كلّ اعتداء على دول الخليج مُدان أياً كان مصدرُه وشكله

  نواف التميمي

  

لا يُقبل من إيران استهداف المرافق الحيوية والبنية التحتية المدنية في دول الخليج بذريعة ضرب المصالح الأميركية، لأنّ هذا السلوك يتجاوز منطق الردع إلى منطق معاقبة أطراف ثالثة لا علاقة لها بقرار الحرب الأميركية – الإسرائيلية. فاستهداف منشآت الطاقة، والموانئ، والمطارات، أو البنية التحتية المدنية في دول الخليج لا يشكّل ضغطاً مشروعاً على الولايات المتحدة بقدر ما يضرب استقرار دول ذات سيادة، ويحوّلها إلى ساحة تصفية حسابات بالوكالة. وهو بذلك انتهاك مزدوج؛ انتهاك لسيادة الدول، وانتهاك لقواعد القانون الدولي الإنساني التي تميّز بين الأهداف العسكرية والمدنية. كما أنّ هذا النمط من الاستهداف يقوّض أحد أهم أعمدة الاستقرارَين الإقليمي والعالمي، وهو أمن تدفّقات الطاقة وسلامة سلاسل الإمداد، بما يحوّل الفعل العسكري إلى تهديد يتجاوز الإقليم نحو الاقتصاد الدولي كلّه.

تزداد الإشكالية حين يتجاوز الأمر حدود التوريط السياسي إلى محاولة تحميل دول الخليج كلفة هذه الحرب

في المقابل، لا يُقبل من الولايات المتحدة القفز على إرادة الدول الخليجية ومصادرة قرارها السياسي عبر توريطها، مباشرةً أو بشكل غير مباشر، في حربٍ لا تريدها ولم تسعَ إليها. فالعلاقات التحالفية، حتى في أكثر صورها تقدّماً، لا تمنح أيّ طرف حقّ فرض خيارات استراتيجية على طرف آخر، خصوصاً عندما يتعلّق الأمر بقرار الحرب والسلم، الذي يُعدّ من صميم السيادة الوطنية. تحويل الشراكة الأمنية إلى أداةٍ لفرض الإرادات، أو إلى غطاء لجرّ الحلفاء إلى صراع غير مرغوب فيه، يُفرّغ مفهوم التحالف من مضمونه، ويعيد إنتاج نموذج “الحماية مقابل الامتثال” الذي يتناقض مع منطق الشراكات المتكافئة.
وتزداد الإشكالية حين يتجاوز الأمر حدود التوريط السياسي إلى محاولة تحميل دول الخليج كلفة هذه الحرب، فقد علَت جعجعةٌ لافتةٌ داخل دوائر قريبة من ترامب، تلمّح إلى تحميل دول مجلس التعاون فاتورة الحرب على إيران، بذريعة أنّ هذه العمليات جرت “دفاعاً عن أمنها”. غير أنّ هذا الطرح يثير سؤالاً جوهرياً يتجاوز البعد المالي إلى منطق العلاقات الدولية نفسه: بأيّ حق تُحمَّل دول لم تطلب الحرب، ولم تسعَ إليها، فاتورة نزاع فُرض عليها قسراً؟
لم تكن دول مجلس التعاون الخليجي طرفاً محرّضاً على التصعيد، بل انتهجت خلال السنوات الماضية سياسةً واضحةً تقوم على خفض التوتّرات الإقليمية والدفع نحو المسارات الدبلوماسية. لقد استثمر بعضها في الوساطات، وفتحت قنوات الحوار، وسعت إلى احتواء المواجهات بدل إشعالها. ومع ذلك، وجدت نفسها فجأةً داخل مسرح عمليات مفتوح تتعرّض فيه منشآتها الحيوية ومصالحها الاقتصادية لهجمات مباشرة، في مقدّمتها استهدافات مرتبطة بإيران، ما يمثّل انتهاكاً صريحاً لسيادتها وأمنها الداخلي. ومن هذا المنظور، تبدو محاولة تحميل الخليج كلفة الحرب أقرب إلى قلبٍ للوقائع. فالدول التي تسعى إلى تجنّب الصراع لا يمكن منطقياً أن تُحاسَب على نتائجه، خصوصاً عندما تكون قد دفعت بالفعل ثمناً باهظاً. فقد تكبّدت اقتصادات المنطقة خسائر بمليارات الدولارات نتيجة تعطّل سلاسل الإمداد، وتهديد أمن الطاقة، وتراجع الإنتاج أو توقّفه مؤقّتاً. كما تعرّضت منشآت مدنية وبنى تحتية حيوية لهجمات مباشرة، ما أضاف أعباءً ماليةً وأمنيةً جسيمة. والأهم أنّ هذه الحرب لم تكن نتيجة طلب خليجي للحماية، بل قفزت فوق إرادتها، وجاءت ضمن حسابات إسرائيلية بالدرجة الأولى، وقادها الإسرائيلي نتنياهو، قبل أن تجرّ واشنطن إلى قلب المواجهة. وهنا يبرز التناقض: إذا كانت الحرب قد اندلعت ضمن هذه الحسابات، فلماذا يُطلب من أطراف لم تشارك في صنع القرار أن تتحمّل تكلفته؟
وعليه، رفض المسارَين (استهداف إيران سيادة دول الخليج تحت أي ذريعة، وفرض الولايات المتحدة خياراتها عليها) هو دفاع عن مبدأ جوهري: أنّ سيادة الدول لا تُجزَّأ، ولا يجوز انتهاكها لا بالاعتداء على سيادتها ولا بكسر إرادتها السياسية. فكما لا يُقبل تحويل الخليج إلى ساحة حرب لتصفية حسابات عسكرية، لا يُقبل أيضاً تحويله إلى مموِّل إجباري لحروب لم يكن شريكاً في قرارها. وفي الحالتَين، يكون جوهر الاعتراض واحداً: حماية استقلال القرار الوطني، ورفض اختزال دول المنطقة إلى أدوات أو ساحات ضمن صراعات الآخرين.

لم تعد دول الخليج تنظر إلى نفسها أطرافاً هامشيةً في معادلات تُرسم خارجها، بل فاعلون يمتلكون حقَّ تحديد موقعهم وخياراتهم

وربّ ضارة نافعة، فوسط هذا الاضطراب الإقليمي، وما رافقه من تصعيد وضغوط غير مسبوقة، كشفت المواقف الرسمية والشعبية في دول الخليج تحوّلاً نوعياً في الوعي السياسي والاستراتيجي. لم تعد دول الخليج تنظر إلى نفسها أطرافاً هامشيةً في معادلات تُرسم خارجها، بل فاعلون يمتلكون حقَّ تحديد موقعهم وخياراتهم. ويرفض هذا الوعي الجديد بوضوح أن يكون الخليج ساحةً أو مموِّلاً لصراعات الآخرين، ويؤكّد أولوية السيادة الوطنية واستقلال القرار.
وفي هذا السياق، لم يعد الاعتراض الخليجي مقتصراً على إدانة اعتداءات سافرة أو رفض تحمّل الكلفتَين السياسية والمالية لحرب لم تُطلب، بل تطوّر إلى موقف أعمق يعيد تعريف طبيعة العلاقة مع القوى الإقليمية والدولية، وحدود الانخراط في صراعاتها. لقد تحوّل الخليج، بفعل هذه الأزمة، من موقع ردّة الفعل إلى موقع إعادة التموقع الاستراتيجي، إذ يُعاد رسم دوره في النظام الدولي ليس ساحةً مفتوحة لتصفية الحسابات، بل بوصفه فاعلاً مستقلّاً يسعى إلى موازنة علاقاته، وحماية مصالحه، وصياغة بيئته الإقليمية وفق أولوياته هو، لا وفق إملاءات الآخرين.
وبهذا المعنى، قد تكون هذه الأزمة (على قسوتها) قد أدّت وظيفةً كاشفةً ومُحفّزةً في آنٍ معاً: كاشفة حدود التحالفات التقليدية، ومُحفّزة لبناء وعي سيادي أكثر نضجاً يؤسّس مرحلةً مختلفةً في تموضع الخليج داخل معادلة القوة الإقليمية والدولية.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى