيّاته التعديلات اللاليبرالية لأعوام 2013 و2018 و2022. أمّا الأغلبية الساحقة التي يمتلكها ماغيار (الأداة نفسها التي استخدمها أوربان لترسيخ سلطته) فهي سيف ذو حدّين. فإذا استعملها لفرض إصلاحاته الحزبية بالقوة، فسيغدو شبيهاً بما أطاحه. إنّ التحدّي الذي يواجهه يتمثّل في استخدام وسائل ليبرالية لتحقيق غايات ليبرالية.

لم يفز ماغيار لأنّه أصبح يسارياً أو ثورياً، بل لأنّه قدّم عودة إلى العقد الأساس للديمقراطية الليبرالية، مع التركيز على العدالة الاجتماعية

لقد وعد بدستور جديد، يشرف البرلمان على صياغته لا كتلة حزبية. كما تعهّد بالتخلّي عن سلطته المعزَّزة بعد إقرار الإصلاحات التأسيسية. غير أنّ مدى وفائه بهذه الوعود هو ما سيحدّد ما إذا كانت المجر ستشهد انتقالاً حقيقياً، أم أنّها ستستبدل رجلاً قوياً بآخر أكثر تهذيباً فحسب.

ويظلّ السؤال مُلحّاً: إلى أيّ مدىً تستطيع هذه الليبرالية “الماغيارية” أن تعالج علل الليبرالية الرمزية، ولا سيّما في ما يتعلّق بسياسات عدالة توزيعية فعلية تتجاوز حدود دعم القطاع الصحّي وإصلاح التعليم العمومي؟ وماذا عن الموقف من طالبي اللجوء، ومن توجّهات السياسة الخارجية المجرية إزاء قضايا عادلة، مثل القضية الفلسطينية (وهو لديه موقف عادل من احتلال روسيا لأكرانيا)؟… تبقى هذه كلّها أسئلةً مفتوحةً، معلّقةً إلى أن تمضي المائة يوم الأولى على تسلّمه الفعلي للسلطة وتشكيل حكومته.

درس ممكن

إنّه انتصار الوسط البراغماتي. ففي زمن تتصاعد فيه الشعبويات المتطرّفة، الترامبية من جهة، والليبرالية الرمزية من جهة أخرى، شقّ ماغيار طريقاً لا يبدو راديكالياً إلا في اعتداله. إنّه محافظ يريد أن يكون صديقاً للاتحاد الأوروبي. قومي يريد مكافحة الفساد لا المهاجرين. متديّن يتسامح مع العلمنة. ديمقراطي يمتلك أغلبيةً ساحقةً، لكنّه يعد بعدم إساءة استخدامها. لقد أمضت أوروبا عقداً وهي تخشى التراجع الديمقراطي؛ وكانت المجر بمثابة جرس الإنذار. لكنّها يمكن أن تكون أيضاً دليلاً على إمكانية استعادة الديمقراطية.

لا تكمن أهمية انتصار ماغيار في ما يقوله عن موقع المجر على الطيف الأيديولوجي، بل في ما يكشفه من تغيّر طبيعة التنافس السياسي

لم يفز ماغيار لأنّه أصبح يسارياً أو ثورياً، بل لأنّه قدّم عودة إلى العقد الأساس للديمقراطية الليبرالية، مع التركيز على العدالة الاجتماعية من خلال إعادة تأهيل الخدمات العامة: أن تخدم الدولة المواطن لا الحزب؛ وأن يُطبَّق القانون على الأقوياء كما على الضعفاء؛ وأن يكون للانتخابات معنى. إنّه محافظ يؤمن بالمؤسّسات الليبرالية. قومي يؤمن بالقواعد الأوروبية. كاثوليكي يؤمن بقضاء علماني. وإذا نجح، فلن تتحوّل المجر إلى السويد. ستبقى محافظةً، ومتديّنةً، وحذرةً، لكنّها ستكون أيضاً حرّة. وبعد 16 عاماً من الظلام اللاليبرالي، تبدو الحرّية (الحرّية الإجرائية الليبرالية البسيطة) الفكرةَ الأكثر راديكالية على الإطلاق.

في المحصلة، لا تكمن أهمية انتصار ماغيار في ما يقوله عن موقع المجر على الطيف الأيديولوجي، بل في ما يكشفه من تغيّر طبيعة التنافس السياسي، فهو يشير إلى انتقال من استقطاب قائم على الهُويّة إلى سياسة تتمحور حول العدالة الاجتماعية، والحوكمة، والشرعية. ويبقى السؤال مفتوحاً عمّا إذا كان هذا التحوّل قابلاً للاستمرار، وما إذا كان قادراً على تحقيق تحسينات ملموسة في حياة الناس.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى