
على الرغم من أنّ خطاب الرئيس دونالد ترامب إلى الأمّة الأميركية، فجر الخميس الماضي، جاء تعبوياً وشديد اللهجة، إلا أنّه لم يغلق الباب أمام التفاوض وفرص التوصّل إلى اتفاق مع الطرف الإيراني، وهو ما حمل وزير الخارجية الباكستاني إسحق دار على التصريح بأنّ جهود بلاده مستمرّة (ضمن جهود الوساطة التي تضمّ السعودية وتركيا ومصر)، وأنّه جارٍ التنسيق مع بكين في هذا الشأن بعد زيارة رئيس الدبلوماسية الباكستانية بكين الثلاثاء الماضي، وأثمرت عمّا سُمّي بمبادرة النقاط الخمس. وبالعودة قليلاً إلى الوراء، أدّى شنّ الحرب على إيران (قبل خمسة أسابيع) إلى توقّف الرعاية العُمانية للمفاوضات بين واشنطن وطهران، وقد أظهرت مسقط، خصوصاً على لسان وزير خارجيتها بدر البوسعيدي، استياءً من شنّ هذه الحرب دونما اعتبار لدعوات الدول الصديقة لواشنطن، وبالذات دول الخليج العربي، بعدم اللجوء إلى خيار المواجهة العسكرية، ودونما تقدير للجهود المضنية التي بذلتها مسقط على مدى أسابيع لتسهيل التفاوض بين الجانبَين المتنازعَين. ومع اندلاع الحرب، لم تسلم عُمان من استهدافات لها من طرف إيران، وإن كانت هذه الاستهدافات أقلّ ممّا تعرّضت له دول خليجية أخرى.
لهذا لم تنضمّ مسقط، على الرغم من خبراتها في ملفّ النزاع الإيراني الأميركي، إلى جهود الوساطة المتجدّدة، إذ تتولّى باكستان دور المنسّق لهذه الجهود الرباعية والممثّل لها في حالات أخرى. وفي هذه الآونة، ومع اشتداد وتيرة الحرب التي تشارك فيها إسرائيل باندفاع محموم، تبدو حظوظ باكستان في إنجاح الوساطة حتى تاريخه غائمةً أو متأرجحةً على الرغم من ارتباط إسلام أباد بعلاقات وثيقة مع واشنطن وطهران. وفي حين أنّ واشنطن هي من أحبطت الجهد العُماني ولجأت إلى خيار الحرب، فإنّ الطرفَين معاً هذه المرّة، الإيراني والأميركي، يمنحان فرصاً ضئيلة للتفاوض، ويكتفيان بتبادل الرسائل والمقترحات والردود عليها عبر الوسيط الباكستاني، بينما يشتدّ أوار المواجهة التي تتعرّض فيها إيران لحرب من دولتَين نوويتَين بحسب التوصيف الإيراني، فيما تندفع طهران إلى توسيع نطاق الحرب باستهداف جيرانها في الخليج، بما في ذلك السعودية، الدولة الكبيرة ذات المكانة في العالمَين العربي والإسلامي التي ترتبط باكستان بعلاقة تاريخية وثيقة معها، تُوّجت في سبتمبر/ أيلول الماضي بمعاهدة دفاع مشترك.
وقد تجنّدت إسلام أباد بتنسيق مع بقية الوسطاء للقيام بدور نشط لإنجاح مهمة تحفيز الطرفَين الإيراني والأميركي على العودة إلى مائدة التفاوض، وقد نشطت سائر مستويات الدولة الباكستانية لهذه المهمة، من رئيس الدولة آصف علي زرداري إلى رئيس الوزراء شهباز شريف، إلى قائد الجيش عاصم منير، إلى وزير الخارجية إسحق دار. وقد حصل قائد الجيش على الضوء الأخضر للوساطة من الرئيس دونالد ترامب، فيما بادر رئيس الوزراء بالاتصال بالإيرانيين الذين وافقوا على وساطة بلاده، أمّا رئيس الدولة فلعب دوراً بعيداً عن الأضواء في التواصل مع القيادة الصينية لحثّها على دعم الوساطة العربية الإسلامية، ولقي استجابةً لطلبه، فيما نشط وزير الخارجية بدور التنسيق، وتوجّه الثلاثاء الماضي إلى بكين سعياً وراء دعم ملموس لهذه الجهود.
مع اندلاع الحرب، لم تسلم عُمان من استهدافات لها من طرف إيران، وإن كانت هذه الاستهدافات أقلّ ممّا تعرّضت له دول خليجية أخرى
وكانت الصين قد بذلت محاولةً لإطفاء نيران الحرب، فقام المبعوث الصيني للشرق الأوسط تشاي جون بزيارات لهذا الغرض إلى كلّ من السعودية ومصر والإمارات والبحرين والكويت، وأجرى اتصالات بالجانب الإيراني وبدولة قطر. غير أنّ هذه الجولة، التي سبقت جهود الوساطة الرباعية، لم تسفر عن شيء ملموس، واكتفى المبعوث الصيني في ختام جولته إلى قوله: “من ربط الجرس هو من يجب عليه أن يفكّه”، في إشارة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل اللتَين تشاركتا في شنّ الحرب. كما استنكر الدبلوماسي الصيني الهجمات الإيرانية على دول الخليج ودعا إلى وقفها. وقد سعت باكستان إلى تحفيز الصين، الجارة الصديقة والموثوقة، على لعب دور أكبر في إطفاء نيران الحرب الإقليمية والدولية، إذ أسفرت زيارة وزير الخارجية إسحق دار إلى بكين، ولقاؤه نظيره الصيني وانغ يي، عن مبادرة تحمل مبادئ توجيهية، منها الوقف الفوري للأعمال العدائية، والسماح بإدخال مساعدات إلى المناطق المتضرّرة، وبدء مباحثات سلام في أقرب وقت ممكن، واحترام سيادة وسلامة إيران ودول الخليج، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها خلال محادثات السلام، وضمان أمن الأعيان المدنية، ومراعاة مبدأ حماية المدنيين في النزاعات العسكرية، ووقف مهاجمة البنية التحتية الحيوية، وضمان أمن الممرّات الملاحية، والتذكير بأنّ مضيق هرمز، مع مياهه المجاورة، ممرّ ملاحي عالمي آمن للبضائع والطاقة، وتعزيز مكانة الأمم المتحدة، وتحقيق سلام دائم قائم على مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. ويُذكر هنا أنّ إيران سمحت الثلاثاء الماضي بعبور ثلاث سفن صينية مضيق هرمز.
ولعلّ زيارة المسؤول الباكستاني بكين قد زادت من وتيرة الانشغال الصيني بهذه الحرب ومخاطرها، وبأهمية وقفها، فيما تطمح باكستان إلى أن تؤدّي الصين دوراً أكبر، وفق تقرير لـ”سي أن ان”، فتلعب مثلاً دور الضامن لاتفاق سلام إيراني أميركي مأمول، وأن تكون طرفاً نشطاً في التقريب بين طهران وواشنطن لدفعهما إلى وقف الحرب والعودة إلى مائدة التفاوض، إذ ما زالت إسلام أباد تطمح إلى أن تستضيف مثل هذه المحادثات. غير أن انشغال بكين بالمسألة يبدو مشوباً بالتحفّظ، إذ لم تُبد رغبة في الانغماس بدور أكبر، واكتفت بتوجيه النقد إلى من أشعل الحرب ودعوته للمبادرة بإطفائها، وباركت جهود الوساطة العربية والإسلامية، وتتطلّع في الأثناء إلى استقبال ترامب في مايو/ أيار المقبل لعقد لقاء قمّة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، وهو لقاء كان مقرّراً في إبريل/ نيسان الجاري، بيد أن ظروف الحرب أرجأت الموعد.
تمنح طهران وواشنطن فرصاً ضئيلة للتفاوض، وتكتفيان بتبادل الرسائل والمقترحات
وهكذا، وبينما تطلّعت إسلام أباد إلى دور صيني أكبر في دعم هذه الجهود ومنحها بُعداً دولياً، فإنّ الصين التزمت بسياستها التي تنأى عن الانخراط في المحاور والتحالفات أو ما يشابهها، وبالذات في ظروف التوتّرات الخطيرة كما هو الحال في الحرب الحالية، علماً بأنّ الصين ترتبط باتفاق استراتيجي مع إيران منذ مارس/ آذار 2021 ويسري 25 عاماً، وعلى الرغم من أنّه لم تُنشر تفاصيل الاتفاق، إلا أنّه يتحدّث في ديباجته عن تعاون شامل يضمّ جانباً للتعاون العسكري والأمني واندماج إيران في مشروع الصين: الحزام والطريق. ولم ترشح أنباء عن تلقّي إيران دعماً صينياً ما خلال هذه الحرب عدا الدعم السياسي والمعنوي بإدانة شنّ الحرب على هذا البلد.
من الواضح أنّ باكستان، عقب خطاب ترامب إلى الأمة، تتطلّع إلى تفعيل المبادرة مع الصين، واجتذاب دعم الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة لهذه المبادرة، وهي المبادرة الوحيدة المطروحة إقليمياً ودولياً لوقف الحرب، ومخاطبة الطرفَين الإيراني والأميركي، وبالذات الطرف الإيراني، بضرورة التحلّي بقدر من الواقعية لتسهيل التفاوض. ويُشار في هذا الصدد إلى تصريحات الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، القريب من الإصلاحيين، دعت إلى إصلاحات جذرية في النظام السياسي لبلاده، والتدقيق في الخيارات المصيرية، بما فيها خيار إنهاء الحرب، وهي تصريحات تشير إلى ضربٍ من المراجعة داخل الجسم السياسي الإيراني، تنتظر ملاقاتها بصورة إيجابية من الطرف الأميركي فيخفِّف من طلباته القصوى، وبما يسهل جهود باكستان ويحفّز القيادة الصينية على الانخراط بصورة أكبر في مساعي البحث عن اتفاق وتسهيل التفاوض ووقف إطلاق النار.
المصدر: العربي الجديد


