
يجد لبنان نفسه، جيشاً ودولة وشعباً، في خضمّ حرب إسرائيلية جديدة – قديمة يمكن تسميتها حرب لبنان الرابعة. بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 الذي أسفر عن إخراج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، وحرب لبنان الثانية في يوليو/ تمّوز 2006 التي انتهت بالتعادل بين حزب الله وإسرائيل، وحرب إسناد غزّة في 2023 التي انتهت باغتيال أمين عام حزب الله حسن نصر الله واحتلال إسرائيل خمس نقاط في الجنوب اللبناني.
الحرب الإسرائيلية الرابعة على لبنان تشبه ظاهرياً سابقاتها من حيث استخدام أسلوب القصف العنيف والقتل والتدمير، والدفع بموجات النزوح الجماعي من قرى الجنوب ومن الضاحية الجنوبية، إلا أنّها تختلف عن غيرها من حيث الأساليب العسكرية التي يتبعها الجيش الإسرائيلي تحت ما يسمّيها خطط الدفاع المتحرّك، أي التوغّلات البرّية الإسرائيلية المحدودة التي غرضها “تنظيف” جنوب الليطاني من الوجود العسكري لحزب الله، بينما هدفها الفعلي إخلاء جماعي للسكّان الشيعة عن قراهم، وإيجاد واقع أمني جديد، مزيج من أرض محروقة ومناطق عسكرية خالية من البشر، لزمن أطول بكثير ممّا يعتقده سكّان الجنوب الذين يأملون أنّ المعارك ستتوقّف في النهاية وسيعودون إلى قراهم.
تهدف عمليات التوغّل البري الإسرائيلي إلى تغيير جذري للواقع في جنوبي لبنان
ما يجعل الحرب الرابعة على لبنان مختلفة وجود نيّات ضمنية إسرائيلية وراء المواقف والتصريحات الإسرائيلية المعلَنة. لا يتوقّف وزير الحرب الإسرائيلي عن التهديد بتحويل القرى الجنوبية اللبنانية إلى ما آل إليه الوضع في شمال قطاع غزّة، ويهدّد بمهاجمة الدولة اللبنانية إذا عجزت عن نزع سلاح حزب الله شمالي الليطاني. ومع توسّع التوغّلات ودائرة التدمير، تُطرح تساؤلات كثيرة: هل فعلاً نزع سلاح حزب الله من جنوب الليطاني وتدمير بناه العسكرية الهدف الفعلي، أم أنّ لدى إسرائيل أجندة هي إحداث تغيير جذري عسكري – أمني – ديمغرافي يصل إلى حدّ تغيير الخرائط والحدود بين لبنان وإسرائيل، ويعيد إلى الواجهة الأطماع الإسرائيلية القديمة بأن يكون نهر الليطاني هو الحدود التي تفصل لبنان عن إسرائيل؟
من يعود إلى تاريخ الصراع مع إسرائيل، حتى قبل قيام دولة إسرائيل، يقع على مواقف وتصريحات كثيرة لزعماء صهيونيين طالبوا بأن يكون نهر الليطاني هو الحدود الشمالية لإسرائيل، منذ أيّام حاييم وايزمن (رئيس المنظمة الصهيونية العالمية: 1874-1952)، مروراً ببن غوريون الذي أبلغ في مايو/ أيار 1948 رئيس أركان جيشه بأنّ نهر الليطاني يجب أن يكون الحدود الشمالية لإسرائيل، وكيف احتلّ الجيش الإسرائيلي (خلال حرب 1948) 15 قرية شيعية في الجنوب ولم ينسحب منها إلا بعد توقيع اتفاقية الهدنة بين البلدَين في 1949. كما أنّ موشيه دايان في الخمسينيّات كان مع ضمّ جنوب لبنان إلى إسرائيل. وتلقي هذه الأطماع الإسرائيلية بظلها الثقيل على عمليات التوغّل البري الإسرائيلي في الجنوب وما يجري هناك.
يعلم الجميع في إسرائيل علم اليقين أن السيطرة العسكرية الإسرائيلية على جنوب الليطاني لا تعني حلّ مشكلة سلاح حزب الله جذريّاً، ومهما حاول الجيش الإسرائيلي استغلال حالة الضعف التي اعترت الحزب بعد حرب إسناد غزّة وخسائره الكبيرة فيها، فالراهن أنّ الحزب لا يزال يملك القدرة على إيذاء إسرائيل، كما ظهر بوضوح مع استمرار قصفه مستوطنات إسرائيلية ومواجهات يخوضها مع قوات التوغّل الإسرائيلي في جنوب لبنان.
وفي الواقع، يتضح شيئاً فشيئاً أنّ عمليات التوغّل البري الإسرائيلي تهدف إلى إحداث تغيير جذري لا عودة عنه في الواقع الحالي في جنوب لبنان، في ظلّ انشغال العالم بالمواجهة العسكرية في الخليج، وفي ظلّ البلبلة والاضطراب وعدم اليقين الذي يسود دول الخليج التي تتعرّض منذ بدء الحرب إلى هجمات إيرانية بالصواريخ والمسيّرات، وفي ظلّ التخلّي الأميركي الكامل عن لبنان وإعطاء إسرائيل الضوء الأخضر لتفعل ما تشاء بحجة إزالة تهديد حزب الله عن حدودها.
مهما حاول الجيش الإسرائيلي استغلال حالة الضعف التي اعترت حزب الله، فالراهن أنّ الحزب لا يزال يملك القدرة على إيذاء إسرائيل
تمرّ عملية التغيير الجذري الإسرائيلية في الجنوب اللبناني بتدمير حزب الله عسكرياً ومالياً وشعبياً، لكنّها لا تتوقّف عند هذا، بل تسعى إلى إعادة صياغة الحياة السياسية في لبنان، مع إحكام السيطرة الأمنية الإسرائيلية على منطقة جنوبي الليطاني، وإحياء الشرخ بين الطوائف اللبنانية، مع ادّعاء إسرائيل محافظتها على بقاء السكّان المسيحيين في قراهم القريبة من الحدود دون السكّان الشيعة، والإيحاء بأنّ أيّ انسحاب إسرائيلي مستقبلاً من جنوبي الليطاني رهن بالتوصّل إلى اتفاقية سلام شامل بين البلدَين، في حين رفضت الدولة العبرية البحث أو مناقشة مبادرة رئيس الجمهورية جوزاف عون بإجراء مفاوضات سياسية مباشرة بين البلدَين.
يضع هذا كلّه حزب الله أمام معادلة مؤلمة وقاسية: الحزب الذي نشأ في 1985 ردّة فعل على الاحتلال لجنوب لبنان، وتمكّن بفضل عملياته العسكرية ضدّ الجيش الإسرائيلي، الذي تكبّد سنوياً مقتل أكثر من 20 جندياً، من إجباره على الانسحاب من طرف واحد عام 2000، في ما اعتبر انتصاراً تاريخياً على إسرائيل التي قال عنها الأمين العام السابق حسن نصر الله في خطاب النصر في بنت جبيل إنّها “أوهن من خيوط العنكبوت”، هذا الحزب تسبّب بمشاركته في حرب إسناد إيران باحتلال إسرائيلي جديد للجنوب اللبناني، ويخوض حالياً معركةً مختلّةً الموازين، ويدفع، ومعه اللبنانيون كلّهم، أثماناً باهظة قد تؤدّي إلى خسارة أرضهم وقتاً طويلاً، وربّما ما هو أخطر، تغيير معالم هذا الوطن بصورة دراماتيكية.
المصدر: العربي الجديد






