لماذا يجب أن تراقب تركيا وسوريا الحرب السيبرانية أكثر من الصواريخ؟

علي أسمر

في الحروب التقليدية كان صوت الانفجار هو الذي يعلن بداية المعركة، أما اليوم فإن المعركة قد تبدأ بصمت كامل داخل شبكة حاسوب، بضعة أسطر من الشيفرة قد تفتح الطريق أمام صواريخ وطائرات بعد ذلك بساعات أو أيام، وهذا تحديداً ما تكشفه المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، حيث يظهر بوضوح أن ساحة الحرب لم تعد تقتصر على السماء والبحر والبر، بل تمتد أيضاً إلى الفضاء السيبراني الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من أي عملية عسكرية معاصرة.

في هذه الحرب لم يكن لافتاً فقط حجم الضربات العسكرية أو طبيعة الأسلحة المستخدمة، بل أيضاً ما جرى قبل إطلاق الصواريخ، فالحروب الحديثة لا تبدأ فجأة بل تسبقها سنوات من الاختراقات الرقمية وجمع المعلومات، وهو ما يعرف في العقيدة العسكرية بمرحلة التموضع قبل الحرب، حيث تقوم وحدات سيبرانية متخصصة باختراق الشبكات الرقمية للخصم، مراقبة الاتصالات العسكرية، تحليل أنظمة الدفاع الجوي، بناء خرائط رقمية للبنية التحتية الحيوية، وكل ذلك يحدث غالباً بعيداً عن أعين الجمهور.

يمكن للحرب السيبرانية أن تستهدف البنية المدنية أيضاً، ليس بهدف التدمير المباشر بل لإحداث صدمة نفسية أو تشويش في البيئة المعلوماتية..

تقارير صحفية غربية تحدثت عن عمليات اختراق استهدفت كاميرات المراقبة وكاميرات المرور داخل إيران، وهي أجهزة تبدو عادية في الحياة اليومية لكنها تتحول في زمن الحرب إلى مصادر استخبارية بالغة الأهمية، إذ يمكن من خلالها مراقبة التحركات في المدن والمنشآت العسكرية وتتبع أنماط الحركة، ما يسمح ببناء صورة دقيقة عن البيئة العملياتية قبل أي ضربة عسكرية.

وفي هذه النقطة تحديداً تتغير طبيعة مفهوم الاستخبارات، فالمعلومة لم تعد تأتي فقط من عميل سري أو قمر صناعي، بل أيضاً من شبكة كاميرات أو تطبيق هاتف أو حتى جهاز متصل بالإنترنت داخل منزل عادي، وهنا تتحول الحياة الرقمية بأكملها إلى ساحة محتملة للحرب.

لكن الدور السيبراني لا يقتصر على جمع المعلومات فقط، بل يمتد أيضاً إلى تعطيل قدرة الخصم على الرد، فبعض التصريحات العسكرية الأميركية ألمحت إلى أن العمليات الرقمية استهدفت إرباك شبكات الاتصال وأنظمة القيادة والسيطرة الإيرانية، وهو ما يمكن أن يفسر حالة الارتباك التي تظهر أحياناً في الساعات الأولى من أي مواجهة عسكرية.

وفي حالات أخرى يمكن للحرب السيبرانية أن تستهدف البنية المدنية أيضاً، ليس بهدف التدمير المباشر بل لإحداث صدمة نفسية أو تشويش في البيئة المعلوماتية. فقد تحدثت تقارير إعلامية عن اختراق تطبيق إيراني واسع الانتشار لمواقيت الصلاة وإرسال إشعارات للمستخدمين بالتزامن مع بدء الضربات الجوية، وهي حادثة قد تبدو صغيرة لكنها تعكس كيف يمكن للأدوات الرقمية اليومية أن تتحول إلى وسيلة تأثير نفسي خلال الحرب.

هذا النوع من العمليات يفسر أيضاً سبب الصمت الذي يحيط بالحرب السيبرانية، فالدول غالباً ما تتباهى بصواريخها وطائراتها لكنها تتجنب الحديث كثيراً عن عملياتها الرقمية، لأن كشف تفاصيل هذه العمليات قد يؤدي ببساطة إلى فقدانها، فالسلاح السيبراني يفقد قيمته بمجرد معرفة خصمك بكيفية عمله.

لكن ما يجري في هذه الحرب لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية المواجهة بين القوى الكبرى، بل أيضاً من زاوية الدروس التي تقدمها لدول المنطقة، وهنا تبرز تركيا وسوريا بوصفهما دولتين تراقبان التطورات عن كثب.

تركيا، التي طورت خلال العقدين الماضيين صناعة دفاعية متقدمة، بدأت تدرك مبكراً أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط في السماء أو على الأرض، بل أيضاً داخل الشبكات الرقمية، ولهذا تعمل أنقرة على تعزيز قدراتها في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي إلى جانب قوتها العسكرية التقليدية.

الشرق الأوسط، الذي كان لعقود طويلة مسرحاً للحروب التقليدية، يدخل اليوم مرحلة مختلفة، حيث قد تبدأ المعركة القادمة دون أن يسمع أحد صوتها، قد تبدأ داخل مركز بيانات أو شبكة اتصالات أو حتى تطبيق هاتف.

أما سوريا، التي تقف للمرة الأولى منذ سنوات طويلة في موقع المراقب لحرب إقليمية كبيرة دون أن تكون طرفاً مباشراً فيها، فقد تجد في هذا التحول درساً استراتيجياً بالغ الأهمية، فبعد أكثر من عقد من الحروب التي دمرت مدناً وبنية تحتية كاملة، يصبح من الضروري التفكير في طبيعة الحروب القادمة لا في طبيعة الحروب التي انتهت.

وفي هذا السياق، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مجال تقني متخصص أو ترف معرفي يمكن تأجيله إلى المستقبل، بل أصبح جزءاً أساسياً من عناصر القوة في العالم الحديث، ولهذا يجب أن تبدأ تركيا وسوريا التفكير بجدية في إدخال علوم الذكاء الاصطناعي إلى المناهج التعليمية منذ المراحل المدرسية الأولى، بحيث يتعرف الطلاب مبكراً على أساسيات البرمجة وتحليل البيانات والتقنيات الرقمية.

فالعالم الذي يتشكل اليوم تقوده الخوارزميات بقدر ما تقوده الجيوش، والدول التي تتأخر في هذا المجال ستجد نفسها مستهلكة للتكنولوجيا بدلاً من أن تكون منتجة لها، لذلك فإن الجامعات في البلدين مطالبة أيضاً بإنشاء تخصصات أكاديمية جديدة تحت مسمى تقنيات الذكاء الاصطناعي، تجمع بين علوم الحاسوب وتحليل البيانات والأمن السيبراني، لأن هذه التقنيات لم تعد مجرد خيار أكاديمي إضافي بل ضرورة استراتيجية تمس مستقبل الاقتصاد والأمن وموازين القوة في المنطقة.

الشرق الأوسط، الذي كان لعقود طويلة مسرحاً للحروب التقليدية، يدخل اليوم مرحلة مختلفة، حيث قد تبدأ المعركة القادمة دون أن يسمع أحد صوتها، قد تبدأ داخل مركز بيانات أو شبكة اتصالات أو حتى تطبيق هاتف.

وعندما يحدث ذلك، لن يكون السؤال من يمتلك الصاروخ الأقوى فقط، بل من يمتلك القدرة على فهم العالم الرقمي وإدارته قبل أن تتحول المعركة إلى واقع لا يمكن السيطرة عليه.

 

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى