سوريا بعد أكثر من عقد على الثورة.. المجتمع والدولة وسؤال الاستقرار

  سونير طالب

بعد أكثر من عقد على اندلاع الثورة السورية، لم تعد ذكراها مجرد استعادة للحظة احتجاجية في ربيع عام 2011، بل أصبحت محطة للتأمل في تجربة تاريخية معقدة أعادت طرح أسئلة كبرى حول الدولة والسلطة والمجتمع في سوريا. فالثورات لا تُقاس فقط بلحظتها الأولى، بل بما تتركه من تحولات عميقة في بنية المجتمعات وفي تصورها لعلاقتها بالدولة.

في بدايات الاحتجاجات، بدت مطالب السوريين واضحة ومباشرة: الحرية، والكرامة، والعدالة. غير أن هذه الشعارات لم تكن سوى التعبير الأكثر وضوحًا عن أزمة أعمق تراكمت عبر عقود من الانكماش السياسي وتراجع المشاركة العامة. فقد اتسمت العلاقة بين الدولة والمجتمع بدرجة عالية من المركزية في إدارة السلطة والموارد، الأمر الذي ضيّق مساحات الفعل السياسي والاجتماعي خارج مؤسسات الدولة.

وفي هذا السياق جاءت الاحتجاجات بوصفها محاولة لإعادة فتح المجال العام وإعادة تعريف علاقة المجتمع بالدولة. لكن مسار الأحداث سرعان ما تجاوز حدود الاحتجاج السياسي التقليدي. فمع تصاعد العنف وتحول البلاد تدريجيًا إلى ساحة صراع معقد، دخلت سوريا مرحلة مختلفة أعادت تشكيل بنيتها الاجتماعية والاقتصادية.

تحولت الساحة السورية إلى واحدة من أكثر البيئات الجيوسياسية تعقيدًا في المنطقة، حيث تداخلت حسابات القوى الإقليمية والدولية مع المسار الداخلي للأزمة.

وفي حين هيمنت التطورات العسكرية والسياسية على واجهة المشهد، كانت هناك في العمق تحولات اجتماعية لا تقل أهمية. ففي العديد من المناطق التي تراجع فيها حضور مؤسسات الدولة أو ضعفت قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية، ظهرت مبادرات محلية سعت إلى سد الفراغ المؤسسي. تنوعت هذه المبادرات بين العمل الإغاثي وتنظيم المجتمعات المحلية ودعم التعليم، إضافة إلى أنشطة حقوقية وتنموية هدفت إلى الحفاظ على الحد الأدنى من تماسك المجتمعات المحلية

ولم تكن هذه المبادرات مجرد استجابة ظرفية للأزمة، بل تجربة اجتماعية أعادت تعريف العلاقة بين المجتمع والدولة. فالمجالس المحلية والشبكات التطوعية والمنظمات المدنية مثلت محاولات عملية لإدارة الشأن المحلي خارج الأطر التقليدية للسلطة.

وقد كشفت هذه التجربة أن المجتمعات، حتى في أكثر الظروف قسوة، قادرة على تطوير آلياتها الذاتية للتكيف والتنظيم. فحين تتراجع مؤسسات الدولة أو تفقد قدرتها على أداء وظائفها الأساسية، يظهر المجتمع بوصفه فاعلًا قادرًا على ابتكار أشكال جديدة من العمل العام للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي. فالحروب قد تعيد رسم خرائط النفوذ، لكنها في الوقت ذاته تعيد تشكيل المجتمعات من الداخل.

غير أن التحولات التي شهدتها سوريا لا يمكن فهمها بمعزل عن بعدها الجيوسياسي. فموقع البلاد في قلب المشرق العربي جعلها تاريخيًا نقطة تقاطع لمصالح إقليمية ودولية متشابكة.

ومع تطور الصراع، تحولت الساحة السورية إلى واحدة من أكثر البيئات الجيوسياسية تعقيدًا في المنطقة، حيث تداخلت حسابات القوى الإقليمية والدولية مع المسار الداخلي للأزمة. وقد أدى هذا التشابك إلى تحويل الصراع السوري من أزمة سياسية داخلية إلى ملف استراتيجي تتقاطع فيه قضايا الأمن الإقليمي والتوازنات الدولية وإعادة رسم النفوذ في الشرق الأوسط

ومع التحولات التي يشهدها الإقليم في السنوات الأخيرة، لم تعد سوريا تُقرأ فقط بوصفها ساحة نزاع داخلي، بل بوصفها عقدة جيوسياسية ترتبط بقضايا أوسع تتعلق بأمن الحدود وتوازنات النفوذ ومسارات إعادة الإعمار. وفي ظل هذه المقاربات الجديدة، تميل بعض السياسات الإقليمية إلى التعامل مع الملف السوري من زاوية الاستقرار وإدارة المخاطر، أكثر من التركيز على مسارات التحول السياسي التي طُرحت في السنوات الأولى للأزمة.

غير أن اختزال المسألة السورية في بعدها الأمني أو الجيوسياسي يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن أي استقرار مستدام سيظل مرتبطًا بقدرة الداخل السوري على إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع

فالمجتمعات الخارجة من النزاعات لا تحتاج فقط إلى تسويات سياسية أو ترتيبات أمنية، بل تحتاج أيضًا إلى فضاءات مدنية قادرة على إعادة ترميم النسيج الاجتماعي وتعزيز ثقافة المشاركة والحوار. وفي هذا السياق يبرز المجتمع المدني بوصفه عنصرًا أساسيًا في أي عملية إعادة بناء طويلة المدى.

المعضلة السورية اليوم تتعلق بكيفية تحويل آثار الحرب الطويلة إلى فرصة لبناء دولة أكثر توازنًا بين السلطة والمجتمع، بالإضافة إلى تعزيز مفهوم الشفافية المؤسساتية في كل مفاصل الدولة، وأكثر قدرة على إشراك مواطنيها في صياغة مستقبلهم.

ولعل أحد أهم الدروس التي كشفتها التجربة السورية هو أن استقرار الدول لا يقوم فقط على قوة مؤسساتها الرسمية، بل على حيوية مجتمعاتها وقدرتها على المشاركة في إدارة الشأن العام. فالدولة الحديثة لا تُبنى من أعلى فحسب، بل تتشكل أيضًا من خلال شبكة واسعة من المؤسسات المجتمعية والاقتصادية والثقافية التي تسهم في تنظيم الحياة العامة.

ومن هذا المنظور، قد يكون أحد أبرز الإرثات التي خلفتها تجربة الثورة السورية هو إعادة فتح النقاش حول دور المجتمع في صياغة مستقبله. فبعد عقود من انكماش المجال العام، أظهرت السنوات الماضية أن المجتمع السوري يمتلك طاقات كامنة على مستوى المبادرة والتنظيم والمشاركة.

لذلك فإن ذكرى الثورة السورية اليوم لم تعد مجرد استعادة لحدث تاريخي، بل لحظة للتفكير في المسار الطويل الذي قطعه المجتمع السوري منذ عام 2011. فالثورات لا تُقاس فقط بقدرتها على إحداث تغيير سياسي مباشر، بل أيضًا بما تخلقه من تحولات عميقة في الوعي الاجتماعي وفي تصور المجتمعات لعلاقتها بالدولة.

وفي هذا المعنى، قد لا يكون السؤال الأهم اليوم هو ما الذي حدث في بداية تلك الأحداث فحسب، بل ما الذي تعلمه السوريون من تلك التجربة الطويلة. فإعادة بناء الدول بعد الحروب لا تعتمد فقط على التسويات السياسية أو التوازنات الإقليمية، بل على قدرة المجتمعات نفسها على استعادة دورها في المجال العام وبناء عقد اجتماعي جديد يقوم على المشاركة والعدالة وسيادة القانون.

فالمعضلة السورية اليوم تتعلق بكيفية تحويل آثار الحرب الطويلة إلى فرصة لبناء دولة أكثر توازنًا بين السلطة والمجتمع، بالإضافة إلى تعزيز مفهوم الشفافية المؤسساتية في كل مفاصل الدولة، وأكثر قدرة على إشراك مواطنيها في صياغة مستقبلهم.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى