
يدين عالم الصحافة والإعلام إلى شبكة سي أن أن في أكبر فتوحاته، بتدشينها أول تغطية مباشرة في تاريخ الإعلام لحدث كبير ومتصاعد (حرب الخليج الثانية)، وإلى تلفزيون الواقع في أسوأ سقطاته، وإلى هذا الأخير ينتمي الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى حدّ كبير، قبل رئاسته وخلالها.
يسأله مراسل “نيويورك تايمز”: ألا يقلقك أن تنتهك الهجمات (الأميركية) على البنى التحتية في إيران اتفاقات جنيف والقانون الدولي؟ فلا يردّ على السؤال، بل على المراسل، الذي عليه أن يقلق، بحسب رئيس الدولة الأقوى، من تراجع توزيع صحيفته. وهذا لا يمكن أن يفعله سوى ترامب، الذي حوّل العالم كلّه إلى شاشة ضخمة، لا يرغب بظهور أيّ شخص آخر عليها سواه.
ثمّة انزياحات شرّيرة لترامب، وتكاد تكون منهجية، لمفهوم الأخبار والإخبار منذ ولايته الأولى، فهناك أخبار زائفة أو كاذبة إذا كانت لا توافقه أو تنتقده، وهناك “الواقع” وشاشته الضخمة التي ينقل إليها الأخبار التي يريدها أو تروقه، ما جعل عالم الأخبار يتحرّك في فضاءين منفصلين: فضاء حقيقي تمثّله “نيويورك تايمز” و”سي أن أن” وسواهما، ودرامي تلفزيوني جعله يبتلع الفضاء الأول ويقصيه، فإذا العالم كلّه يتحرّك في شاشة ترامب لا في الواقع.
عملية الاستبدال هذه أحالت تغطية الحرب على إيران إلى نوع من الصراع بين الصحافة والإعلام من جهة، وتلفزيون ترامب للواقع من جهة أخرى. ولأنّ مسعاه ممنهج، ولتمتّعه بالقوة والسيطرة، سرق تلفزيون الواقع التغطية الحقيقية إلى حدود كبيرة، أو على الأقلّ جعلها موضع شكّ أو جاذبية أقلّ. فليس المهم هو الحدث، بل تعليق ترامب عليه. والأخير يقول الشيء ونقيضه، وعندما يُسأل يجيب بفظاظة وسخرية لا تليق بمنصبه، ما يجعله موضوعاً للتغطية التي لا تقول شيئاً سوى أنّنا أمام أكبر عملية قرصنة في التاريخ لمفاهيم مثل الصورة والإعلام والإخبار، بل ومصداقية كلّ ما سبق.
على أن عملية التعويم أو التسييل هذه، التي تهدف إلى تغليب نهج على آخر والاستحواذ عليه بغرض تدميره، تتميّز بخطورة بالغة في أزمنة الحروب، بحيث تغيّب ويلاتها وكوارثها لصالح “دراميتها”، والأخيرة من إنتاج ترامب وتلفزيون الواقع. مثلاً، يضرب ترامب المواعيد لشنّ هجمات غير مسبوقة، فيحبس العالم أنفاسه، وعندما تنقضي المهلة يقوم بتمديدها ببساطة مذهلة، ما يخلق توتّراً درامياً لا علاقة له بالوقائع التي يموت فيها الناس وتُدمّر بيوتهم ويواجهون مستقبلاً قاتماً، من دون أن يلتفت إليهم أحد. والظنّ أنّ ترامب نجح في منح الحروب بعداً درامياً موازياً، لكنّه كارثي لأنّه غير حقيقي، يتعلّق بالكلام، وبالشيء ونقيضه.
حقّقت “سي أن أن” ريادتها الكُبرى بتغطية حرب الخليج الثانية من فندق الرشيد في بغداد، في أوّل بثّ مباشر للخبر فور وقوعه، من دون توسّط، بل على الهواء، لتصبح تلك الحرب هي “التلفزيونية” الأولى في تاريخ الصراعات في العالم. وكان لمراسلها بيتر أرنيت (تُوفّي بالمناسبة في ديسمبر/ كانون الأول الماضي)، قصب السبق في التغطية الماراثونية، وفي نقل الحدث إلى التلفزيون، فإذا به (الحدث) البطل، وهذه هي عملية الإخبار في نهاية المطاف. في المقابل، نجح ترامب في عكس عملية الإخبار وتفريغها من محتواها. لقد أنشأ شاشته، لكنّه لم ينقل إليها الخبر، بل محاولات تفكيكه، ليصبح هو (ترامب) الحدث والخبر، ما أوجب لجوءه إلى تقنيات الدراما لتضليل المتابع وإقناعه بأنّ الحدث هنا؛ إنّه ترامب الذي لا يتوقّف عن إطلاق التصريحات، من توفير الحليب لطلاب المدارس في إحدى الولايات إلى التهديد بالتدمير والإعادة إلى العصر الحجري في خطاب واحد.
ولا بأس أن يقوم، خلال هذا وذاك، بالرقص وتحية الجمهور، ومناداة أركان إدارته بالاسم، أو توجيه التعليقات الساخرة والمحرجة لزعماء من العالم، كان من سوء حظّهم أنّهم لبّوا دعوته أو زاروا بلاده.
نال بيتر أرنيت جائزة بوليتزر رفيعة المستوى على عمله الصحافي في تغطية الحروب من فيتنام إلى العراق، ويبدو أنّ ترامب يتطلّع إلى ما هو أكثر واقعية ومواءمة لمسعاه المضادّ: الأوسكار البديلة التي تُمنح لأسوأ ممّثل أو ممثّلة. ولو مُنحت له، فالظنّ الغالب أنّه سيبتهج ويُلوّح بها مفاخراً أمام جمهوره في تلفزيون الواقع “خاصّته”.
المصدر: العربي الجديد






