الارتزاق السياسي – مأساة بعض النخب السورية

معقل زهور عدي

ينتقل ناشط سياسي من حافة الفقر والتشرد في المنافي الباردة إلى نعيم الحياة المترفة بفضل مؤسسة تمنحه راتبا بآلاف الدولارات ما كان يحلم بأقل منه بكثير، مقابل أن يجلس وراء مكتب حديث، ويقرأ في الصباح بعض الصحف وهو يشرب القهوة، ثم يخرج الكتاب الذي يقرؤه منذ عدة أيام، ويمر على صفحاته برشاقة، وفجأة يتذكر أن عليه كتابة مقال سياسي، أو المشاركة بندوة أو مداخلة سياسية لدى إحدى الأقنية، أو كتابة دراسة مكلف بها ضمن فترة زمنية مريحة. وفي آخر الشهر يأتي وقت قبض الراتب الذي لم يحلم به قط.

هذا التبدل الدراماتيكي في نمط حياته يعيد إنتاج شخصيته فيسلب منها جزءا صغيرا جدا لكنه خطير جدا هو حرية التفكير.

يجتمع بين الحين والآخر ” بالرئيس ” مع زملائه الآخرين في تلك المؤسسة، فيصغي لآرائه التي يستمد منها ما ينبغي أن يعبر عنه وما ينبغي أن لا يقترب منه , ما ينبغي أن يحب وما ينبغي أن يكره , من ينبغي أن يعادي ومن ينبغي أن يمدح , كل كلمة , كل جملة , كل مثال أو محط سخرية أو مثار إعجاب من ” الرئيس ” يرسم حدود حرية حركة التفكير في عقله، حركة التفكير أصبحت تسير ضمن أقنية صلبة الجوانب.

كل شيء أصبح بالنسبة لديه ممكنا ماعدا أن يقف مرة أمام رئيسه ليقول له:” آسف يا عزيزي نحن مضطرون للاستغناء عنك “

ماذا حصل للمبادئ الفكرية والسياسية التي كانت مرجعه في نشاطه السياسي؟

بينه وبين نفسه يشعر أن ذلك كان مجرد تاريخ قديم، راتبه آخر الشهر هو الحقيقة الصلبة، لكن لا مانع من استثمار ثقافته القديمة والعودة إليها بين الحين والآخر إذا كانت مفيدة للحقائق الواقعية الجديدة.

الارتزاق السياسي أسوأ أنواع الارتزاق قاطبة فهو يأتي إلى ضمير المثقف ليخربه وبعد ذلك ينتهي كل شيء.

يمكن للمثقف تبرير الارتزاق السياسي بألف طريقة، بل إقناع نفسه ومحاولة إقناع الآخرين أن ما يقوم به هو في خدمة ” القضية “.

لكن هناك أشياء تذهب مرة واحدة ولا يمكن أن تعود وتخريب الضمير هو من تلك الأشياء.

هكذا رأينا على سبيل المثال انتقال بعض النخب السورية من التأييد المتحفظ للعهد الجديد نحو إطلاق النار عليه بصورة مفاجئة وعنيفة، لقد أصبح رمزا متجسدا للشر، واحد من تلك النخب استعار من قاموسه اليساري السابق عبارة ” الليبرالية المتوحشة ” في حملته على النظام السوري.

فالنظام السوري يصبح مرة داعشيا ومرة ليبراليا متوحشا ولا أدري ماذا تخبئ لنا بعض النخب السورية في جعبتها من أوصاف تضع العقل في الكف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى