
طالعتْنا نماذج من التجاذبات التي نريد وصفها “عقيمة” شهدناها أخيراً على خلفية حرب الأربعين يوماً التي شهدتها منطقتنا الخليجية، على وسائل التواصل الاجتماعي، لا بل حتى في الوسائل الإعلامية الرسمية أو شبه الرسمية في بلدان مختلفة، وانخرط فيها كثيرون، انطوت على استهدافات متبادلة للدول التي ينتمي إليها هؤلاء المنخرطون؛ خليجيون يهاجمون بلداناً عربية شقيقة، وأشقّاء عرب يهاجمون في المقابل بلدان الخليج. وفي الحالين، لمسنا أوجهاً من التعالي على الآخر. خليجيون مأخوذون بما تحقق في بلدانهم من يُسر في العيش وتطوّر في الخدمات والبنى التحتية يصفون بلداناً عربية شقيقة بالتخلف، لأنها لم تبلغ ما بلغته بلدان الخليج، وعربٌ يقولون القول نفسه عن شعوب الخليج: “أنتم أقوام من البدو حلّت عليكم نعمة النفط”.
كوني أنتمي إلى بلد خليجي شعرتُ باستياء مزدوج، استياء من تطاول بعض الأصوات في الخليج على بلدانٍ عربية مفصلية، ليس فقط بإرثها الحضاري ومنجزها الثقافي والفكري، وما تركه من أثر كبير في تطوّر الثقافة العربية، مشرقاً ومغرباً، وإنّما أيضاً بدورها السياسي المحوري في المنطقة، وفي مقدّمتها مصر التي قلتُ عنها غير مرّة “في قلب كلّ عربي شيءٌ من مصر”، واستياء مقابل من تطاول بعضهم في بلدان عربيّة على شعوب الخليج. ولن أنخرط هنا في الشأن السياسي، لأنّي أعلم تعقيداته، ولكن وجود وجهات نظر في أداء الحكومات في أيّ مكان لا يجيز النيْل من البلدان وشعوبها أيّاً كانت الذريعة.
ولكي أشرح فكرتي بعض الشيء، أعود إلى ما تناولته في مقدمة كتابي “حداثة ظهرها إلى الجدار” (صدرت طبعته الأولى في العام 2021)، حول ما يأخذه بعضهم على بلدان الخليج، فالثروة النفطية، مثلاً، ليست ظاهرة خليجيّة فقط، فالنفط موجود وبكميّات كبيرة في بلدان عربيّة أخرى، كالعراق وليبيا والجزائر وغيرها، لكن مكانةً محوريةً أصبحت له في الخليج، لا في بنية الاقتصاد وحده، إنّما في مجمل التحوّلات الاجتماعيّة. والنفط ليس ظاهرة خليجيّة فقط من زاوية أخرى لا تقلّ أهميّة، فهو في مفاعيل العوائد النّاجمة عنه بات ظاهرة عربيّة، من خلال ما يعرف في دراسات علمَيِ الاجتماع والاقتصاد “الهجرة إلى النفط”.
أما القول إنّ أهل الخليج ليسوا سوى أقوام من البدو، فيما البداوة، لغة ومفهوماً، ليست مأخذاً، وإنّما هي مفهوم اجتماعي ذو مضمون اقتصادي بالدرجة الأولى، على النحو الذي شرحه ابن خلدون في تفريقه بين البدو والحضر، حين قال إنّ البدو هم “أولئك الذين يجتمعون ويتعاونون في حاجاتهم ومعاشهم وعُمرانِهم من القوت والمسكن والدفء بالمقدار الذي يحفظ الحياة، ويُحصِّل بلغة العيش من غير مزيد عليه للعجز عمّا وراء ذلك”، مفرّقًا إياهم عن الحضر الذين هم، بحسب وصفه أيضاً، “الجماعة من الناس الذين اتّسعت أحوالهم وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرّفه”.
وإذا ما اعتمدنا هذا التفريق الخلدونيّ، فإنّه لا يصحّ، في ظروف الرّاهن على الأقل، وصف المنطقة وأهلها بالبداوة، حتى لو بقيت لها تجليّات، بل إنّه حتى في زمن البداوة نفسه، كانت هناك مدنٌ مستقرّةٌ في الحجاز والمنطقة الشرقيّة من الجزيرة العربيّة وفي مدن خليجيّة مختلفة كمسقط والمنامة ودبيّ والكويت وسواها، يشتغل أهلها بالتجارة والحرف اليدويّة، كما كانت هناك مناطق زراعيّة انصرف ساكنوها إلى العمل فيها فلّاحين، وكان منتوج مزارعهم، إضافة إلى صيد الأسماك، كافياً لتأمين مستوياتٍ معقولةٍ من العيش.
ومن وجهة نظر التاريخ والجغرافيا، البداوة أيضاً ليست حالاً خاصة بأهل الخليج والجزيرة العربيّة، فالصحارى واسعة وممتدّة في عالمنا العربي من مشرقه إلى مغربه، وحيث وُجدت الصحارى، بكلّ ما فيها من صعوبات العيش وندرة المياه والزّرع، توجد صور للبداوة ما زالت قائمة، وليس في ذلك مدعاة للشماتة أو النظر بدونيّة إلى الأقوام التي شاءت أقدارها أن تعيش هناك.
المصدر: العربي الجديد






