
المرحلة الانتقالية في سوريا بموجب الإعلان الدستوري مدتها خمس سنوات؛ وهي المرحلة الفاصلة بين سقوط سلطة آل الأسد والانتخابات التشريعية العامة المنتظرة، وتشكيل حكومة مستقرة مدعومة بشرعية شعبية بناء على نتائج الانتخابات؛ وقد وجد كثير من السوريين في البداية هذه المدة طويلة نسبياً.
ولكن اليوم، وبعد مرور نحو 16 شهراً على وصول هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة معها إلى الحكم في سوريا بناء على توافقات دولية وإقليمية، تبدو هذه المرحلة قصيرة، بل وقصيرة جداً، إذا ما ظلّت الأمور على منوالها ووتيرتها الحاليين من دون وجود رؤية واضحة شفافة، وخارطة طريق معروفة مع جدول زمني ينص على مواعيد الخطوات المطلوبة للوصول إلى انتخابات تشريعية؛ وذلك بعد التوافق على دستور ينص على شكل الدولة ونظامها السياسي، وفصل السلطات، وتوزيع الصلاحيات؛ وغيرها من الأساسيات التي تستوجبها الدولة المؤسساتية العادلة التي ترتقي إلى مستوى تضحيات وتطلعات السوريين، كل السوريين من دون أي تمييز أو استثناء؛ دولة محصّنة تجاه الفساد والاستبداد بموجب آليات تعزّز الثقة، وتمنّع التفرّد بالسلطة.
إذا كانت الحكومة تقرّ بوظيفتها المؤقتة فهذا معناه أن الأمور بخير. لأنها لن تُقدم، كما هو مفروض، على اتخاذ القرارات التي تخص مسائل تُعد خارج نطاق صلاحياتها الدستورية.
وما يعزز الشعور العام لدى معظم السوريين بعدم وجود خطة واضحة لتنفيذ مهام المرحلة الانتقالية، هو عدم اتخاذ خطوات فعلية لا بد منها للوصول إلى انتخابات حقيقية نزيهة شفافة، وفي مقدمة هذه الخطوات قانون الأحزاب. فمن دون وجود أحزاب مرخّصة محمية بقانون، تمارس نشاطها المشروع بصورة علنية، وتستعد للمشاركة في الانتخابات عبر التواصل مع الجمهور، وعرض برامجها وخططها التي تتضمن تصوراتها لمعالجة مختلف القضايا، خاصة قضايا النهوض بالوضع المعيشي للناس، وضبط الوضع الأمني، وترميم النسيج المجتمعي الوطني الهش بعد عقود من السياسات البعثية الأسدية االتخريبية، وبعد جملة الأحداث التي كانت في مختلف المناطق السورية، وقضايا أخرى تعد اليوم من الأولويات التي تستوجب المعالجة، ولا تتحمّل التأجيل أو التسويف.
لقد كتب وتحدّث كثير من السوريين الغيارى على شعبهم ووطنهم، وممن لديهم تاريخ لا غبار عليه في الوطنية ومناهضة استبداد وفساد سلطة آل الأسد، ويمتلكون خبرة واسعة في السياسة والإدارة، ولديهم معرفة عميقة بالمجتمع السوري بتنوعه على صعيد الانتماءات المجتمعية والتوجهات السياسية والحساسيات المناطقية، حول المطلوب إنجازه، وبشأن الأولويات التي تتطلب التركيز، والمسائل الخلافية التي تحتاج إلى المزيد من التوافقات؛ لقد كتب وتحدّثوا عن ضرورة تجاوز النهج التجريبي الارتجالي في اتخاذ القرارات التي أثارت، وتثير الخلاف والجدل، وتؤدي إلى الاصطفافات والتباعد، في حين أن التحديات الداخلية والخارجية التي يواجهها البلد تستلزم تأكيد أهمية المشتركات، وتوحيد المواقف، وتركيز الطاقات لتجاوز المرحلة الانتقالية ونتائج الصراعات الإقليمية والدولية على المنطقة، وسوريا في قلبها، بأقل الخسائر الممكنة.
ولكن من الملاحظ أن كل ما قيل لم يؤخذ بعد بعين الاعتبار كما ينبغي، وما زال الانغلاق ضمن مجموعة القرار داخل الإدارة هو سيد الموقف؛ وما زال الغموض هو الذي يحيط بعملية اتخاذ القرارات.
الوعود التبشيرية، والمهرجانات الكرنفالية، واعتماد أساليب الإبهار (كالإعلان عن اعتقال هذا المجرم أو ذاك من مسؤولي سلطة آل الأسد) بعد كل خضة؛ كل ذلك وغيره، لم يعد مجدياً في أجواء الأزمة المعيشية الخانقة التي تُثقل كاهل السوريين المرهقين أصلاً، والقرارت والسلوكيات المفاجئة التي تعلن وتمارس بخصوص مسائل لا تعتبر من أولويات السوريين، ولا تعبر عن الشخصية السورية، ولكنها تثير الخلاف لأنها تجسد توجهاً لم يتوافق عليه السوريون، ولم يقدموا كل هذه التضحيات من أجله.
أما التعيينات الفجائية التفضيلية التي تقتصر بصورة عامة على دائرة الموالين والأقرباء والمقربين، فهي تُضعف المصداقية، وتثير الهواجس والتساؤلات؛ وقد باتت الحديث اليومي لغالبية السوريين في المجالس واللقاءات والفعاليات التي تعقد في مختلف المناطق السورية هذه الأيام، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة؛ وهذه ظاهرة إيجابية (ظاهرة حرية الحديث والتعبير) تُسجل للادارة الجديدة، ويتمنّى الجميع أن تستمر وتتطوّر، لأنها تصفّي القلوب والعقول، وتسلّط الأضواء على السلبيات قبل أن تتراكم آثارها وتتفاعل، على أمل أن تقوم مختلف الأطراف، داخل دائرة الحكم وخارجها، بالبحث عن التوافقات والحلول، وتجاوز عقلية الوصفات الجاهزة التي غالباً ما تُطرح من قبل المبشّرين بتجارب ونجاحات الآخرين في مجتمعات أخرى.
ومن أهم التساؤلات المحورية التي تتمفصل حولها الحوارات والنقاشات بين السوريين، وستترتب على أجوبتها كثير من المسائل، هي التساؤلات التالية:
- هل تعتبر السلطة الحالية نفسها سلطة انتقالية مؤقتة، تتحدّد مهمتها في إيصال البلد إلى برّ الأمان بعد اسقاط سلطة آل الأسد؟ أم أنها تنظر إلى نفسها بوصفها ولي الأمر الدائم الذي لا بد أن يُطاع من دون أي مناقشة أورأي؟
- هل هناك نيّة أو توجه بخصوص بناء دولة دينية، ونبذ مفهوم الدولة المدنية الحيادية بصورة ايجابية تجاه سائر المكونات المجتمعية والتوجهات السياسية في البلد؟
- هل سيكون الشعب السوري بكل مكوّناته وتوجهاته مرجعية السلطة، وذلك عبر حوار وطني حقيقي عام شامل، غير استعراضي، وفق آليات تنظيمية وجداول زمنية، يسهم فيه الجميع مع الشعور بالقدرة على التأثير، ووجود إمكانية واقعية للمشاركة في صياغة القرارات وتنفيذها؟ أم ستظل السلطة الراهنة على النهج المعتمد حالياً الذي يبحث عن الاختراقات في العلاقات الدولية لكسب الشرعية الخارجية من دون التركيز على أهمية وضرورة الشرعية الداخلية التي تبقى الضمان الفعلي لبقاء أي سلطة؟
هذه هي الأسئلة المحورية الأساسية التي يطرحها قطاع واسع من السوريين، وتدور في أذهان غالبية الصامتين المتابعين. هذا مع ضرورة الإقرار بوجود قطاع واسع من المؤيدين المتحمّسين للحكومة، ممن يُضفون عليها هالة من التبجيل لا تفسح المجال أمام أي ملاحظات نقدية، حتى تلك التي تأتي من الذين لا يُشك في حرصهم على نجاح الحكومة، وعلى مستقبل سوريا والسوريين.
ويبقى الجواب عن السؤال الأول هو الأهم. فإذا كانت الحكومة تقرّ بوظيفتها المؤقتة فهذا معناه أن الأمور بخير. لأنها لن تُقدم، كما هو مفروض، على اتخاذ القرارات التي تخص مسائل تُعد خارج نطاق صلاحياتها الدستورية.
أما إذا كانت على خلاف ذلك تعتبر نفسها حكومة أو إدارة دائمة؛ قد تلجأ من حين إلى آخر إلى إجراء بعض التغييرات في الواجهات الظاهرة، ولكنها تبقي عملية اتخاذ القرارات الأساسية محصورة ضمن مجموعة أصحاب القرار؛ وفي موازاة ذلك تحضر نفسها عبر إعداد الأجهزة والمؤسسات الداعمة لها، لتتحوّل إلى سلطة دائمة بصيغة من صيغ الإخراج الانتخابي المحسوب؛ فهذا فحواه أن الارتجالية السائدة هي في واقع الأمر جزء من استراتيجية كسب الوقت وتهميش المنافسين الحاليين والمحتملين. وهذا ما سيؤدي إلى اضطرابات كبرى لا يتحمّلها السوريون بعد كل هذه المعاناة.
فالسوريون لديهم تجارب مريرة بعد عقود من النضال ضد استبداد وفساد سلطة آل الأسد، وقبلها سلطات البعث والانقلابات؛ كما اكتسب شبابهم خبرة استثنائية ومعرفة واسعة بفضل تجاربهم واطلاعهم على وقائع الأمور في المجتمعات الديمقراطية، بالإضافة إلى تنامي قدراتهم المعرفية، وامتلاكهم ناصية اللغات الأجنبية، ولهم معرفة واسعة بتقنيات الإعلام الاتصالات، وبناء العلاقات مع مراكز الأبحاث والمنظمات الحقوقية باختصاصاتها المختلفة. ويشعر معظم هؤلاء الشباب، الذين كانوا مادة الثورة وصورتها، أنهم لم يحصلوا على الفرص التي يستحقونها للإسهام في عملية إعادة بناء مجتمعهم وبلدهم ودولتهم.
السوريون، على مستوى الجماعة الوطنية العامة الشاملة، والجماعات الفرعية، والأفراد، يحتاجون إلى الطمأنة بخصوص معيشتهم، وأمنهم، وحريتهم، وحقوقهم، ومستقبل شبابهم وأحفادهم، وهم يستحقون كل ذلك بكل جدارة.
أما الإجابة عن السؤال الثاني، فهي متوقفة بصورة كبيرة على الإجابة عن السؤال الأول. فإذا كانت الحكومة تقرّ بصفتها المؤقتة، وتقبل بوظيفتها الانتقالية، فهذا معناه أنها سترجىء عملية اتخاذ القرارات في المسائل الخلافية، التي تقع خارج نطاق صلاحيتها أصلاً، إلى مرحلة استقرار البلاد والدولة في ظل حكومة مستقرة منبثقة عن شرعية شعبية لا غبار عليها. وهذا ما يتمناه كل المخلصين من الذين يقدمون ملاحظاتهم، ويدلون بآرائهم، من موقع الحريص على مستقبل البلد وشعبه وأجياله المقبلة، وعلى مستقبل الدولة السورية وقوتها وسيادتها.
وبفضل هذا التوجه الصائب ستتم المحافظة على طاقات السوريين وتركيزها على الأولويات؛ وذلك عوضاً عن إتلاف أعصابهم بنقاشات وخلافات ليس أوانها، تتمركز حول ما يجوز ولا يجوز للسوريين فعله في حياتهم الخاصة، ففي النهاية هناك رب غفور رحيم يريد الخير لسائر الناس سيحكم على الجميع.
أما الحوار الوطني العام الجامع الحقيقي فيبقى هو الملاذ. وكل الوصفات الأخرى من دونه تبقى عقيمة. فلا يمكن للسوريين أن يصلوا إلى التوافقات المفصلية المطلوبة عبر صفحات التواصل الاجتماعي، أو البث المباشر على المنصات المختلفة (رغم أهمية ذلك على صعيد تبادل الأفكار والآراء والمعلومات)، أو من خلال التسريبات المتباينة التي يعلن عنها المؤثرون الذين بات ضرر بعضهم يفوق كثيرا نفعهم بكل أسف.
وفي هذا السياق يتساءل كثير من السوريين ، بناء على ما يرونه ويسمعونه ويتمنونه، حول إمكانية تدخّل الرئيس الشرع لتوجيه الأوضاع الداخلية نحو المنحى الإيجابي المنسجم مع تطلعات جميع السوريين. فهو بناء على الانتفاح الدولي والعربي والإقليمي عليه؛ والتأييد الشعبي الذي يحظى به حتى الآن؛ قادر على ضبط الأمور داخل مجموعة الحكم، وطمأنة السوريين عبر تقديم رؤية واضحة ملموسة تضع النقاط على الحروف، وتبدّد الهواجس، وتضع الجداول الزمنية لخطوات المرحلة الانتقالية.
السوريون، على مستوى الجماعة الوطنية العامة الشاملة، والجماعات الفرعية، والأفراد، يحتاجون إلى الطمأنة بخصوص معيشتهم، وأمنهم، وحريتهم، وحقوقهم، ومستقبل شبابهم وأحفادهم، وهم يستحقون كل ذلك بكل جدارة.
المصدر: تلفزيون سوريا






