
أدخلنا ترامب، في نحو الرابعة فجر أمس (بتوقيت الدوحة) في ما قد يكون “العصر الذهبي للشرق الأوسط”. وكان قبل نحو ثماني ساعات من هذه “البُشرى” قد أعاد تذكيرنا بأنه سيُعيد إيران إلى “العصر الحجري”، الذي جهر بالوعيد به قبل أيام، ثم أعقبه بكلامٍ عن “جحيمٍ” هدّد به إيران إذا لم تمتثل لمطالب طرحها بصيغة الآمر الذي لا يُناقش. وتُفيدنا خبرتنا (اليومية) مع ترامب بأن المسافات الزمنية، بين عصرٍ كانت البشرية تخطّ تشريعاتِها وأخبارَها وآدابها على الحجارة والعصر الذي نوعَد نحن، أهل الشرق الأوسط، بأن يكون ذهبيّاً، لا تُقاس بآلاف القرون، وبالأطوار الحضارية التي قطعها الإنسان منذ مغادرته تدويناته على الحجارة ثم الألواح ثم البردي ثم ما لا أعرف وصولاً إلى تدويناته في الزمن الرقمي والخوارزمي الذي نقيم فيه، وتتفشّى في غضونه الحماقات في أفهام كثيرين من أهل القرار، من طينة ترامب نفسه الذي يظنّ الحضارة مصانع بتروكيماويات ومحطّات كهرباء وجسوراً، ولا يعرف أنها نتاجاتُ أمة وثقافتها وفنونها وابتكاراتها وإبداعاتها ومصنوعاتها.
ولكن، لا بأس… لن نعتَب على ترامب إذا لم نجد أنفسنا في العصر الذهبي الموعود. الأهم أن ترتاح بلادُنا، وفي مقدّمتها دول الخليج، من التأزّم العسكري الذي كانت فيه جولة الأربعين يوماً المنقضية انعطافيّة، والتي لا حرج في التكرار للمرّة الألف أنها تفترض من أهل القرار في دول مجلس التعاون الستّ أن يكون ما بعدها ليس كما قبلها مطلقاً. الأهم أن يتقدّم شيءٌ من العقل للحدّ من اندفاعات الجنون الذي تمثّله لغة ترامب ووزير الحرب لديه، والجنون الذي تعبّر عنه خيارات الحرس الثوري الإيراني التي ترى في دول الجوار الخليجي مسرحاً للتنفيس عن انتكاساتٍ عسكريةٍ واستخباريةٍ فادحةٍ نجحتا، إسرائيل والولايات المتحدة، في إحداثها في بلاده. الأهم أن يُصان الأمن في الإقليم، ولا يكون رهناً لحسابات نتنياهو والعموم الإسرائيلي الذي لا يكترث بأي تبعاتٍ أو تداعياتٍ (إنسانيةٍ واقتصاديةٍ وغيرهما) لحروبٍ على إيران لا يريدونها تتوقّف، فتحوّل هذا البلد دولةً فاشلة تُفكّكها صداماتٌ مجتمعيةٌ واضطراباتٌ سياسية وأمنية.
ليس مهمّاً أن يفوتنا، في المنطقة، العصر الذهبي الذي يظنّ ترامب أننا نقبض وعدَه لنا به على محمل الجدّ. أولى الأولويات أن تنجح مفاوضات إسلام أباد المرتقبة بين واشنطن وطهران في تفادي العودة إلى الحرب، وقبل ذلك أن تُردَع اليد الإسرائيلية الآثمة عن التمادي الوحشي على لبنان وأهله… يكون أهل الشرق الأوسط في عصرٍ ذهبيٍّ لو غادرت طواقم القرار في واشنطن وتل أبيب ذهنيّة الغطرسة التي تجيز ارتكابات الإبادة والقتل والترويع والتهديم في غزّة ولبنان وإيران، ولو غادر الحاكمون في الأخيرة فوقيّة بدا لنا، أخيراً، أنها تتوطّن في مداركهم تجاه أهل الخليج. وكان الظنّ أن مصالح الجوار المشتركة، والتي تنامت أخيراً، حرّرتهم من فرضيّاتهم المقيتة عن دول الخليج ملاعب أميركية يُجاز استهدافُها ما دام أن فلوريدا وكاليفورنيا وميشيغن (وغيرها) بعيدة. تستحقّ شعوب المنطقة أن تعيش عصراً ذهبيّاً، من غير الصنف الذي في مخيّلة ترامب الضيقة، وهي شعوبٌ تأنفُ من الحروب والمنازعات وتنشدُ الاطمئنان والدّعة والأمن والأمان. ولكن سرطاناً اسمُه إسرائيل لا يواظب فقط على تسميم الأمزجة والأجواء، وإنما يدأب أيضاً على اقتراف الشناعات، وكأن ترخيصاً ما له يُجيز انتهاكاته اليومية القانون الإنساني الدولي، على ما فعلت الآلة الحربية العدوانية لدولة الاحتلال سحابة نهار أمس في اللبنانيين، في رسالةٍ يؤكّد فيها رؤوس الإرهاب في الحكومة الفاشية هناك عدم احترامهم أي اعتبارٍ لما أعلنه رئيس الوزراء الباكستاتي عن شمول الاتفاق الإيراني الأميركي الليلة قبل الماضية وقف حرب الاستباحة الإسرائيلية في لبنان.
ليس عصراً ذهبياً، إذن، يفتتح ساعاته الأولى بجرائم موصوفة يرتكبها العدو الإسرائيلي في اللبنانيين، ولا يُسمع من صاحب الوعد بهذا العصر صوتٌ يطلب من حليفه في الاستخفاف بالمنطقة وشعوبها ومقدّراتها، نتنياهو، بأن يرعوي، ويتوقّف عن فظاعاته غداة ساعات قلقٍ ترقّبت أنباءً من إسلام أباد، كان سارّاً أنها أبعدت، حقّاً، نذر جحيمٍ ترتكبه عقولٌ متحجّرة (مع الاحترام للعصر الحجري)، غير أن لبنان بقي فريسة الذئب الإسرائيلي الذي لن يستقيم أي كلام عن عصرٍ ذهبيٍّ (أو فضّي؟) فيما هذا يقترف جرائمه من دون حسابٍ أو سؤالٍ أو عقاب.
المصدر: العربي الجديد






