حين يفاوض لبنان من أجل البقاء

   يقظان التقي

يدخل لبنان مسار تفاوض مبدئي مباشر مع إسرائيل في خطوات متدرّجة، ما يعكس تحولاً سياسياً في مقاربة صراع طويل يكشف عن هول الخسائر البشرية والأضرار المادية، على النحو الهمجي الذي تسببّت به أخيراً أكثر من مائة غارة جويّة منسقة في أنحاء البلاد. وما زال اللبنانيون يحصون قتلاهم ويواصلون البحث عن المفقودين ورائحة الدخان تملأ المكان، إذ قتلت في دقائق أكثر من 300 شخص، وأسفرت عن إصابة 1100، وهدّدت بتشريد آلاف العائلات في موجات نزوح وعنف جديدة. وذلك استمراراً لعدوان مستمر يفتح جروحاً كبيرة في مشاهد الدمار والخراب وعدم الاستقرار. فسارعت الدولة اللبنانية بأركانها الرئيسية إلى محاولة اتخاذ خطوات سريعة تجنّباً للإبادة الكاملة، علّها توقف حمّام الدّم من خلال الطلب من الجانب الأميركي بدء مفاوضات تمهيديّة لوقف النار أولاً، وثانياً التمسّك بقرار سياسي يرفض أن تكون أي دولة هي المتحدث الرسمي نيابة عن لبنان وشعبه، في حرص أميركي – عربي على إعطاء ورقة قوة للسلطة السياسية بعد محاولات إيرانية للإبقاء على وحدة المسارات والمساحات، ضمن مفاوضات إسلام أباد. ثمّ التقدّم في القضايا الكبرى وفقاً لسير مفاوضات التسوية الإقليمية الكبرى في المنطقة.

من وجهة نظر لبنانية رسميّة، مثّلت جولة العدوان أخيراً خسائر حاسمة وغير مسبوقة منذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان في 1982، وحددّت إسرائيل أهدافها بالاجتياح العسكري، والتدمير الشامل للقرى والبلدات الجنوبية، والقتل والتهجير وإثارة النزاعات الداخلية بين فئات الشعب اللبناني المنهكة. فيما يتحمّل حزب الله مسؤولية جرّ البلاد إلى حربٍ باسم إيران، ولم يعد هدفه الدفاع عن الجغرافيا في القرى والبلدات، بل عرقلة الغزو، والحفاظ على قدراته العسكرية على المدى الطويل. هذا، في وقت يعيش لبنان عزلته عن العالم، وبات أزمة هامشيّة منذ الهجمات الأميركية – الإسرائيلية في أواخر فبراير/ شباط الماضي على إيران، والتي أعقبها دخول حزب الله الأحادي في الصراع.

لذلك، ستكون الطريقة التي يجري بها وقف الحرب عبر آلية حكومية في إدارة الصراع (إذا كان من الصعب إنهاؤه) برعاية أميركية، وسيتعين على الرئيس ترامب أن يحكم في الأمر، وإقناعه بمساعدة لبنان الذي يذهب إلى المفاوضات “بقوة الضحيّة”، كما قال نائب رئيس الحكومة، طارق متري، وأن يضغط على الدولة العبرية لتعليق حملتها البربرية، ومنع بنيامين نتنياهو أن يكون مفسداً لوقف الحرب في المنطقة، مع خطورة أن تعمد إسرائيل إلى تفجير أي اتفاق أميركي – إيراني، أو أن يعمد حزب الله إلى تفجير اتفاق لبنان – إسرائيل.

الأخطر أن الدولة لم تختر هذه الحرب، بل عارضتها، وما زالت تبحث عن سبلٍ لوقفها وهذه ضرورة وطنية لا خياراً

بدأ وضع لبنان يتغير بعد نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، مع اتفاق وقف النار، وهو مثلّ لحظة ضغط على حزب الله لم يسبق أن واجهها خلال حرب 2006. ولبنان في انفتاح سياسي مع انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتعيين نواف سلام رئيساً للحكومة، وكلاهما لا يخضعان لسلطة سوريا أو إيران. وعليه أن يتقدم ويعمل ليحمي بقاءه ويمنع تكرار المأساة ذاتها، لكن يفترض التفاوض مع إسرائيل أن يكون محصنّاً بإرادة واحدة، ورشة داخلية وإجراءات تفصيلية تكون مسودة هذا التفاوض الذي يتعدى موضوع ترسيم الحدود البحرية (2019)، أو العودة إلى اتفاقية الهدنة 1949، وبخلاف القواعد التي حكمت علاقة العداء التاريخي، وأدبيات التذكير بالمبادرة العربية للسلام 2002، وليس بالقفز إلى سلام “مستعجل”، يكسر عرفاً طويلاً من التبرّم بالقول “إن لبنان آخر دولة توقع اتفاقية سلام مع الكيان المحتل”.

يُدفع لبنان بقوة إلى خوض تجربة حسّاسة جداً وخطيرة، وهو على صفيح ساخن من التناقض العضوي مع حزب الله، الذي يعاني من صورة مشوّهة كجزء أساسي من الحرس الثوري، وعلى أرضية واقع داخلي مأزوم بأوضاع اقتصادية واجتماعية غير محتملة أصلاً. والبعض يحذر بقوة من تحميل القوات المسلحة اللبنانية وحدها مسؤولية حل أزمة استمرّت منذ 1968 كجبهة صراع مفتوحة تأخرت تسويتها لما بعد عام 2000، حيث كان من المفترض أن يفتح الباب أمام خيارات التعزيز الداخلي، وضرورة العمل في ترتيب سياسي واحد في ما يوازي إنجاز التحرير.

مع ذلك، ستكون عملية التفاوض سياسية أكثر بعد سلسلة قرارات مفصليّة اتخذتها حكومة نواف سلام في موضوع حصر سلاح الحزب، وكعنوان دستوري يضمن لرئيس الجمهورية إجراء مفاوضاتٍ دبلوماسية مدفوعة برغبة السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى. وهنا تقوم إشالكية أن هناك حقائق وليس حقيقة واحدة، على أساس أن السيادة لا تتجزأ، ولا يجوز أن يجري التفاوض في توقيت خاطئ في لحظة اختلال فادح في موازين القوى، وخطورة أن يتحول لبنان إلى تفصيل عالق في خيبة لا يمكن مداراتها في ضوء عدم اليقين من خطوة، قد لا تلاقى كل التراضي الوطني حولها. ويبقى معرفة جدول أعمال الجانب الإسرائيلي، ولا شيء مضموناً مع عدوانية يعبر عنها تارة بالتهديد بقصف بيروت والبنى التحتيّة، وطوراً بإعلانات تشكيل منطقة عازلة كأمر واقع والتقدم في عمق الجنوب اللبناني، وصولاً إلى نهر الليطاني، بالتزامن مع محو مدن وقرى بكاملها، ما يصعّب المفاوضات، ويجعلها بشكل استسلام. إلا إذا كان الجانب الأميركي ومعه المجموعة العربية والدولية يصرّون فعلاً على مساعدة الدولة، وتعزيز دور الجيش في عودة بسط سلطتها على أراضيها المحتلة كاملة.

يُدفع لبنان بقوة إلى خوض تجربة حسّاسة جداً وخطيرة، وهو على صفيح ساخن من التناقض العضوي مع حزب الله

لا تتعلق الإشكالية في مبدأ التفاوض نفسه، بل في من يملك الأشياء والقرار والتنفيذ. فالنزاع الداخلي واضح بين من يريد أن يبقي قرار سيادة لبنان بيد الدولة، وتحميلها المسؤولية الكاملة عن ملف السلاح على أراضيها وإنهاء الحرب بشكل نهائي ومن يريد إبقاء هذا القرار بيد النظام في إيران، أي الحفاظ على لبنان ساحة حرب وصندوق بريد في التفاوض الإقليمي. والتجارب التاريخية تقول إن الحروب كارثية، وتفترض نهاية لها في البحث عن تسويات عندما تكون كلفة استمرارها ضخمة: مساحات تحرق بالنار، خسائر بشرية ومادية لا تحصى، نزوح لربع سكان لبنان، مستقبل بلا أفق، تصدّعات عميقة تهدّد السلم الأهلي، والأخطر أن الدولة لم تختر هذه الحرب، بل عارضتها، وما زالت تبحث عن سبلٍ لوقفها وهذه ضرورة وطنية لا خياراً، لا سيما أن استمرارها كما هي لن ينتج سوى مزيد من الخسائر الإضافية على اللبنانيين جميعاً.

مع ذلك، يلجأ حزب الله إلى التصعيد على اعتبار المفاوضات المباشرة تضرب رهاناته، وتشكل خطْاً استراتيجياً يضرب توازنات داخلية واضحة، ويقابلها في الشارع بحملات تخوين وتهديدات تطاول رئيس الحكومة، على خلفية أن القرار بنزع السلاح في بيروت يعني خروجاً له من دائرة السياسة، كما أن عزله عن الحماية الإقليمية الإيرانية وهو يخوض حرباً واسعة مع العدو، يضع لبنان في دائرة الالتفاف على أي وقف حقيقي لإطلاق النار، وفي استنزاف بلا أفق مع الاستسلام الكامل للشروط الإسرائيلية في التفاوض “تحت النار”، لكن تؤكد التجربة اللبنانية أن لبنان خاض منذ عام 1983 مسارات تفاوضية، حصلت سابقاً في اتفاق 17 مايو/ أيار، في اتفاقية الترسيم البحري 2022 وفي اجتماعات “الميكانيزم” (ممثلون عسكريون عن لبنان وإسرائيل وقوات الأمم المتحدة)، وغالباً ما كانت نتائجها أفضل من حربٍ مفتوحة بلا أفق. وتشكّل مبادرة التفاوض المباشر حالياً فرصة للقيادة السياسية اللبنانية الجامدة بأن تقدّم طرحاً دبلوماسياً لوقف الحرب لصالح الحياد والتموضع العقلاني بالوقوف على مسافة من النيران (سبق للرئيس نبيه بري في حديث قديم لصحيفة لوفيغارو أن قدّم عرضاً للتفاوض مع إسرائيل عن طريق فرنسا لإنهاء الحرب على لبنان)، لا سيما أن لبنان محكوم بأن لا ينخرط في أي محور يعادي محيطه العربي، ورفض حزب الله لها يعني استعداده لحرب دائمة، ووضع لبنان في مواجهة ليست سهلة مع إسرائيل وإيران في آن.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى