عندما يتكلّم المسؤول الإيراني

معن البياري

                                                                   

وحدَه ترامب يتفوّق على المسؤولين الإيرانيين، في غضون الحرب الجارية، في غزارة التصريحات والخطب والتدوينات. يحدُثُ أن يُفضي بما هو مهمُّ ومثير، غير أنه يُثرثر، غالباً كيفما اتفق، من قبيل كذبته، أول من أمس، أن كل القدرات العسكرية الإيرانية جرى تدميرُها. وفي الجمهورية الإسلامية، لا يكتفي المسؤولون ببيانات مؤسّسات الدولة ووزاراتها وأجهزتها والجيش والحرس الثوري، بل ينشطون أيضاً في المقابلات الصحافية، ليتوجّهوا إلى جمهور عريض في الداخل والخارج بكلامٍ مسترسلٍ عن صلابة النظام وجاهزيّة البلاد وقدرتها على ردّ كل عدوان. وهذا النشاط سابقٌ للحرب الراهنة، ولسابقتها في الصيف الماضي، فالمسؤول الإيراني، الرئيس والوزير والمفاوض والسفير وغيرهم، يواظب، منذ انتصار الثورة في 1979، على الحضور في الصحافات الأجنبية والعربية، بإعطاء المقابلات ونثر التصريحات، بل وكتابة المقالات أيضاً. والملحوظ، في المقابل، أن المسؤول العربي، إلا في استثناءاتٍ شحيحة، بات شديد التحفّظ، غير ميّالٍ إلى مخاطبة الرأي العام، المحلّي منه والدولي (الحديث هنا عن الشأن السياسي)، ويُؤثر الاكتفاء بإجاباتٍ مقتضبةٍ في مؤتمرات صحافيةٍ مشتركةٍ متعجّلة، وبالبيانات الرسمية التقليدية (وزير خارجية دولة عربية في موقعه منذ تسع سنوات، لم يعط سوى مقابلة صحافية واحدة طلبها بنفسه). ولم يكُن هذا حالَ وزراء خارجية وإعلام ومسؤولين عربٍ عديدين في سنواتٍ غير قريبة، كانوا حريصين على تواصلهم مع الصحافة، وعلى بناء “صداقاتٍ” و”علاقاتٍ” مع أهل الإعلام وكتّاب الرأي والتقارير الإخبارية.
يُضجرنا في الصحافة أن ننقل الكلام “الساكت”، بتعبير الأشقاء السودانيين، والذي لا يقول شيئاً، والكلام الذي ينفع لإنشائيات افتتاحيات الصحف الحكومية. أما كذب السياسيين فمحسوبٌ عليهم، وناقلُ الكفر ليس بكافر. وقد صحّ قول بسمارك إن الكذب يكثُر في أثناء الانتخابات والحروب، وها نحن يُمطرنا المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون بفائضٍ من الكلام، يُحتاجُ إلى جهدٍ لتمييز الصحيح والموارب والخاطئ والناقص وغير الدقيق والمرتجل والعنتري والكاذب والمكرور فيه. وهذا طبيعيٌّ في ظروف حربٍ يزاول طرفاها المعتديان وطرفها المُعتدى عليه الوعيد والتهديد، ويُظهرون منجزاتهم وانتصاراتهم.
ولمّا كان من الميسور أن تُفهم المقاصد والأغراض من الكلام الأميركي الإسرائيلي، وفينا الخبرة في أخذ صلافة أصحابه في واشنطن وتل أبيب على محمل الجدّ، يأخَذُنا ما يواصل المسؤولون الإيرانيون الحديث فيه وعنْه إلى موضعٍ آخر، سيّما أنهم، منذ أسبوعين، يقولون الكلام نفسه، المتكرّر وإنْ بتنويعاتٍ ضئيلة، قلّما تقع فيه على جدّةٍ. وغالباً ما يقيمون، في الذي يستطردون فيه، في منطوقٍ ومنطقٍ لا يتحرّكان، وظنّهم في هذا أنهم مبدئيون، من دون أن يبادروا إلى تفحّص ما إذا كانوا يُقنعون الجمهور العام بما يُدلون به أم يُخفقون. وإذ لا يتوقف الكلام الإيراني في الشهر الكريم عن ضرب قواعد ومصالح أميركية في دول الخليج، فيما المسألة، في جوهرها، انتهاك سيادات هذه الدول وأمنها وسلامة مواطنيها والمقيمين فيها وزوّارها، تجوز مشابهة أهل هذا الكلام بمن يصرّ على أنها عنزةٌ ولو طارت.
يحاول وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أن يخرُج من حوافّ هذه الصورة، فيقول جديداً ومختلفاً في مقابلة “العربي الجديد” معه، عندما يريدُنا أن نشتبه بالأميركيين أنهم يضربون في دول الخليج بمسيّراتٍ تماثل مسيّرات إيرانية، وعندما يأتي بما يفترضها شواهد تدلّ على رمي مقذوفات على بلاده من مناطق مأهولة في دبي وأبوظبي، وعندما يقترح تشكيل لجنة تحقيق في هذا كله. ولكنه يعتصم بالموقف نفسه، إصرار بلده على مواصلتها الهجمات على أراضي الدول العربية الخليجية بدعوى وجود قواعد ومصالح أميركية فيها، فالولايات المتحدة بعيدة، على ما أوضح (!). والمتغافَل عنه هنا أن الوزير النشط لا يريد أن يصدّق ما يعلنه “الأصدقاء” و”الجيران” كما يسمّيهم، ويستهجن ذهابهم إلى مجلس الأمن بشأن ما لا تسمية لها سوى اعتداءاتٍ إيرانية. ولا يكترث، في استفاضته هذه، بجوهر المسألة نفسها، أن القانون الدولي وأعراف الجيرة لا يجيزان هذه الارتكابات الإيرانية على دول الخليج، والتي تسبّبت بمقتل وإصابة مواطنين ومقيمين، وبأضرارٍ أوقفت عمل مقدّرات حيوية فيها. ولا يستقيم هذا مع أيٍّ مما جاء به الوزير الذي أخبرنا أن الحرب لن تنتهي إلا مع ضمانات عدم تكرارها… والخلاصة أن ضيفنا ظلّ كما صحبُه، وإن اجتهد وأجاد والحقّ يقال.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى