زمن رعاة الحجر

   آدم فتحي

       

ثمّة عبارات بشعة تُقالُ بِنِيّة إرهاب الخصم، لكنّها تُعرّي قائلها أكثر مما تُروّع سامعها. التلويحُ بإعادة الخصوم إلى القرون الوسطى، على سبيل المثال، أو التهديد بإعادتهم إلى العصر الحجري، فضلاً عن التبجّح بإبادتهم، والتطاوس الهمجيّ بقتل نُخبِهم واختطاف رؤسائهم واحتلال أراضيهم وانتزاع ثرواتهم. هذه العبارات قادمة من جذور بعيدة. عام 2012 صرّح وزير الداخلية الصهيوني، وفقاً لصحيفة هآرتس، بأنّ مجازر تلك الأيّام (أطلق عليها اسم العمليّات طبعاً)، كانت تهدف إلى إعادة غزّة إلى القرون الوسطى، لتأمين أربعين عاماً من الهدوء. أمّا وزير الدفاع غالانت، في 2023، فقد تجاوز القرون الوسطى، وتوعّد لبنان بإعادته إلى العصر الحجري. لم تعد القرون الوسطى “أُفُقاً” مع نتنياهو، ولم تعد الأعوام الأربعون مكافأةً كافية. صارت الأبديّة هي الأفق الموعود، وصارت ممارسة الإبادة سياسة دولة. الجذورُ نفسُها تقف وراء تلويح ترامب بإبادة إيران. كان الجنرالُ الأميركي لوماي سبّاقاً إلى هذا المعجم بخصوص فيتنام في ستينيات القرن الماضي، حين نصح الشيوعيين في فيتنام الشمالية بإيقاف “عدوانهم”، قبل قصفهم و”إعادتهم إلى العصر الحجري”. كيف أمكن لهذه الديمقراطيّات المزعومة، التي صدّقها العالم، أن تسمح لنفسها بارتكاب جرائم تدّعي تحريمها على الآخرين؟ كيف سمح الوعي الحداثي والضمير الديمقراطيّ بالابتزاز والاختطاف والقتل، وترجمة ذلك كله إلى لغة تجاريّة، مركانتيليّة، فضلاً عن المفاخرة بإبادة شعوب وحضارات، أو حتى بمجرّد التهديد بإبادتها؟

تقف بنا هذه الرطانة الكاسرة أمام هاويتين: تتمثّل الأولى بالانتقال من حَيْوَنَةِ العدوّ إلى تشيِيئه، كأنّه كفّ عن أن يكون شعباً أو مجتمعاً، وأصبح “مادّةً” يمكن سحقها وصهرها أو إرجاعها إلى حالتها البدائية. جاء في مقال لإغناسيو رامونيه عن السينما الأميركية والحرب، (“لوموند ديبلوماتيك”، إبريل/ نيسان 2002)، أنّ ضابطاً أميركيّاً زار إحدى المدارس ليقدّم للتلاميذ انطباعاته عن الهند الصينية، فقال: “لولا الفيتناميّين لكانت فيتنام بلداً جميلاً”. تلك ذهنيّة راعي البقر الذي بنى نفسه على أنقاض الهندي الأحمر. لكأنّ الحضارة ليست شبكة معقدة من المسارات، بل مجرّد طبقة رقيقة يمكن كشطها بالقنابل. أمّا الهاوية الثانية، فتتمثّل بأنّ القوة التي تدّعي القدرة على إعادة الآخرين إلى العصر الحجري، تعترف ضمناً بأن هذا “العصر” ما زال يسكنها. كأن التكنولوجيا لم تفعل سوى وَضْعِ هراوةٍ في يد نظام صاروخي، أو تحويل راعي البقر إلى راعي حجر، وتسويق العودة إلى “الكانيباليزم” المتوحّش إنجازاً استراتيجيّاً وليس كارثة. هكذا يسمح القانون الدولي لمجرمين من هذا النوع بالإفلات من العقاب. وتسمح النظم الديمقراطيّة لمجانين بالصعود إلى قيادة العالم. وتسمح قيم حقوق الإنسان بالقفز من زمن رعاة البقر إلى زمن رعاة الحجر، من دون المرور، حتى العابر، بعصر رعاة البشر. وأين رعاة البشر؟ بل أين البشر أصلاً، من جميع الأعراق والأديان؟ لو وُجد بشرٌ حقّاً، لا شعوبٌ من حجر، لما حدث شيءٌ ممّا يحدث.

هل يدفعنا هذا إلى تصديق السرديات الأسطوريّة عن “حضارات متقدّمة”، دمّرَها جنون البشر، وعاد بها إلى العصر الحجري، بفعل حروبٍ كارثيّة أعادت الأساطير “إنتاجها” في شكل زلزالٍ أو طوفان؟ ليس من دليلٍ علميّ موثوق على ذلك. إلّا أنّ الفكرة تبدو مغريةً على المستوى الرمزيّ. ولعلّها تبدو أقلّ خيالاً مما نظنّ. مدنٌ حديثة تتحوّل أمام أعيننا إلى أنقاض. دولٌ تتقهقر إلى مستويات معيشية كارثية. مجتمعات تُفكّك بنيتُها بالكامل. نسخٌ متتالية من هولاكو وهتلر تتزايد خطورتها مع تزايد أسلحة الدمار الشامل التي تتصرّف فيها. بعبارة أخرى: لسنا بحاجةٍ إلى أساطير عن ماضٍ غامض. نحن ننتج عصورنا الحجرية بأيدينا، هنا والآن. يكفي أن ننظر إلى الوحشيّة الانتقاميّة التي استُهدِفَت بها غزّة بالأمس القريب، وبيروت في الأيّام الماضية. يكفي أن ننظر إلى ما أصاب المواطنات والمواطنين المدنيّين في مشارق العالم ومغاربه. ما من مكانٍ محصّنٍ من التحجّر العضوض. وليس “التحجُّرُ” مرحلة زمنيّة، بل حالة ذهنية تظهر في أي وقت، في أي مكان، حتى في أكثر الدول تقدماً. والخطر، كلّ الخطر، أن يكتشف العالم بعد فوات الأوان، أنّ بعض من يقودونه لم يغادروا مربّعاتهم القديمة أصلاً، ولم يتغيّروا. كلّ ما تغيّر أنّهم كانوا رعاةَ بقر وأصبحوا رعاة حجر.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى