القيادة الفلسطينية والعلاقة مع سوريا الجديدة.. الخلفيات والأهداف

  ماجد عزام

قام ياسر محمود عباس بزيارة لافتة إلى دمشق أواخر تموز/يوليو الماضي. عباس الابن، الذي تم إعطاؤه الصفة الرسمية كمبعوث ومستشار سياسي لوالده، قام بأول زيارة خارجية له بعد فوزه بعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح وتسميته مفوض العلاقات الخارجية، وهي المهمة التي كان يقوم بها اثنان من أعضاء اللجنة السابقين والمخضرمين، عباس زكي وروحي فتوح. وبالحقيقة، لم يسافر عباس الابن، “ولي العهد” كما يقال في الكواليس الفلسطينية، إلى دمشق لموقفه الداعم لسيرورة نهوض وتنمية وبناء سوريا الجديدة، كونه والعائلة والطبقة الفلسطينية الرسمية تنتمي، ولو بدرجة أقل من الدموية والإجرام، إلى نفس المنظومة السلطوية الاستبدادية التي انتمى إليها نظام آل الأسد، وإنما من أجل تحقيق مكاسب فئوية شخصية وحزبية وسياسية تتعلق أساسا بترسيخ مكانته كمبعوث سياسي، وعمليا كوزير خارجية فعلي، أو بالحد الأدنى تقاسم الملفات مع “السيد” نائب الرئيس حسين الشيخ، والإمساك بورقة اللاجئين الفلسطينيين بدول الشتات من قبل القيادة في رام الله باعتبارها الشرعية أو الرسمية، والأهم ربما من كل ذلك، وفق الأجندة الفعلية للزيارة، استرداد-واستثمار الأملاك الفلسطينية لفتح والمنظمة في سوريا، وهي هائلة وكبيرة جدا، كما جرى في لبنان قبل، ومرتبط بما سبق، استكشاف إمكانية حصول شركات العائلة على حصة من عملية إعادة الإعمار الضخمة في سوريا، من دون أن ينال إعمار المخيمات وتحسين أوضاع اللاجئين حيزا مهما في حسابات ياسر السياسية والمالية.

إذن، حط ياسر محمود عباس في دمشق بشكل غير معلن مسبقا، وتم تقديمه بصفته الرسمية كمبعوث-مستشار سياسي دبلوماسي لوالده، بينما تحضر كذلك في الخلفية صفته الحزبية الجديدة وتسلمه مفوضية العلاقات الخارجية في فتح، مع دمج الشؤون العربية والدولية والصين، وهي الملفات التي كان يديرها اثنان من أعضاء اللجنة المركزية السابقين والمخضرمين، “عباس زكي وروحي فتوح”. وعمليا، بات ياسر عباس يعمل كوزير خارجية بالتفاهم مع “السيد” النائب المتنفذ حسين الشيخ، بينما تبدو التكنوقراط المجتهدة فارسين أغابكيان أقرب إلى وزيرة دولة بالخارجية، التي كان يتولاها أصلا رئيس الوزراء محمد مصطفى، وثيق الصلة بالشيخ وياسر وعائلته.

وبالعموم، بدا لافتا جدا قيام عباس الابن بزيارته الخارجية الأولى بمنصبه أو مناصبه الجديدة إلى دمشق، والأمر لا يتعلق، للأسف، بترسيخ الحضور الفلسطيني-الشرعي-الرسمي الجديد في دعم سيرورة قيام ونهوض وتنمية سوريا الجديدة، كون عباس الأب والابن والطبقة السياسية الفلسطينية-سلطة ومعارضة- تصرفت دوما، بمعظم مكوناتها، كمن تنتمي إلى نفس منظومة الاستبداد والفساد التي كان نظام آل الأسد عضوا مركزيا فيها.

هذا لم يكن الهدف، أو حتى أحد الأهداف، كما نتمنى أو يجب أن يكون كذلك- ولو تماهيا مع المزاج الشعبي الفلسطيني المتحمس لسيرورة سوريا الجديدة- وإنما توزعت الأجندة بين ترسيخ مكانة عباس الابن وحضوره في القيادة، وإمساك هذه الأخيرة بورقة اللاجئين في سوريا ضمن اكتساب الشرعية له وللقيادة والمنظومة كلها.

وفيما يخص اللاجئين تحديدا، فقد تخلت القيادة عنهم أولا بانتمائها إلى نفس منظومة آل الأسد، ثم بسكوتها عن جرائمهم بحق اللاجئين وتدمير المخيمات وتشريد أهلها، بما فيها مخيم اليرموك، عاصمة الشتات الفلسطيني، والأسوأ ربما كان إعمال السكين في الجرح عبر تبني رواية نظام الأسد تجاه اللاجئين والمخيمات والثورة السورية بشكل عام.

إضافة، أو للدقة في ضوء ما سبق، يمكن الحديث عن بندين مركزيين على جدول أعمال زيارة عباس الابن، يتمثل الأول والأهم، من وجهة نظره، باسترداد الأملاك الفلسطينية في سوريا-أو التعويض عنها- وهي كبيرة وهائلة جدا. وعلى سبيل المثال لا الحصر، يمكن التذكير أن سجن عدرا كان أصلا موقعا عسكريا لحركة فتح، كذلك ما تعرف بالمباني والمرافق الجامعية- 100 دونم تقريبا على طريق درعا- والقيادة في سوريا الجديدة لا تمانع أصلا إرجاع الممتلكات الفلسطينية التي سطا عليها نظام الأسد، مع اتباع الإجراءات والآليات المؤسساتية والقانونية الصحيحة.

أما الهدف المركزي الآخر، وهو غير ظاهر للعيان، فيتمثل برغبة عباس الابن في حصول شركات العائلة على نصيب من عملية إعادة الإعمار في سوريا، كما حاول في العراق وليبيا سابقا، واستخدام القيادة الرسمية لتحقيق ذلك، كما جاء حرفيا في بيانات بأعقاب جولات لوفود رسمية إلى بغداد وطرابلس الغرب برئاسة محمد اشتية، رئيس الحكومة آنذاك، وحضر عباس الابن فيها من دون امتلاكه أي صفة سوى كونه ابن الرئيس.

في الأخير، باختصار وتركيز، لم يلتق عباس الابن بشكل جدي وموسع مع ممثلين عن اللاجئين الفلسطينيين في عموم سوريا، ولم يزر مخيماتهم المدمرة، ولم تحضر قضيتهم، كما إعادة إعمار بيوتهم وممتلكاتهم، على جدول أعمال الزيارة التي اقتصرت ضمنيا على أهداف وأجندات فئوية وسياسية ومالية ضيقة. وربما تكمن بقعة الضوء فيها بطي صفحة نظام الأسد والفصائل التابعة والداعمة له، وتدشين مرحلة جديدة قائمة على العلاقة الرسمية والمباشرة بين القيادات الشرعية والرسمية. ومع طرح علامات استفهام عديدة على شرعية وجدارة ومصداقية القيادة الفلسطينية الحالية، ثمة مسؤولية مضاعفة على اللاجئين في سوريا الجديدة، أولا لتنظيم أنفسهم في لجان وهيئات شعبية ونقابية، والانخراط في سيرورة نهوض وتنمية وإعادة إعمار بناء مخيماتهم والبلاد عموما، وبالتوازي الحضور الفاعل في الجهود الفلسطينية لتغيير القيادة الحالية وتشكيل أخرى مختلفة، مصداقية ونزيهة ونقية من الاستبداد والفساد، وجديرة وقادرة على الدفاع عن القضية العادلة والحقوق والآمال الوطنية المشروعة للفلسطينيين في الداخل والشتات.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى