
لفت نظري في الأسبوع الماضي استخدام منظومة الاحتلال، وفي مقدمها وزير أمنه يسرائيل كاتس ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، مصطلح “عملية عسكرية” لوصف القمع والبطش اللذين يقترفانهما ضدّ مخيّم اللاجئين الفلسطينيين في قلنديا. واستعمال ذلك المصطلح لم يكن عشوائياً، بل غرضه التضليل الإعلامي، والإيحاء بأنّ ما تقوم به إسرائيل عملية عسكرية ضدّ جيش معادٍ، أو قوّة عسكرية مسلّحة على الأقلّ، لتبرير ما جرى ويجري من قمع وحشي، وتنكيل بسكّان مدنيين عُزّل سبق أن هُجّروا بقوّة الإرهاب والسلاح من بلداتهم وقراهم عام 1948.
ما يجري ليس عمليةً قتاليةً، بل هدم لبيوت آمنة، واحتلال لأخرى بعد طرد سكّانها، واعتقالات بالجملة، وضرب وتنكيل أصاب العشرات. وواضح أنّ ذلك يجري في إطار محاولة تكرار التطهير العرقي لسكّان مخيّمات نور شمس وطولكرم وجنين في الشمال، في منطقة تشكّل أحد مداخل مدينة القدس، والهدف تهويدها بعد الضمّ غير الشرعي. وذلك كلّه في إطار محاولة تصفية حقوق اللاجئين الفلسطينيين والقضية الفلسطينية برمّتها.
يصل الأمر ذروته باستخدام آلية “نزع الإنسانية عن الخصم”. وذلك ما تجلّى في وصف وزير أمن الاحتلال (السابق) يوآف غالانت للفلسطينيين بأنّهم “حيوانات بشرية“
المصطلحات سلاح جوهري في حرب السرديات، ولكنّ الوسيلة الأخرى هي أسلوب الإسقاط. و”الإسقاط” في علم النفس آلية دفاع نفسية يمارسها الشخص بنسبة دوافعه وسلوكه وعدوانيته إلى خصمه. غير أنّ الإسقاط في السياسة يتجلّى باتّهام طرفٍ خصمَه أو عدوَّه، باستمرار، بصفات وأفعال يمارسها هو نفسه. ولذلك، فإنّ أكثر صفة تستخدمها المنظومة الإسرائيلية ضدّ الفلسطينيين هي “الإرهاب”. فيُوصف كلّ نضال فلسطيني بالإرهاب، ويُوصف كلّ مناضل فلسطيني بالإرهابي أو بالتحريض على الإرهاب على الأقلّ، للتغطية على أنّ مشروع الاستعمار الإحلالي الاستيطاني قد نُفّذ عبر الإرهاب الذي كانت تمارسه العصابات الصهيونية في فلسطين لتصنع النكبة الفلسطينية. وهو ما تُكرّره عصابات المستوطنين الإرهابيين في الضفّة الغربية، اليوم، في محاولة لاصطناع نكبة جديدة تنتهي بالتطهير العرقي، سواء في غزّة أو في الضفة الغربية.
ويترافق هذا مع تقنية إعلامية أخرى، إلقاء مسؤولية الجرائم المرتكبة، خصوصاً الإبادة الجماعية والعقوبات الجماعية، على الضحيّة، واعتبار مقاومة الظلم والاحتلال والاضطهاد مبرِّراً للجرائم المرتكبة ضدّ مئات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين. ويصل الأمر ذروته باستخدام آلية “نزع الإنسانية عن الخصم”. وذلك ما تجلّى في وصف وزير أمن الاحتلال (السابق) يوآف غالانت للفلسطينيين بأنّهم “حيوانات بشرية”، ومقولة قادة الإسرائيليين: “لا يوجد أبرياء في غزّة، حتّى إن كانوا أطفالاً”.
أمّا التقنية الرابعة، فهي تقمّص إسرائيل دور الضحية الأبدية، حتّى وهي ترتكب جريمة الإبادة الجماعية، مع تجنيدٍ للتاريخ وما تعرّض له اليهود من اضطهاد لم يكن للفلسطينيين علاقة به من قريب أو من بعيد، وتجاهل تامٍّ لحقيقة أنّ اللاسامية كانت ظاهرةً أوروبيةً “ولم يكن لها أيّ وجود في المحيط العربي”. ويُستخدم تقمّص دور الضحية مبرِّراً لارتكاب أبشع الجرائم، من جانب، ولإعفاء مرتكبي الجرائم من أيّ مسؤولية من جانب آخر، وتحصين مرتكب هذه الجرائم من أيّ مساءلة أو محاسبة. وفي الوقت الذي تحمل فيه ممارسات المنظومة الإسرائيلية خطراً وجودياً على الشعب الفلسطيني، بدءاً بتصفية مكوّنات حقوقه وقضيته، مروراً بسرقة ما تبقّى من أراضيه، وصولاً إلى التنكيل الوحشي بأسراه ومحاولة طرده ممّا تبقّى من وطنه وتنفيذ تطهير عرقي هو الأخطر في العصر الحديث، ينشر القادة الإسرائيليون ادّعاءات أنّ إسرائيل هي من يواجه خطراً وجودياً، وهي تحظى بدعم غير محدود من الولايات المتحدة التي تمتلك أقوى جيش وأكبرَهُ في المنطقة ومئات الرؤوس النووية وهيمنة استخبارية لا سابق لها على محيطها.
يتطلّب كسب معركة المصطلحات والسردية مزيداً من جهد إعلامي
ولعلّ أخطر الأمور تسرّب الرواية الإعلامية الإسرائيلية إلى المحيط العربي والإسلامي، وتورّط محطّات إعلامية عربية، عن وعي أو من دونه، في استخدام المصطلحات والرواية الإسرائيلية. ولذلك، يغدو التدقيق في المصطلحات ومكوّنات السردية أمراً إلزامياً قبل تكرارها أو السماح لها بالمرور. الحقائق دامغة، وواضحة وكافية إن أُحسن تقديمها، وقد غدا الأمر أكثر سهولةً مع تعاظم أنماط الغرور والعنجهية والوقاحة في سلوك كثير من المسؤولين الإسرائيليين. ويكفي هنا أن نشير إلى مقابلة مصوّرة أجرتها مراسلة محطّة “بي بي سي” البريطانية مع مستوطن إسرائيلي يعمل محامياً، قال فيها إنّ حياة إسرائيلي واحد تعادل حياة مليون فلسطيني وأكثر. وعندما قالت له المذيعة “كلامك عنصري”، تفاخر بذلك، وقال “إنّ الآخرين (غير اليهود) يغارون من اليهود لأنّ الله اختارهم”. ذلك مجرّد مثال على التحوّل الكريه الجاري في المجتمع الإسرائيلي، من تبرير الاحتلال إلى تبرير الأبارتهايد إلى تبرير الفاشية والتطهير العرقي، وهو التحوّل الذي يقدّم آلاف الأمثلة التي تعرّي السردية الإسرائيلية وتكشف نقاط ضعفها.
قديماً، كتبت فرجينيا وولف “إنّ شيئاً لم يحدث ما لم يُوصَف”. وبالتالي يتطلّب كسب معركة المصطلحات والسردية المزيدَ من الجهد الإعلامي والتحليلي، كي لا يُسمح بأن تتحوّل عبارات التضليل الإسرائيلي وتقنياته إلى حقائق معتمَدة.
المصدر: العربي الجديد






