
في سنة 1925، تآمرت بريطانيا العظمى آنذاك؛ على إمارة الأحواز العربية التي تشكل أرضها كامل الضفة الشرقية للخليج العربي، فألحقتها بدولة إيران الموالية تماما لها آنذاك، وذلك بعد أن هاجمتها واعتقلت رئيسها.. الكعبي وقتلته..
ومنذ ذلك الحين والضفة الشرقية للخليج العربية تحت سيطرة إيران..
كان هدف بريطانيا الاستعماري التلاعب بمصير المنطقة العربية، وعدم ترك مصير مضيق هرمز الحيوي بيد العرب وحدهم، فيستطيعون بمفردهم التحكم به كممر عالمي حيوي وإستراتيجي بالنسبة لاقتصاد العالم كله وتجارته التبادلية، فضلا عن كونه المعبر الأساسي لنفط العرب وبترولهم، وحينما تكون لهم وحدهم السيطرة على هذا الممر، ويكون تصدير بترولهم بمتناولهم من دون خصوم ومنافسين من أبناء المنطقة؛ فإنهم يمثلون بذلك قوة إستراتيجية قادرة على التأثير المباشر في مجمل الوضع العالمي..
ثم كان إحتلال إيران في عهد الشاه للجزر العربية الثلاثة في الخليج العربي: طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، وهي جزر إستراتيجية قريبة من مداخل مضيق هرمز، تساعد في التحكم بحركة المرور فيه..
وحينما سقط نظام الشاه وقامت جمهورية إسلامية في إيران، معادية للغرب الاستعماري، كما تعلن وتقول؛ اتخذت موقفا متطابقا مع موقف نظام الشاه الذي أسقطته في ثلاثة أمور حيوية:
1/ أصرت على تسمية الخليج بالفارسي، رافضة حتى تسميته بالخليج الإسلامي..
2/ رفضت التخلي عن الجزر العربية الثلاث، متمسكة باحتلالها واعتبارها أيرانية صرفة..
3/ استمرت برفضها لاستقلال الأحواز العربية رغم مساندة شعبها العربي للثورة الإسلامية، على أمل حصولها على اعتراف منها بحقها في تقرير المصير والاستقلال، واستمر قمع السلطة الإسلامية الجديدة لشعب الأحواز ومواجهة انتفاضاته المتلاحقة طلبا للحرية والاستقلال، بالقمع بالسلاح والاعتقالات المتكررة والإعدامات المتزايدة..
ثم برز الخلاف الإيراني/ الأميركي على خلفية البرنامج النووي الإيراني قبل عقدين من الزمن، فراحت الولايات المتحدة تفاوض إيران تارة، وتحاصرها تارة، وتعاقبها بوسائل متنوعة، إلى أن راحت تتحدث أخيرا عن سعيها لإسقاط النظام الإسلامي، ثم راحت تتحدث عن سعيها لتقسيم إيران إلى كيانات عرقية حسب مكوناتها الأساسية، انتقاما لتمرد النظام الإسلامي فيها على المطالب الأميركية..
فماذا كان الموقف الأميركي من قضية الأحواز العربية، ومطالبتها بحق تقرير المصير والاستقلال عن الدولة الإيرانية؟
ما يلفت النظر أن الولايات المتحدة، لم تشر يوما إلى قضية الأحواز العربية ومطالبتها بالأستقلال؛ لا من قريب ولا من بعيد، مع العلم أن إستقلال الأحواز عن الدولة الإيرانية من شأنه أن يحقق متغيرات في منطقة الخليج، ويضعف قوة إيران بشكل حيوي، فالأحواز تشكل الساحل الشرقي للخليج بكامله، وصولا إلى ذروة مضيق هرمز الاستراتيجي، وهذا يعني تحول الخليج بكامله إلى منطقة نفوذ عربية، وإضعاف قوة إيران ومقدرتها على التحكم بحركة المرور في المضيق إياه.
ثم أن أرض الأحواز، تضم القسم الأكبر من النفط الإيراني، فإذا استقلت فهذا يعني أيضا المزيد من إضعاف إيران، كقوة إقليمية مؤثرة وفاعلة في المنطقة وقادرة على تهديد أمنها، وإذا علمنا أن سكان الأحواز ينتمون دينيا إلى المذهب الشيعي، فإن استقلالهم عن إيران يضعفها في أمرين أساسيين إضافيين:
الأول: يضعف مشروعها المذهبي القائم على تحويل الشيعة العرب من مواطنين عربا، إلى أتباع لسياسة ومنهج ولاية الفقيه، وبالتالي، مرتبطين دينيا وعقائديا بالدولة الإيرانية، ولهذا أثر كبير في تحجيم هذا التحول المطلوب إيرانيا، وبالتالي، التأثير المباشر في مقدرة إيران على التحول إلى نفوذ توسعي إمبراطوري على حساب الوجود العربي..
الثاني: الفصل الجغرافي بين الأرض الإيرانية والأراضي العربية، مع ما يعني هذا من زيادة صعوبة الامتداد الإيراني جغرافيا إلى الداخل العربي، وهو الامتداد الذي لا بد منه لتمكين المشروع الإيراني من النجاح بالسيطرة على بلاد عربية مشرقية، وضمها كمنطقة نفوذ إيرانية..
ويعود السؤال إلى الواجهة: لماذا لم تلتفت أميركا إلى هذه الحقائق الإستراتيجية التي من شأنها إضعاف إيران، في الوقت الذي تعلن فيه أنها تسعى لمحاصرة النظام أو إضعافه تمهيدا لإسقاطه؟
هل من المعقول أن لا تكون الولايات المتحدة على علم بهذه الحقائق؟ بالتأكيد لا، فمن أبسط البديهيات أنها تدرك تأثيراتها المباشرة على النفوذ الإيراني، فكيف أسقطتها من كل حساباتها في كل مراحل خلافها مع النظام الإيراني، ولم تلجأ إلى الاستفادة منها في خضم حروبها لمحاصرة إيران ومعاقبتها؟ حتى أنها لم تعترف يوما بحق شعب الأحواز في تقرير مصيره، ولا تحدثت ولو مرة واحدة عن اضطهاد الناس وغياب أي احترام لحقوق الإنسان العربي الأحوازي، وهو الذي يعاني قمعا واضطهادا من قبل النظام الإيراني بإستمرار، ومنذ إلحاق أرضه بالدولة الإيرانية وليس فقط في عهد الجمهورية الإسلامية؟!..
ولماذا لم تحاول أميركا، مساعدة شعب الأحواز لا في تقرير مصيره، ولا في حمايته من الإضطهاد الرسمي الإيراني؟..
إن إستعراض وتيرة المواقف الأميركية من النظام الإسلامي في إيران، يعطي توضيحا وجوابا على هذا التساؤل المشروع، فإذا عدنا إلى تسهيل أميركا لتسليح إيران في حربها مع العراق خلال ثمانيات القرن العشرين؛ ندرك أن أميركا لم تكن تهدف إلى إسقاط النظام الإسلامي، لا بل سهلت للكيان الصهيوني بإمداده بأسلحة وقطع غيار عسكرية في تلك الحرب مع العراق..
الأكثر دلالة على حقيقة الموقف الأميركي من النظام الإيراني؛ والأكثر خطورة أيضا؛ هو تحالفها الواضح الفاضح معه في غزو العراق سنة 2003، ثم تسليمها العراق بعد احتلاله وإسقاط نظامه الوطني بعد حصار مميت دام اكثر من عشر سنوات، لتتولى إيران، إثر ذلك ما لا تستطيعه قوات الاحتلال العسكري الأمريكي، من تخريب النسيج الوطني للمجتمع العراقي، وإذكاء عصبيات مذهبية تكاد تدمره وتحوله إلى شبه كيانات انفصالية تقسيمية تهدد مستقبله، لعقود قادمة وتعرقل قيامته وعودته دولة موحدة ذات سيادة..
ثم أن أميركا هي التي تسمح لإيران وأدواتها المحلية في نهب مقدرات العراق، وتقاسمها بين رجالات سياسة مرتهنين وفاسدين، تتحكم بهم نزواتهم وتبعيتهم لكل من إيران وأميركا..
وحينما تصدت إيران وأدواتها الميليشيوية العراقية، لثورة الشباب الوطني في 2019، ساندتها أميركا ومنعت الشباب العراقي من تحقيق تقدم لاستعادة بنية العراق الوطنية. مع العلم أن المنتفضين كانوا من الشيعة العراقيين الذين لمسوا وعايشوا الإفساد الإيراني الممنهج والمتعمد للمجتمع العراقي.
وفي سياق الحرب العدوانية الأميركية/ الإسرائيلية على إيران؛ تحاول أميركا إستخدام الأكراد العراقيين كحصان طروادة لحصار إيران وإضعافها مع ما يعني ذلك من جر منطقة المشرق العربي وتركيا إلى فتن داخلية ليس من شأنها إسقاط النظام الإيراني بل تفجير المنطقة العربية وإنهاك إيران في ذات الوقت..
كما أن إصرارها – أي أميركا – على استخدام أراضي دول الخليج العربية منطلقا للاعتداءات العسكرية على إيران ؛ يظهر سعيها لإشعال حروب مذهبية بين العرب وإيران من شأنها أن تشعل المنطقة وتغرقها في حروب لا تنتهي وتكون نتيجتها إنهاك الدول العربية، وتوريطها في حرب لم تكن مستعدة لها ووضعها في مواجهة مستمرة مع إيران، لا يستفيد منها إلا الكيان الصهيوني ومشروعه التوسعي الإمبراطوري، بتأسيس مملكته الكبرى التي تريد إحتلال الكثير من الأرض العربية، وهذا لا يتحقق لها إلا بإضعاف العرب إلى أدنى مستوى من الفعالية وبإنهاك إيران أيضا بصراعها المستمر معهم..
مع العلم أن مملكة بني صهيون، لا تشمل أي أراض إيرانية، بل جميع أوهامها التلمودية تشمل أراض عربية فقط..
من مجمل هذه الأحداث والحقائق يتضح أن الموقف الاستعماري التاريخي بدءا من بريطانيا وصولا إلى أميركا راهنا؛ هو موقف يعادي العرب جملة وتفصيلا، وجودا ودورا ومقدرات، حتى وإن كانت بعض نظمهم حليفة لها أو متعاونة معها، وإبقاء أسباب الصراع قائمة بين دول المنطقة منعا لأي تقارب وتعاون بينها من شأنه حمايتها جميعا، ويدفعها الى الاستغناء عن أي حماية أجنبية، وهذا ما يفسر عدم رغبتها في إستقلال الأحواز الذي من شأنه سيطرة العرب التامة على الخليج وضمنه مضيق هرمز الإستراتيجي.
بعد هذا ألا يجوز طرح السؤال التالي مجددا: هل أميركا جادة في إسقاط النظام الإسلامي في إيران؟ أم أنها تسعي لتخريب الوطن العربي أولا ومنع قيامته ناهضا متحررا ولو بعد حين ؟!
ألا يبدو أن خوف أميركا من قوة العرب أكبر بكثير من خوف امتلاك إيران أسلحة نووية…؟!
المصدر: المدار نت






