أوهام السلام التوراتي الإمبراطوري الإسرائيلي ما بعد الحرب

نبيل عبد الفتاح

الفصل الثاني من الجحيم مابعد الإبادة الجماعية في قطاع غزة في العدوان علي إيران يطرح عديد الأسئلة والسيناريوهات حول مستقبل الإقليم الشرق أوسطي ، ومجتمعاته الانقسامية المفككة ، وهشاشة بناء دول مابعد الاستقلال في العالم العربي ، لاسيما في ظل اضطرّاب وتناقضات خطاب الحرب لدي ترامب ونتنياهو والقادة السياسيين في إسرائيل في تغيير بعض النظم السياسية في ايران وبعض دول المنطقة ، وبعض التصورات التوراتية الأسطورية الجامحة في المخيال السياسي لليمين فائق التطرف ، والمسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة وأوروبا . ومن بين الأسئلة هل ستؤدي الحرب الأمريكية الإسرائيلية إلى العودة إلي مسارات التسوية السلمية للصراع العربي – الإسرائيلي، واستعادة مفهوم “تطبيع” العلاقات بين الأنظمة السياسية التسلطية العربية، والخروج من حالة التطبيع البارد سلطويا وشعبيا من بعض الدول العربية؟ ان إطلالة علي بعض المسارات التاريخية تمثل مدخلا لطرح أسئلة جديدة لمابعد الحرب ومألاتها علي النحو التالي :-

بدأت مسارات التسوية السياسية على نحو جزئي من خلال اتفاقية كامب ديفيد بين مصر الساداتية وإسرائيل، من خلال وثيقة العلاقات الثنائية بين البلدين، ووثيقة أخرى حول نظام الحكم الذاتي في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد هزيمة الخامس من يونيو 1967، وهي الضفة الغربية وقطاع غزة. وامتد هذا المسار إلى اتفاقية وادي عربة مع الأردن، ثم توسع ذلك مع اتفاقية أوسلو، ثم مع الاتفاقات الإبراهيمية مع الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، والمغرب ناهيك عن مسارات غير رسمية للعلاقات مع بعض الدول الأخرى!

الدوافع الأساسية لاتفاقية كامب ديفيد المرجعية التاريخية في مفهوم السلام كان وراءها عديد الأسباب:

أولا: الكلفة الاقتصادية، والإنسانية لحروب مصر مع إسرائيل من 1948 إلى 1956، 1967، وحرب أكتوبر 1973 وذلك على الرغم من مساعدات بعض الدول العربية لمصر في هذا المجال مثل الجزائر، وليبيا، ودول الخليج والسودان.

ثانيا: البناء العقيدي السياسي والادراكي للسادات، ومركزية الحضور الغربي –الأمريكي والأوروبي- في مخيالة السياسي ، ونظرته للنظام الدولي أثناء الحرب الباردة، والثنائية القطبية عند قمته ، ومن ثم لم يكن منحازًا للكتلة الاشتراكية السوفيتية، ولم يكن معروفا عنه انحيازه للإيديولوجية الاشتراكية مثل بعض من أعضاء تنظيم الضباط الأحرار من ثم أراد أن يحدث تمايزًا بين مرحلة حكمه، وبين الميراث السياسي لناصر، ودوره الكاريزمي وتأثيره الكبير وسط الطبقة الوسطى المصرية، والعمال والفلاحين ، وذلك كنتاج لسياساته الاجتماعية، ومفهوم العدل الاجتماعي. والأهم تأثيره البارز في حركة عدم الانحياز، وحركات التحرر الوطني ما بعد الاستقلال، وأيضا وسط قطاعات جماهيرية واسعة في العالم العربي. ومن الملاحظ ان موالاة السادات لناصر، كانت جزءًا من السلوك السياسي المراوغ له قبل يوليو ومابعدها ، و في كافة  المواقع التي شغلها في عصره.

من هنا كان البناء العقيدي السياسي، وظف  بعض من وقائع العلاقات مع الاتحاد السوفيتي، في قرار طرد الخبراء السوفيت، كرسالة إلى الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا وأوروبا الغربية على أن هناك بدايات تحرك في نظام العلاقات الخارجية المصرية، تجاه الفاعلين الكبار عند قمة النظام الدولي، وأيضا رسالة إلى الدول العربية المحافظة في منطقة الخليج.

ثالثا: كانت السياسة الدينية الرسمية تميل إلى توظيف الدين سياسيا، وعلى نحو محافظ، منذ دستور 197١ وتعديلاته ، وذلك في مواجهة الاتجاهات الماركسية، والناصرية، وبعض الليبراليين والعلمانيين ، الذين كانوا على موقف خلافي مع السياسات الساداتية، وكان التوظيف السياسي والاجتماعي الشعبوي للإسلام، رسالة تقارب مع دول الخليج المحافظة، والقطع مع السياسات الناصرية في الإقليم، وفي المجتمع المصري ، وتجاه أفريقيا .

رابعا: كان التوجه الغربي للسادات في سياساته الخارجية، وراءه إيجاد تسوية سياسية للصراع مع إسرائيل، ومن ثم شهدت الكواليس الديبلوماسية لقاءات غير معلنة في رومانيا، والمغرب…الخ، في أعقاب الحرب، ومع الولايات المتحدة، ومفاوضاته مع هنري كيسنجر.

خامسا: كانت اتفاقية كامب ديفيد تعبيراً عن الذاتية التسلطية للسادات، وهو ما أدى إلى استقالة بعض فريق التفاوض، وموضوعا للانتقادات العامة، لأنها لم تستصحب معها نتائج الإنجاز العسكري للقوات المسلحة في ميادين القتال . من الملاحظ أن تحليل وثائق كامب ديفيد أنها جاءت عامة وغائمة وسائلة في صياغتها.

سادسا: من اغتيال السادات إلى مرحلة مبارك، ساد منطق وسياسة السلام البارد بين مصر وإسرائيل، وفشل سياسة التطبيع الإسرائيلية كنتاج للرفض الشعبي، وفوائض النزعة القومية المصرية تجاه إسرائيل، والنزعات الإمبريالية الإقليمية المحمولة علي أساطيرها التوراتية حول ارض الميعاد المزعومة. من ناحية أخرى أدت اتفاقية كامب ديفيد إلى عزل مصر عن عالمها العربي، وإلى تنامي سياسات كل دولة عربية -هشة- إلى التركيز على مصالحها “الوطنية”، وتفكك أواصر الفكرة العربية الجامعة، والتحول إلى مفهوم التضامن العربي، ثم انكساره منذ الحرب العراقية الإيرانية  ، وحرب الخليج الثانية ، واتفاقية أوسلو، ومابعدها من تمدد الجماعات الإسلامية السياسية الراديكالية المتطرفة وعملياتها ثم ضرب العراق ، وتفككه المذهبي السياسي مابعد بريمر والحروب الاهلية في سوريا واليمن والسودان وليبيا ، وايضاً مع الاتفاقات الإبراهيمية.

سابعا: التغيرات في مواقع القوة الإقليمية، مع أزمات ومشكلات دول العسر العربية، وتنامي القوة المالية والاقتصادية للدول النفطية، أدى إلى طموحات لقادتها الشباب في لعب أدوار إقليمية، في ظل تنافس ضاري بين بعض الدول الخليجية مع بعضها بعضا، وامتد ذلك إلى سوريا والحرب الأهلية ومابعد سقوط بشار الاسد، وفي اليمن، والصومال، وليبيا.

ثامنا: تمويل دول الخليج للولايات المتحدة بتريليونات الدولارات، وذلك لتطوير بعض اقتصاداتها في مجالات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد مابعد النفط ، وفي ذات الوقت اعتمادًا على الولايات المتحدة في دعم أنظمة الحكم في هذه البلدان. من ناحية أخرى كانت اتفاقيات إبراهام، محاولة لدعم العلاقات مع الولايات المتحدة عبر الجسر الإسرائيلي، والأهم لخلق حالة من التوازن الأمني مع مخاطر التهديدات الإيرانية.

تاسعا: بناء قواعد عسكرية أمريكية، وبريطانية، وفرنسية، وتركية داخل دول الخليج، إزاء الخطر الإيراني، وهو ما لم يؤدي إلى الحيلولة دون مهاجمة إيران لهذه القواعد، وغيرها في الحرب الأمريكية الإسرائيلية الدائرة تجاه إيران.

عاشرًا: في أعقاب الحرب على دول المنطقة، انفجرت بعض مظاهر التأييد الشعبي علي الحياة الرقمية في دول العسر العربية لإيران، وخاصة في أعقاب حرب الإبادة الإسرائيلية المدعومة أمريكيا إزاء المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، وتدمير القطاع والحجر والبشر. بعض هذه السجالات الحادة امتدّت الي انفجار بعض المشاحنات العنيفة من بعض الصحفيين والشخصيات داخل دول الخليج العربي ، وبين اخرين في دول العسر حول مواقفهم الداعمة لإيران في مواجهة الحرب العدوانية الأمريكية الإسرائيلية غير المشروعة وفق القانون الدولي ! هذه التناقضات كاشفة عن تراكمات تعود الي مواقف دول النفط العربية في دعمها للسياسات الأمريكية الداعمة للإسلام السياسي وجماعاته في المنطقة ، وفي أفغانستان منذ مابعد الاستقلال في المنطقة وتجاه حركات التحرر الوطني الناصرية ، وصولا للمد الإسلامي السياسي منذ مابعد حرب أكتوبر ١٩٧٣ ، ثم إقامة القواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية والفرنسية والتركية . وبعضها يعود الي فوائض بعض من الاستعلاء من بعض شعوب هذه المنطقة إزاء العمالة الوافدة من دول العسر العربية  الباحثة عن الرزق في هذه البلدان ، وهي ظواهر لم تلقي بحثا من هذه الدول او من الجماعات البحثية السوسيولوجية والسياسية العربية . ساهمت اتفاقيات التطبيع السياسي الإبراهيمية ، ومواقف هذه الدول إزاء دولة الإبادة الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني وتدمير قطاع غزة ، وميل بعضها الي الموافقة علي سياسة ترامب وإسرائيل لقطاع غزة ، ومجلس السلام ، والسعي لتصفية المسألة الفلسطينية . من هنا ستتسع الهوة بين بعض النخب والجمهور الخليجي ، وبين بعض عرب العسر، خاصة في ظل احتمالات اتخاز سياسات وقرارات مابعد نهاية الحرب إزاء عمالة بعض الدول المعسورة ، وتجاه استثماراتها في هذه البلدان ، وتكلفة مابعد الحرب والتركيز علي الصفقات العسكرية والتوجه الي مصادر اخري مع الولايات المتحدة ، وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا ، الي الصين والهند وباكستان .. الخ . هذا التوجه نحو الصفقات التسليحية ستؤثر علي سياسات التنمية النيوليبرالية في هذه البلدان .

حادي عشر: أدى التوظيف المسيحي الصهيوني للمفاهيم الخلاصية التوراتية لدى ترامب، ووزير الحرب، وآخرين في الإدارة، ومعهم اليمين التوراتي المتطرف في إسرائيل، إلى تنشيط بعض من نزعة تديين الصراع، والفجوات بين بعض من الأغلبية  من الشعوب العربية لاسيما في دول العسر.

ثاني عشر: في أعقاب الحرب على إيران، وأقنعتها الدينية والمذهبية، المرجح تنامي الفجوات -ذات السند الديني- بين إسرائيل والمجتمعات العربية المعسورة، ومعها العودة إلى بعض من تديين الصراع العربي – الإسرائيلي بقطع النظر عن سياسات الأنظمة العربية، ومن ثم سيغدو من الصعوبة بمكان تطبيع العلاقات الشعبية مع إسرائيل حتى مع احتمالية هيمنتها على الإقليم الشرق أوسطي، مع تركيا، وطموحها الإمبراطوري العثماني المخيال السياسي للنخبة التركية في الحكم والمعارضة ، وتحالفها مع بعض الدول العربية السنية.

ثالثا عشر: فشل التصور الإسرائيلي/ الأمريكي البريطاني عن مفهوم وسياسة تطبيع العلاقات المستمد من تجاربه بعد هزيمة ألمانيا، واليابان في الحرب العالمية الثانية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتعليمية. تم هذا الفشل، وفق السياسة المصرية للسلام البارد في عهد مبارك، وما بعد، وأيضا لميراث وفوائض القومية المصرية، وقطاعات واسعة من الشعب المصري، وفشل كل محاولات الترويج للتطبيع، وسط بعض القلة من المثقفين الليبراليين، وعزلتهم وسط الجماعة الثقافية المصرية.

  من ثم ستؤدي التحولات الجيوسياسية في مراكز القوة الإقليمية إلى طرح أسئلة على القيادات الحاكمة في منطقة الخليج حول جدوى القواعد العسكرية الأمريكية والأوروبية والتركية في بعض دول الخليج، في دعم أمن هذه الدول ، وقد تحدث تغيرات داخل قيادات بعض هذه الدول .

وستطرح أسئلة حول حدود جدوي الاعتماد على الولايات المتحدة في دعم أنظمة الحكم، وأيضا حول الاتفاقات الإبراهيمية، وهل ستدعم أمن بعض هذه الدول؛ أم أنها مصادر ضعف لها؟

في حال سعي بعضهم للتطبيع الشعبي مع إسرائيل ، ودعم مشروعات ما بعد الحرب في إسرائيل، ستزداد الفجوات بين بعض هذه الحكومات، وبين الشعوب العربية في دول العسر الاقتصادي العربي! ولدى بعض مكونات دول اليسر المالي العربية.

المرجح تزايد الفجوات المذهبية داخل دول الخليج السنية، وبين المذهبية الشيعية السياسية الإيرانية، وبعض مكوناتها في دول الخليج. من المحتمل أيضا تنشيط بعض جماعات الإسلام السياسي الراديكالي، والنزعة الإسلامية السياسية مجددًا، على نحو ما حدث في أعقاب هزيمة الخامس من يونيو 1967.

سيظل السؤال المحلق فوق غيوم احتمالات التغيرات في موازين القوى والجغرافية السياسية، هل صعود القوة الإقليمية شبه الإمبراطورية لإسرائيل، وتركيا سيؤدي إلى نهاية خطوط وحدود اتفاقية سايكس بيكو؟، ومن ثم تفكك بعض الدول الهشة في المنطقة؟

ما هي أوضاع الأقليات الدينية في المشرق العربي، وهل ستتنامي موجات الهجرة إلى الغرب؟! حال احتمالية تمدد جماعات الإسلام السياسي مجدداً في الإقليم العربي ؟!

هل ستحدث حالة من الصحوة للفكرة العربية مجددًا، بعد انحسارها منذ اتفاقيات التسوية مع إسرائيل؟ ما هو مستقبل المسألة الفلسطينية بعد حرب الإبادة على قطاع غزة؟

ما مستقبل الصهيونية العلمانية داخل المجتمع الإسرائيلي في ظل هيمنة الصهيونية الدينية التوراتية وأساطيرها داخل التركيبة السياسية، وفي تمدد إسرائيل الإقليمي؟

أسئلة محلقة في الفضاء الجيو سياسي للإقليم الشرق أوسطي، بعد نهاية الحرب؟

    المصدر: الأهرام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى