أرتميس، الهَدَل، وأفخاذ العشيرة

عساف سلامة السلمان

بعد منتصف الليل، في محطة كينيدي الفضائية في فلوريدا على شاطئ الأطلسي، ارتفع صاروخ أرتميس 2 متأبطا صاروخين مساعدين اتكأ على خاصرتيه. اشتعلت النار في الأسفل وبدأ العد التنازلي، وانطلق إلى الأعلى بشكل عمودي، ثم مال قليلا. بعد عدة دقائق، حدث طلاق بائن بينونة كبرى، بينه وبين مساعديه بعد أن وهنوا، وأكمل صعوده بمساعدة كبسولة في مؤخرته. خرج من الغلاف الجوي، وتنفس الصعداء الصاروخ الذي يحمل كبسولة الطاقم وأكمل مسيره نحو الاكتشاف الجديد. كان المشهد استعراضيا من الحشود وصفير المحركات. وطاقم المكوك، المؤلف من أربعة رواد فضاء—ثلاثة أمريكيين وواحد كندي—ومن بينهم الأمريكية الحسناء كريستينا كوخ، التي أبهجت الناظرين. ومن أجل جمال عينيها، سُمّيت الرحلة أرتميس باسمها. أرتميس، أخت أبولو وابنة زيوس من عشيرة الأزياسة الإغريقية، ابتسمت للكاميرات كأنهم في جلسة تصوير لمجلة فضاء، فيما الحشد يصفق ويتضرع وكأنهم يشاهدون افتتاح مطعم شعبي ضخم، لا إطلاق صاروخ تاريخي.

كانت الرحلة نحو القمر، عشرة أيام من المعادلات الفيزيائية، وقياسات الجاذبية، والصور الرائعة للأرض. وفي الوقت نفسه، كنت على الهاتف أستمع إلى تسجيلات صوتية لمجموعة العشيرة، المنقسمة بطريقة صارخة بين أفخاذ وبطون: “أفخاذ الشيخ الأكبر يجب أن تكون أطول من أفخاذ الشيخ الأصغر!”، “وبطون الأفخاذ يجب أن تتناسب مع بطون البطون الأخرى!”، “لا… الوزن أهم من الطول!”

أغمضت عيني وبدأت أغني بنبرة ساخرة: “الهَدَل… آخ من الهَدَل… ومن أين أجيب زرار للزيجو هَدَل!”، وفي الفضاء، كانت كريستينا تحاول تذكر كيفية ارتداء خوذة الهبوط، بينما يميل الصاروخ يمينا ويسارا كأن طاقمه يتعلم رقصة جديدة. أحد الأمريكيين صاح: “هل هذا المحيط الهادئ أم حفلة موسيقية؟!”

وبعد عشرة أيام، جاء وقت الهبوط. انحرف الصاروخ قليلا عن المسار، وبدلا من المحيط، وجد رواد الفضاء أنفسهم وسط قرية فراتية ما زالت تتصارع على شيخ للعشيرة، حيث الأفخاذ والبطون مصطفة في صفوف مرعبة. “توقفوا! لا أحد يقترب من أفخاذ الشيخ الأكبر!” صاح أحد الشيوخ، بينما قال آخر: “حافظوا على التوازن بين البطون والأفخاذ، أو ستنهار الهيبة!”

حاول رواد الفضاء شرح الموقف: “آسفون… نحن جئنا لإجراء تجربة علمية!” لكن الأطفال رشقوا أحذية وحبات تمر على المركبة، وقال أحدهم: “هذا من أجل السلام!”

ثم ظهر الجد الأكبر، وهو يلوح بعصاه الخشبية: “أيها الفضائيون، لتبقوا على قيد الحياة عليكم أن تتعلموا الرقص الشعبي وفق ترتيب الأفخاذ والبطون! وأنوي الصعود معكم في المرة القادمة حتى أكون أول شيخ عشيرة يصعد إلى عشائر الكواكب الأخرى، وربما أشيخ عليهم.”

وهكذا، تحول الهبوط الفضائي التاريخي إلى حفلة هزلية كونية؛ الصاروخ أصبح منصة للرقص، الشيوخ يقيسون الأفخاذ والبطون، ورواد الفضاء يحاولون التوازن، والبحيرة المجاورة بدأت ترقص على أنغام الهَدَل، وكأن الكون كله احتفل بمزيج الفضاء والنظام الغريب للعشيرة.

في النهاية، وبين الضحك والصراخ والرقص، أدرك الجميع حقيقة واحدة: البشرية قد تصل إلى القمر، لكنها لن تفهم أبدا سر أفخاذ وبطون العشيرة، ولن تعرف أبدا متى ينتهي الهَدَل…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى