في حديثه عن إدلب.. ماذا تعني إشارة الرئيس الشرع لأهمية مراكز الدارسات؟

   محمد السكري

تُقاس التحولات السياسية في الدول الخارجة من الثورات، بالتغييرات التي تطول مؤسساتها الرسمية، لكن الأهم هي التحولات التي تطرأ على نظرة فاعلي الدولة إلى المعرفة وإلى الفاعلين غير الحكوميين، وكذلك بالطبع للأدوات التي تصاغ من خلالها السياسات العامة، فكلما اتسعت دائرة الاعتراف بالأدوار التي تؤديها مراكز الأبحاث والجامعات والمؤسسات الفكرية في إنتاج المعرفة، أمكن الحديث عن انتقال تدريجي من إدارة الدولة بمنطق القرار المغلق إلى إدارة السياسات بمنطق المعرفة والخبرة والتفاعل مع المجال العام.

فمن بين أكثر المضامين التي لم تحظَ باهتمام إعلامي واسع في تغطية المقابلة الثانية للرئيس أحمد الشرع مع قناة الجزيرة، كان حديثه عن الدور الذي اضطلعت به الوسائل الإعلامية وبشكل خاص “المراكز البحثية” في إيصال رسائل عملية إلى الفاعلين الدوليين والغربيين حول نموذج إدلب، وإبراز اختلافه عن نموذج تنظيم داعش ومستوى التنظيم الذي وصلت له خلال سنوات الثورة السورية. ورغم أن هذا التصريح مرّ مرورًا عابرًا في معظم التغطيات الإعلامية، فإنه يحمل دلالات سياسية ومعرفية تتجاوز التأكيد على أهمية مراكز الأبحاث، وتصل لإدراك الدور وأهميته.

تكشف هذه الإشارة عن إدراك لأهمية مراكز التفكير بوصفها أحد الفاعلين الرئيسيين فيما يُعرف بدبلوماسية المسار الثاني (Track Two Diplomacy)من خلال دورها في إنتاج المعرفة وبناء السرديات، بجانب إلى فتح قنوات تواصل غير رسمية مع صناع القرار، بما يسهم في تشكيل الإدراكات والتأثير في السياسات الإقليمية والدولية. وفي الحالة السورية، مارست هذه المراكز دور الوسيط المعرفي بين الفاعلين السوريين والدوائر البحثية والسياسية الدولية، وأسهمت في نقل تصورات الثورة إلى خارج الأطر الدبلوماسية الرسمية. ويشمل دور هذه المؤسسات إعداد الدراسات كما يمتد إلى تفسير التحولات، وتقديم البدائل والتوصيات وصناعة السياسات، والأهم هو المساهمة في بناء الصورة الذهنية للدول والقضايا أمام البيئات السياسية والبحثية الدولية، وفي السياق السوري كان ذلك حاضرًا بوضوح في بناء صورة مختلفة عن المناطق المحررة.

كما تكتسب هذه الإشارة أهمية إضافية، لأنها تصدر عن رئيس دولة كان جزءًا مهمًا من التجربة العسكرية والسياسية خلال فترة الثورة السورية. في ذات التوقيت، هي تعكس إدراكًا بأن إدارة الصراع مع النظام السابق لم تكن فقط من زواية عسكرية مجردة، وإنما رافقتها معركة موازية لإنتاج المعرفة واستيعابها في صياغة السرديات والتواصل مع الفاعلين الإقليميين والدوليين لنقل الصورة الواقعية عن نماذج مناطق الثورة. ومن هذه الزاوية، فإنها تمثل اعترافًا في سياق الذاكرة الثورية، بالدور الذي أدته مراكز الأبحاث خلال سنوات الثورة.

ولم تكن التجربة السورية بمنأى عن هذا الدور، فمنذ اندلاع الثورة السورية، برزت مراكز الأبحاث السورية بوصفها أحد الفاعلين المدنيين الذين أسهموا في إنتاج المعرفة وتقديم البدائل السياساتية وبناء السرديات المرتبطة بتطورات الملف السوري، وخاصًة في ظل التحديات السياسية والعسكرية والإعلامية التي أحاطت بالثورة، ولم يقتصر دورها على متابعة الشأن العام أو إصدار الدراسات والأوراق السياساتية، بل امتد إلى الانخراط في النقاشات الوطنية والدولية حول مستقبل سورية، وتقديم قراءات مغايرة للسرديات التي سادت في كثير من الأوساط الإقليمية والدولية، خصوصًا فيما يتعلق بطبيعة القوى الفاعلة في مناطق المعارضة والفوارق بينها وبين التنظيمات المتطرفة.

وتزداد أهمية هذا التحول في السياق العربي، حيث اتسمت العلاقة بين الدولة ومراكز الأبحاث في كثير من الأحيان بالتوجس أو التهميش واعتبارها تهديد، أكثر من اعتبارها شريكًا في إنتاج السياسات العامة

إضافة لذلك، أسهمت هذه المراكز في مرافقة التجربة السياسية لقوى الثورة والمعارضة من خلال بناء جسور التواصل مع مراكز الأبحاث والمؤسسات الفكرية الإقليمية والدولية، بما ساعد في نقل تصورات مختلفة حول الواقع السوري إلى دوائر البحث وصناعة القرار خارج البلاد. ورغم أهمية هذا الدور، فإنه لم يحظَ بحضور واضح في الخطاب السياسي الرسمي طوال سنوات الثورة، إذ طغت الاعتبارات العسكرية والأمنية على النقاشات العامة وهذا طبيعي في سياق الثورات بسبب أولويات السؤال الأمني، بينما بقيت المساهمة البحثية أقل ظهورًا في الخطاب السياسي، على الرغم من استمرار تأثيرها في كثير من المسارات غير الرسمية.

من هنا، فإن أهمية تصريح الرئيس أحمد الشرع لا تكمن في الإشارة لدور مراكز الأبحاث فحسب، وإنما فيما يكشفه عن الدور الذي اضطلعت به تلك المراكز في نقل الصورة عن مناطق الثورة بكل تحولاتها السياسية والفكرية والعسكرية. وكذلك تشير هذه النظرة، لتحول في نظرة الدولة الجديدة إلى المعرفة وإنتاج السياسات. فهو يعكس اهتمامًا بمراكز الأبحاث بوصفها إحدى أدوات القوة الذكية، وإحدى ركائز السياسة الخارجية إلى جانب الدبلوماسية الرسمية، بما يشير إلى انتقال تدريجي نحو توظيف المعرفة في خدمة القرار العام، بدل النظر إليها بوصفها نشاطًا أكاديميًا منفصلًا عن المجال السياسي.

وتزداد أهمية هذا التحول في السياق العربي، حيث اتسمت العلاقة بين الدولة ومراكز الأبحاث في كثير من الأحيان بالتوجس أو التهميش واعتبارها تهديد، أكثر من اعتبارها شريكًا في إنتاج السياسات العامة. ومن ثم، فإن صدور هذا التقدير من رئيس دولة عربية انتصرت ثورتها يحمل دلالة تتجاوز الحالة السورية، لأنه يطرح تصورًا مختلفًا للعلاقة بين السلطة والمعرفة، ويعيد الاعتبار للدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات البحثية في دعم عملية صنع القرار.

في المقابل، يُحمّل هذا التحول مراكز الأبحاث مسؤولية مضاعفة، فكلما ازداد الاعتراف السياسي بدورها، ازدادت الحاجة إلى ترسيخ استقلاليتها الأكاديمية، والمحافظة على وظيفتها الأساسية في إنتاج المعرفة الرصينة، وتقديم النقد البنّاء القائم على الأدلة، وترشيد السياسات العامة بعيدًا عن تسجيل المواقف أو الشخصنة أو المديح غير المبرر. فالقيمة الحقيقية لمراكز الأبحاث والتفكير لا تكمن في تأييد أي حكومة أو معارضتها، وإنما في قدرتها على تقديم معرفة موثوقة تساعد صانع القرار على بناء سياسات أكثر فاعلية واتزانًا بما يخدم فكرة الدولة الوطنية.

كذلك، صحيح أن تلك الإشارة لا تكفي بمفردها -مهما بلغت دلالتها- لبناء علاقة مؤسسية مستدامة بين الدولة وإنتاج المعرفة، يكون التحدي الحقيقي يتمثل في ترجمة هذا التصور إلى سياسات ومؤسسات تضمن إشراك المعرفة في عملية صنع القرار، وتحافظ في الوقت ذاته على استقلالية المراكز البحثية، فالعلاقة الصحية بين الدولة ومراكز التفكير لا يفترض أن تقوم على الندية أو التبعية، بل على الشراكة التي توازن بين دعم السياسات العامة والقدرة على مراجعتها وتقويمها.

ولعل الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من هذا التصريح، أن العمل البحثي لم يعد يُنظر إليه بحدود النشاط الأكاديمي الهامشي، بل أيضًا باعتباره أحد مكونات القوة المعرفية للدولة، وشريكًا في فهم التحولات وصياغة السياسات وبناء الحضور الخارجي لسورية. ومن هذه الزاوية، لا يقتصر حديث الرئيس أحمد الشرع على الإشادة بدور مراكز الأبحاث، وإنما يكشف عن عقلية الحكم الجديدة في سورية تجاه العلاقة بين الدولة والمعرفة، مقارنة بما كان سائدًا خلال العقود السابقة، وفي المنطقة العربية بالشكل الحالي.

ويضع هذا التحول الجميع، بما في ذلك الحكومة ومراكز الأبحاث السورية أمام مسؤولية مضاعفة، فكلما ازداد الاعتراف السياسي بدورها، ازدادت الحاجة إلى ترسيخ استقلاليتها الأكاديمية، والمحافظة على إنتاج معرفة رصينة تستند إلى الأدلة والموضوعية، وتقديم نقد بنّاء يهدف إلى ترشيد السياسات العامة لا إلى تسجيل المواقف أو تبرير الأخطاء والتجاوزات الحكومية، فالقيمة الحقيقية لمراكز التفكير لا تقاس بقربها من السلطة أو بعدها عنها، وإنما بقدرتها على إنتاج معرفة موثوقة تسهم في دعم عملية صنع القرار وتعزيز المصلحة الوطنية العامة في سورية الجديدة.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى