
لا يخفى على أي متابع لمجريات الصراع في المنطقة عموماً، ومنذ “7 أكتوبر” (2023) خصوصاً، أنّ الحرب الجارية غير متناظرة، إذ يوجد اختلال فادح في ميزان القوى بين دولة الاحتلال وشركائها الأميركيين من جهة، وفلسطين وحلفائها ضمن ما يُعرف بمحور المقاومة، بقيادة إيران، من جهة أخرى، بينما بقية العالم، وخصوصاً الصين وروسيا وأوروبا وكندا واليابان، يقف في معظمه بدرجات مختلفة ضدّ العدوان الأميركي الإسرائيلي، فهذه الحرب ليست حربهم، فلم ينخرطوا فيها مباشرةً. منذ البداية، كان هناك تفوّق إسرائيلي كاسح يتيح القول بوجود فائض قوة عسكري وتكنولوجي واستخباري، يُستخدم معه أحدث الأسلحة وتقنيات الذكاء الاصطناعي بصورة غير مسبوقة. وقد مكّن هذا إسرائيل من تحقيق إنجازات عسكرية تكتيكية لافتة، تمثّلت في استهداف مصادر قوة العدو في فلسطين ولبنان وإيران، رغم أنّها ذهبت في حربها بعيداً، غير آبهة بقواعد القانون الدولي، فارتكبت مجازر وجرائم جسيمة، شملت الإبادة الجماعية، والفصل العنصري، والتهجير القسري، ومصادرة الأراضي والاستيطان، وتدمير مدن ومخيّمات بالكامل، وتسعى إلى تصفية القضية الفلسطينية من جذورها. رغم ذلك كلّه لم تُترجم هذه الإنجازات العسكرية إلى نصر أو حسم سياسي أو تحقيق أهداف استراتيجية، والدليل الأبرز أنّ إيران لا تزال صامدةً تطلق الصواريخ والمسيّرات، وتتحكّم بمضيق هرمز، خصوصاً أنّ الحرب ضدّ إيران ما زالت مفتوحةً على مختلف الجبهات، بل مرشّحةً للاستمرار وضمّ أطراف جديدة، ولمزيد من التصعيد.
وفي قطاع غزّة، ورغم العدوان الغاشم والمستمرّ منذ أكثر من عامَين وتحويله إلى بيئة غير قابلة للحياة، لم تنجح حكومة نتنياهو في حسم المعركة وتهجير القطاع واستيطانه، ولا تزال حركة حماس تسيطر على نسبة معتبرة من أراضي القطاع.
أثبتت التجارب أنّ الشعوب التي تتعرّض للاعتداء، وتقف في موقع العدالة والحقّ، وتمتلك إرادة الصمود والتحدّي، تكون دائماً أكثر قدرة على التحمّل والاستمرار
وفي لبنان، رغم الضربات القاسية التي طاولت حزب الله، بما في ذلك اغتيال قيادات بارزة، أهمها القائد التاريخي حسن نصر الله، تمكّن الحزب من إعادة تنظيم صفوفه، واستعادة قدرته على المبادرة، بل فاجأ الجميع وفرض معادلات ميدانية جديدة. ولو اتّخذت حكومة تل أبيب سياسةً مختلفةً بدلاً من استمرار الحرب، رغم التزام حزب الله بوقف النار، والاحتفاظ بالسيطرة على عدّة مواقع لبنانية، ما عزّز شرعية المقاومة، والاعتقاد بأنّ هناك أطماعاً إسرائيلية بلبنان لا ترتبط بالتهديدات الأمنية، وبأنّ إسرائيل لا تبحث عن شركاء أو حلفاء عرب، بل لا تثق إلا بقواتها وسيطرتها وهيمنتها المباشرة، وتبحث عن عملاء لا أكثر. أمّا في سورية، فقد فضّلت الحكومة الإسرائيلية توسيع الاحتلال والمناطق الأمنية والعازلة ودعم نزعات التفتيت، بدلاً من استثمار فرصة بناء علاقات مع النظام الجديد المنفتح عليها، ما أضاع عليها فرصةً استراتيجيةً. وفيما يتعلق بإيران، ورغم حجم القصف والدمار والخسائر الإيرانية الفادحة، لم تتحقّق الأهداف المعلنة والمخفية، لا على صعيد البرنامج النووي ولا القدرات الصاروخية، ولا حتى على مستوى تغيير سلوك النظام، إضافة إلى عدم القدرة على إسقاط النظام أو رضوخه.
ويمكن تفسير الفجوة بين التفوق العسكري والنتائج السياسية بعدّة أسباب، في مقدمتها ما يتعلّق بالإرادة والعدالة والقدرة على تحمّل التكاليف، فمن أهم العوامل التي تؤثّر في نتيجة الحرب طبيعتها: هل هي حرب عادلة أم ظالمة، حرب ضرورة، أي حرب مفروضة ووجودية، أم حرب اختيارية كان بالإمكان تجنّبها؟ ويرتبط بذلك فارق حاسم بين طرف معتدٍ وآخر مُعتدى عليه، وكذلك بطبيعة كلّ طرف: هل هو بلد مستعمِر أم مستعمَر، ديمقراطي متقدِّم أم بلد ضعيف نامٍ. وقد أثبتت التجارب أنّ الشعوب والبلدان التي تتعرّض للاعتداء، وتقف في موقع العدالة والحقّ، وتمتلك إرادة الصمود والتحدّي، تكون دائماً أكثر قدرة على التحمّل والاستمرار، وأرجح في تحقيق الانتصار. ولعلَّ تجربتَي الثورتين الفيتنامية والجزائرية خير دليل على ذلك. فالتفوق العسكري، رغم أهميته الكبرى، ليس ضمانةً أكيدةً للنصر، وقد لا يحول دون الهزيمة. وثانياً، هناك ما يتّصل باتساع الأهداف مقارنة بالقدرات، فالأهداف الفعلية، المعلنة والمخفية، تفوق بكثير القدرة على تحقيقها. فمشاريع مثل إقامة إسرائيل الكُبرى، وتغيير الشرق الأوسط، أو تهجير الفلسطينيين، أو القضاء التام على المقاومة، أو إسقاط النظام الإيراني أو إعادته إلى العصر الحجري، أو القضاء على حزب الله أو نزع سلاحه، تتجاوز حدود القوة الواقعية، وتستقطب أعداءَ جدداً وتوحّد الشعب ضدّها، ما يؤدّي إلى فجوة بين الطموح والأطماع والأهداف والنتيجة.
وثالثاً، هناك سوء في تحديد الأهداف الواقعية. فلو وُضعت أهداف أكثر قابلية للتحقيق، مثل إضعاف القدرات الإيرانية، وتقييد البرنامجَين النووي والصاروخي، والحدّ من النفوذ الإيراني، أو إضعاف المقاومة في لبنان وفلسطين، أو إعادة تشكيل المشهد السياسي الفلسطيني وعودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزّة وفتح أفق سياسي، لكان بالإمكان تحقيق نتائج سياسية ملموسة، وربّما إحداث تحوّلات داخلية عميقة في إيران، أو إحداث فتنة داخلية لبنانية أو فلسطينية تحول دون قيام دولة فلسطينية ذات سيادة. ويأتي رابعاً طبيعة الصراع مع إيران، وهو صراع لا يقتصر على الملفّ النووي أو الصاروخي، بل يرتبط بمسألة أعمق، فالهدف الأساس فرض الهيمنة الأميركية الإسرائيلية والقضاء على الاستقلال الإيراني، في سياق إضعاف الدور الصيني الذي يستفيد كثيراً من النفط الإيراني ومن موقع إيران الاستراتيجي في مشروع الحزام والطريق، لذلك لا بدّ من وقوع إيران تحت الهيمنة، وهو صراع لا يمكن حسمه بضربة عسكرية واحدة، بحكم مساحة إيران وقوتها وجذور النظام الفكرية والدينية وموقعها الاستراتيجي، بل يتطلّب عدّة ضربات واستراتيجية طويلة الأمد (مثلما حدث مع العراق)، وهو ما لم يتبلور بوضوح حتى الآن. وهناك خامساً تحولات النظام العالمي، فنحن أمام مرحلة انتقالية تشهد تآكل النظام الدولي القديم الذي تأسّس بعد الحرب العالمية الثانية، وكان تحت سيطرة نظام القطبَين، حتى انهيار الاتحاد السوفييتي حين بات تحت السيطرة الأميركية الأحادية، لحين بدء تقدّم الصين ودخولها المنافسة في العقدَين الماضيَين على قيادة العالم، من دون أن يتبلور نظام عالمي جديد بديل مستقرّ. في هذا السياق، تحاول الولايات المتحدة إيقاف عجلة التاريخ، والحفاظ على موقعها القيادي في مواجهة صعود قوى كُبرى مثل الصين، ما ينعكس ارتباكاً في الاستراتيجيات وأبعاداً كُبرى للصراع.
ما نشهده اليوم ليس مجرّد حرب تقليدية، بل هو جزء من مخاض تاريخي لولادة نظام إقليمي وعالمي جديد
يبقى (سادساً) أزمة القيادة وصعود الشعبوية، إذ تتّسم النُّخب الحاكمة في واشنطن وتل أبيب بتراجع الوعي والخبرة الاستراتيجية التي ميّزت الولايات المتحدة والدول الغربية بشكل عام، وصعود تيارات صهيونية شعبوية وأيديولوجية جاهلة متطرّفة متخلّفة ذات طابع ديني، تتبنى رؤى كُبرى غيبية انعزالية تستعدي “الأغيار”، تتجاوز الإمكانات الواقعية، ولا تولي اهتماماً يُذكر لمخرجات المؤسّسات الرسمية والخاصّة والأهلية الرقابية والتمثيلية والقضائية والبحثية. فما يهم النُّخب الحاكمة الحالية هو كيف تزداد نفوذاً وثروة، وكيف تستمرّ بالحكم ويُعاد انتخابها، وليس مصلحة بلدانها ولا مدى جدارتها وصحّة وواقعية أهدافها وبرامجها، وتعتقد أنّ ما لا تحقّقه القوة يحقّقه المزيد من القوة. وأخيراً، ينبغي الإشارة إلى اختلال التوازن المؤسّسي في إسرائيل، إذ تحتلّ المؤسّسة العسكرية نفوذاً كبيراً في صنع القرار على حساب المؤسّسات المدنية في إسرائيل، نظراً لأنّها تجسيد لمشروع استعماري صهيوني عنصري، حوّلها جيش له دولة مناط به إبقاء المنطقة أسيرة التخلّف والتبعية والتجزئة والفقر، ما يضعف، خصوصاً في ظلّ تزايد نفوذ التيارات الأكثر تطرّفاً وعنصرية وشعبوية، العمل المؤسّسي والرقابة والتخطيط السياسي طويل الأمد، ويؤدّي إلى تغليب الحلول العسكرية على السياسية. كما أنّ الاستقطاب الحادّ بين التيارات الدينية والقومية المتطرّفة والتيارات الليبرالية العلمانية يلعب دوراً مهمّاً في ما نراه من تدنٍ في مستوى الصراع وأدواته.
ما نشهده اليوم ليس مجرّد حرب تقليدية، بل هو جزء من مخاض تاريخي لولادة نظام إقليمي وعالمي جديد. وفي كلّ وقت، وخصوصاً في مثل هذه المراحل الانتقالية، يظهر أنّ هناك حدوداً للقوة مهما تعاظمت وتفوّقت، وتتسع الفجوة بين القوة العسكرية والقدرة على تحقيق إنجاز سياسي، لأنّ الإمبراطورية الأميركية دخلت في مرحلة التراجع والانهيار، والقوى المتوفّرة والأدوات القديمة لم تعد مناسبةً ولا كافية، ولم تتبلور بعد معالم النظام الجديد وأدواته وقواعده.
المصدر: العربي الجديد






