نتنياهو لا يريد إلّا الحرب   

غازي العريضي

  لا يزال قرار وقف إطلاق النار بين أميركا وإيران ساري المفعول، محترماً إلى حدّ بعيد على كلّ خطوط الجبهات، باستثناء “مناوشات عسكرية بسيطة”، كما يقول الرئيس ترامب. ولم تتوقّف الاتّصالات للوصول إلى حلول، سيّما بعد تفاقم أزمة إغلاق مضيق هرمز وتأثيره في الاقتصاد العالمي، وارتفاع أسعار النفط، وخطر نشوء أزمات اقتصادية ومالية وغذائية عالمية وفوضى. لم تصل المفاوضات في باكستان إلى نتيجة بعد. ترامب يقول: “لم أكن من مؤيّدي وقف إطلاق النار، لكنّنا فعلنا ذلك من أجل أصدقائنا الباكستانيين”. وفي تصريح آخر يُؤكّد: “لو عاد الأمر لي لكنتُ وضعتُ يدي على النفط والغاز الإيرانيين، ونحن قادرون على ذلك، لكن قرار الشعب الأميركي مختلف، الشعب لا يريد الحرب”. يعني، وفي معزل عن القدرة على السيطرة على النفط ومخاطر هذا، فإنّه يناقض نفسه. لقد ذهب إلى التفاوض بسبب موقف شعبه، والتفاوض لم يكن خدمة “للأصدقاء” في باكستان. ويعترف، في الوقت ذاته، بحجم الضغوط التي تُمارس في الداخل الأميركي انسجاماً مع رغبة “الشعب”، وانعكاسها السلبي على صورته، وهو وحزبه على أبواب انتخابات نصفية، وتراجع شعبيته، مروراً بسيل من الاتهامات والتصريحات والمعلومات والتسريبات التي تتحدّث عن أنّ ترامب “أقحم أميركا في حرب ليست حربها”، وأنّ “نتنياهو هو المحرّض”، و”هو الذي ورّطه”، و”هو الذي لم يتوقّف، ولا يتوقّف على الرغم من النتائج السلبية التي حصدناها من الضغط على ترامب لاستكمال الحرب”.

إعلان الصين أنّها ستشتري النفط الأميركي لا يعني التسليم لأميركا ونيّاتها بالسيطرة أو تغيير الموقف من حساباتها التوسّعية

في المقابل، ثمّة تشدّد إيراني. وزير الخارجية عباس عراقجي قام بجولة شملت باكستان وعُمان وروسيا والصين، شارحاً موقف بلاده ومؤكّداً الثوابت. وبعد أيام، وصل الرئيس ترامب إلى بكين في زيارة تاريخية يرأس وفداً ضخماً، ونال حفاوة صينية استثنائية تحيط بها هيبة ووقار وهدوء وثقة بالنفس وثوابت لا حياد عنها. الرئيس ترامب قال إنّه “لم يأتِ من أجل إيران وطلب المساعدة في حلّ المشكلة معها”، لكنّه أشار أكثر من مرّة إلى تلك القضية الصعبة. وتوقّف كثيرون عند كلامه عن تايوان، القضية المركزية الأكثر أهمّية في حسابات الصين كما قال رئيسها. ودعا ترامب إلى عدم إعلان الاستفتاء على استقلال الجزيرة. صُدم التايوانيون فردّوا: “تايوان دولة مستقلّة، لها سيادتها وهي تقرّر مصيرها”. وأعلن ترامب “تعليق صفقة الطائرات المتطوّرة معها”. واعتبر كثيرون أنّ ثمّة صفقة مع الصين: “خذوا تايوان واتركوا إيران”. في لعبة الأمم، يحصل هذا الأمر، ثمّة أولوياتٌ تتحكّم بمصالحها ومطالبها وحروبها ومفاوضاتها واتفاقاتها، ولكنّ مسألة إيران مختلفة هنا، ثمّة تعاون استراتيجي بين الصين وإيران منذ سنوات. ولو أعلنت الصين أنّها ستشتري النفط الأميركي، فهذا لا يعني التسليم لأميركا ونيّاتها بالسيطرة، أو تغيير الموقف من حساباتها التوسّعية، وتعقّبها لكلّ خطوة صينية وموقف صيني، منذ إعلان خيار “الحزام والطريق” الاستراتيجي، ومع التمدّد الصيني في القارّات، وتقدمّها التكنولوجي الذي أذهل كبار روّاد التكنولوجيا الذين رافقوا ترامب في زيارته. وتتصرف الصين بحكمة وواقعية وبعقل بارد، وفتحت علاقاتها الدولية في كلّ الاتجاهات.
يقول ترامب: “سررتُ بالاتفاق مع الرئيس الصيني على رفض تملّك إيران سلاحاً نووياً، وضرورة فتح مضيق هرمز”. هو فعلياً، يقنع نفسه بأنّه حقّق انتصاراً كبيراً وفتحاً سياسياً دبلوماسياً استثنائياً… لماذا؟ لأنّ إيران، بمفاوضات رسمية مع أميركا أو من دونها، تؤكّد دائماً أنّها لا تريد تملّك سلاح نووي، بل “هذا محرّم بفتوى من المرشد الأعلى”. يعني أنّها جاهزة لأي حلّ، ولا تظهر، عند حصوله، وكأنّها تنازلت، لكنّها تتمسّك بحقّها في “النووي السلمي” الذي تملكه دول أخرى.
وفيما يخصّ مضيق هرمز، كانت إيران مستفيدة من بقائه مفتوحاً، وكذلك روسيا والصين ودول أخرى، لكن إقفاله أعطاها ورقة استثنائية أثبتت أنّها قادرة على التحكّم بالمضيق، وهذا ما أكّده وزير الطاقة الأميركي نفسه عندما قال: “القرار بشأن مضيق هرمز في يد إيران، ومن المرجّح أن نشهد المزيد من خطوط الأنابيب في المنطقة”. إلى أن نشهد هذا، تتحكّم إيران بمفتاح المضيق، ولم يتمكّن ترامب، على الرغم من تهديداته كلّها، من فتحه وتحقيق شروطه، وفشلت محاولاته كلّها مع الأصدقاء والحلفاء، ولم يكسر “إرادة الأعداء”. ثمّ أعلن ضابط الاستخبارات السابق سكوت ريتر، أمام الكونغرس، أنّ إيران قد “انتصرت وترفع قدراتها العسكرية بنسبة 120%”. رفع الرئيس ترامب وتيرة التهديد بالقول: “لقد نفد صبري، عليهم توقيع اتفاق معنا، وإلا ستواجه إيران وضعاً سيّئاً للغاية”. ردّت إيران: “نعم لحلّ يضمن حقوقنا وإلا…”. وقال الرئيس الصيني: “نعم لحلّ يرضي الجميع، أميركا وإيران والمنطقة”. هذا هو الثابت الصيني، فعلّق الوزير عراقجي: “ليس ذنبي أن صبره قد نفد، المسألة ليست مسألة صبر، إذا أرادوا التفاوض فعليهم التحلّي بالصبر. نحن أمام قضية في غاية الجدّية تتطلّب مفاوضاتٍ صعبة ومعقّدة للوصول إلى حلّ”.
العقيد المتقاعد رفيع المستوى في الجيش الصيني، والباحث في مركز الأمن الدولي والاستراتيجية الدولية في جامعة تسينغهوا، تشو بو، قال: “فيما يتعلّق بإيران، ترغب الصين بالتأكيد في المساعدة. لكنّني قرأت ما قاله روبيو، الذي وصل إلى الصين بقرار غير مسبوق بتغيير طريقة كتابة اسمه بالصينية، لأنّ عليه عقوبات، للسماح له بمرافقة رئيسه، ويبدو أنّه يلقي بالعبء على الجانب الصيني. لدينا في الصين مثل يقول: لماذا عليّ أن أنظف فضلاتك؟”. وهذا يذكّر بما قاله السفير السوفييتي في بيروت عظيموف للرئيس اللبناني، آنذاك، أمين الجميل، أثناء الاجتياح الإسرائيلي لبيروت: “علقت أميركا في المستنقع، فلماذا علينا إنقاذها؟”. هذه حسابات الدول ومصالحها.
تعرّض ترامب لحملة انتقادات قاسية بسبب مشهد الصين، والصدمة من تاريخها وحضارتها (ولا يضمن أحدٌ أن يهدّد ترامب في لحظة ما بـ”محو” تلك الحضارة، كما فعل مع إيران)، وبثقة قيادتها بقوّة حضورها وأوراقها وتقدّمها وثبات موقفها. فقال عن إيران: “أبدنا جيشهم، وسنبدأ عملية تنظيف قريباً”. وأضاف في رسالة إلى الإيرانيين: “نعرف أسماء الموجودين بالقرب من اليورانيوم المُخصَّب، 50% منهم يحملون اسم محمّد”. يعني: لدينا معلومات دقيقة، ونعرف الأسماء والتفاصيل. هذا خرق كبير إذا كان صحيحاً، وساهمت إسرائيل به في سياق تحضيراتها لعملية تنفّذها بمفردها، وقد جهّزت فرقة مختصّة لذلك، وثمّة معلومات أشارت إلى أنّها أجرت تجربة ووقعت في فخّ إيراني، وأُسر عدد من جنودها، لكنّ ذلك غير مؤكّد رسمياً بعد.

لا يزال ثمّة عقلاء حكماء، يفكّرون بمنطق المصلحة الخليجية والعربية، ويدركون خطر السياسة الإسرائيلية

في الجوار، صدر موقفان مهمّان وشجاعان، نابعان من قلب المعرفة والتجربة والخبرة، لشخصين لعبا أدواراً مهمّة: الأمير تركي الفيصل في السعودية، السفير ورئيس الاستخبارات السابق، ورئيس الحكومة ووزير الخارجية السابق في قطر الشيخ حمد بن جاسم. تحدّث الأمير تركي عن “محاولة إسرائيل جرّ المملكة إلى مواجهة ومحرقة حرب مباشرة مع إيران، لو وقعت لدمّرت كلّ شيء في المنطقة”. وانتقد، بطبيعة الحال، السياسة الإيرانية والاعتداء على الدول العربية في “الجيرة”، ودعا إلى اعتماد سياسة أخرى. أمّا الشيخ حمد بن جاسم فقال: “الذين يعتقدون أنّ بإمكانهم إلحاق هزيمة بإيران بالطرق العسكرية مخطئون. دورها فاعل يمتدّ إلى قرون من الزمن. احتلال جزر الإمارات بدأ مع الشاه وليس مع النظام الحالي. الحضارة الإيرانية ضاربة في أعماق وجذور التاريخ. إيران ارتكبت خطيئة كبرى باستهدافها الدول العربية، وهذا غير مقبول، وثمّة موقف قوّي منها، لكن معالجة المشكلة تكون في خطّين: خطّ خليجي أساساً، وامتداد عربي – خليجي. يجب أن يكون ثمّة اتفاق حول ما تريده دول الخليج، وما مصلحتها في الانجرار إلى حرب تريدها إسرائيل. يجب بناء القوّة الذاتية الخليجية، والتفاهم على رؤية واحدة، وهذا حتى الآن غير متوافر للأسف”.
لا يزال ثمّة عقلاء حكماء، يفكّرون بمنطق المصلحة الخليجية والعربية، ويدركون خطر السياسة الإسرائيلية على دولهم ومنطقتهم، فكيف عندما يسمعون التحريض الإسرائيلي، ويلمسون محاولات توريطهم بافتعال مشاكل في دولهم، وإسرائيل صاحبة اختصاص في ذلك، وتصلهم، في الوقت ذاته، رسائل السفير الأميركي في إسرائيل هاكابي، الذي حدّد لدول الخليج الخيارات الضيّقة، ورسم لهم خريطة الطريق، قائلاً: “الدول الخليجية تدرك أنّ عليها الآن أن تختار: هل احتمال تعرّضها لهجوم إيراني أكبر، أم إسرائيلي؟”. يعني: أنتم مستهدفون، لا مفرّ من الهجوم عليكم، ويجب أن تختاروا: أي هجوم أخطر وأيّهما أقلّ كلفة؟ هكذا بكلّ بساطة.
ثمّ يجيب نيابة عنهم، ويقول باسمهم: “إنّهم يرون أنّ إسرائيل ساعدتنا، بينما إيران هاجمتنا. إسرائيل لا تسعى إلى الاستيلاء على أراضيكم ولا ترسل الصواريخ في اتجاهكم”. غريب، هو نفسه الذي تحدّث عن حقّ إسرائيل “الإلهي” في السيطرة على أراضٍ في عدد من الدول العربية، من غزّة والضفة ولبنان وسورية، إلى الأردن ومصر والسعودية وغيرها، مع التأكيد على نظرية التفوّق الاستراتيجي، والقيام بكلّ ما يلزم في كلّ مكان بحجّة “حقّ الدفاع عن النفس وحماية أمنها”، فضلاً عن تنظيم الفتن والفوضى، والعمل على تفتيت دول المنطقة كلّها، وإطلاق شرارات الحروب المذهبية والطائفية، لتبقى هي السيّدة الوحيدة التي تتحكّم بكلّ شيء. وليس في ذلك ما هو مخفي، بل يعلن المسؤولون الإسرائيليون نيّاتهم في السيطرة والتحكّم والتسلّط، ومحاولات إخضاع الجميع، واستثمار أموالهم وطاقاتهم في المشاريع التي تقود إلى هذا.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى