
في سوريا اليوم، لا أحد يعترف بالطائفية… لكن الجميع يتصرف على أساسها. في الخطاب العام، تبدو الصورة مطمئنة: رفض واسع للطائفية، إدانة أخلاقية لها، وتمسّك معلن بفكرة العيش المشترك. لكن خلف هذا الإجماع الظاهري، يتشكل واقع مختلف تمامًا. الطائفية لا تتراجع، بل تعود بأشكال أكثر مرونة، وأكثر قدرة على التكيّف مع التحولات السياسية والاجتماعية.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي: إذا كان الجميع ضد الطائفية، فلماذا تنجح؟
الجواب يبدأ من فهم الطائفية لا كخطاب كراهية، بل كنظام تفسير للعالم. ففي المجتمعات التي تعيش حالة اضطراب ممتد، حيث تتآكل الثقة وتغيب المعايير الواضحة، يبحث الأفراد عن إطار يمنحهم شعورًا بالاستقرار. وفي هذه اللحظة تحديدًا، لا تعود الطائفة خيارًا أيديولوجيًا، بل تتحول إلى ملاذ نفسي واجتماعي.
“الطائفية لا تعيش لأنها قوية، بل لأنها تجد في ضعف الدولة بيئتها المثالية“.
بهذا المعنى، لا يمكن اختزال الطائفية في بعدها الأخلاقي، بل يجب فهمها كنتيجة مباشرة لاختلال العقد الاجتماعي. فعندما تفشل الدولة في تمثيل مواطنيها على قدم المساواة، أو تعجز عن إنتاج شرعية سياسية جامعة، يبدأ الأفراد بالانسحاب نحو دوائر أضيق: العائلة، الجماعة، الطائفة.
لكن هذا التفسير، رغم أهميته، لا يكتمل من دون إدراك أن الطائفية ليست فقط نتيجة، بل أداة أيضًا. أداة تُستخدم لإعادة توزيع الخوف، وتنظيم الولاءات، وإنتاج اصطفافات حادة. وهنا تحديدًا تتحول من شعور عفوي إلى بنية ذهنية مستقرة، تُعاد إنتاجها عبر الخطاب العام، والتعليم، وحتى الذاكرة الجماعية.
“الطائفية لا تعيش لأنها قوية، بل لأنها تجد في ضعف الدولة بيئتها المثالية”.
في الحالة السورية، لا يمكن فصل هذا التحليل عن الواقع اليومي. فسنوات الثورة السورية الطويلة لم تُضعف مؤسسات الدولة فحسب، بل أضعفت أيضًا الإطار الجامع الذي ينظم العلاقة بين مكونات المجتمع. ومع كل توتر محلي، أو خطاب متشنج، تعود الطائفية لتملأ الفراغ، لا بوصفها خيارًا واعيًا، بل كاستجابة تلقائية للخوف وعدم اليقين.
ومن هنا، تبدو المفارقة أكثر وضوحًا:
الطائفية تنشأ من غياب الدولة، لكنها تُستخدم أيضًا لإضعافها أكثر. تبدأ كآلية دفاع، ثم تتحول إلى بنية دائمة تعيد إنتاج الانقسام.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن “التعايش” غير كافٍ. فالتعايش، في كثير من الأحيان، لا يعني أكثر من إدارة الحد الأدنى من الاحتكاك، من دون معالجة الأسباب العميقة للتوتر. وما تحتاجه المجتمعات الخارجة من الصراع ليس مجرد تعايش هش، بل إدارة واعية للاختلاف، تعترف به وتؤطره ضمن نظام سياسي وقانوني عادل.
وهنا يظهر دور الهوية الجمعية بوصفها عنصرًا حاسمًا. فالمشكلة ليست في وجود هويات فرعية، بل في غياب إطار وطني قادر على استيعابها. حين تضعف الهوية الجامعة، لا تختفي الهويات الأخرى، بل تتحول إلى بدائل متنافسة. أما حين تكون هناك دولة قادرة على إنتاج معنى مشترك للانتماء، فإن التنوع يتحول من مصدر توتر إلى مصدر غنى.
في النهاية، الطائفية ليست قدرًا. لكنها أيضًا لا تختفي تلقائيًا. إنها نتيجة لخلل عميق، ولا تزول إلا بإصلاحه.
غير أن كل ذلك يبقى مرهونًا بشرط أساسي: الشرعية السياسية. فلا يمكن بناء استقرار حقيقي في ظل شعور فئات واسعة بأنها غير ممثّلة، أو أن القانون لا يُطبق عليها بشكل متساوٍ. فالشرعية لا تُبنى بالشعارات، بل بالممارسة اليومية: في العدالة، وفي المؤسسات، وفي قدرة الدولة على أن تكون مرجعًا نهائيًا للجميع.
وما تشهده بعض المناطق من توترات متكررة، وما يرافقها من تصاعد في الخطاب الطائفي، ليس سوى مؤشر على أن هذه المسألة لم تُحسم بعد. وحتى السلوكيات التي تبدو في ظاهرها حذرة أو احترازية، تعكس في جوهرها حالة قلق عميقة، ومحاولة لتفادي الانزلاق في لحظة لم تستقر بعد.
لكن إدارة القلق لا تكفي. لأن السؤال الحقيقي ليس كيف نهدّئ التوتر، بل كيف نمنع تكراره.
الجواب لا يكمن في إدانة الطائفية فقط، بل في تفكيك شروطها. في بناء عقد اجتماعي عادل، وهوية جامعة، ومؤسسات قادرة على إنتاج الثقة، ونظام سياسي لا يدفع الأفراد إلى البحث عن حماية خارج الدولة.
في النهاية، الطائفية ليست قدرًا. لكنها أيضًا لا تختفي تلقائيًا. إنها نتيجة لخلل عميق، ولا تزول إلا بإصلاحه.
وحتى يحدث ذلك، ستبقى الطائفية حاضرة… لا لأنها الخيار الأفضل، بل لأنها الخيار المتاح.
المصدر: تلفزيون سوريا







الطائفية مرض لايكفي إدانتها فقط، بل تفكيك شروطها. من خلال بناء عقد اجتماعي عادل، وهوية جامعة، ومؤسسات قادرة على إنتاج الثقة، ونظام سياسي لا يدفع الأفراد إلى البحث عن حماية خارج الدولة ، بالإعتماد على روابط دون الوطنية والقومية “الطائفية”