نقد موجز لمسرحية “الفرس ” 

عساف سلامة السلمان 

تُعدّ مسرحية “الفرس ” لأسخيلوس واحدة من أهم وأقدم النصوص المسرحية التي وصلتنا من التراث الإغريقي. عُرضت سنة 472 ق.م في أثينا، بعد ثماني سنوات فقط من وقوع معركة سلاميس. وهي أقدم تراجيديا يونانية كاملة محفوظة، وتمثل لحظة نادرة يلتقي فيها الحدث التاريخي المباشر بالتأمل الدرامي العميق.
وُلد أسخيلوس نحو 525/524 ق.م في إلفسيس قرب أثينا، وتوفي سنة 456/455 ق.م في مدينة جيلا بصقلية. لم يكن شاعرا فحسب، بل كان جنديا شارك بنفسه في الحروب الفارسية، ومنها معركة “سلاميس “، وهذا ما يفسر قوة المشاهد الحربية وصدق الإحساس بالمأساة في نصه. ويُعد أقدم الثلاثة الكبار في التراجيديا اليونانية، ويُلقّب بـ “أبو التراجيديا” لأنه طوّر البناء الدرامي وأضاف ممثلا ثانيا إلى العرض، مما عمّق الحوار والصراع على الخشبة.
جاءت “الفرس” مشبعة بصدق التجربة لا بحرارة الدعاية. فهو لا يحتفل بالنصر، بل يحوّل الهزيمة الفارسية إلى مرثية إنسانية كبرى تُروى من داخل معسكر الخاسر.
التراجيديا من منظور المهزوم
يبدأ النص في سوسة، حيث تقف الجوقة — شيوخ فارس — في حالة ترقب وقلق على مصير الجيش. تقول الجوقة في مطلع المسرحية: “ها نحنُ أمناءُ دارِ الذهبِ، الذين خلّفهم الملكُ حراسا لعرشه، وقلبُنا يرتجفُ على جيشٍ مضى بعيدا.”
منذ البداية يضعنا الشاعر في مناخ انتظار مشوب بالخوف، لا بنشوة توسعٍ إمبراطوري. وحين يصل رسول المعركة، ينقلب الانتظار إلى صدمة. يعلن بصوت منكسر: ” يا مدينةَ آسيا كلَّها، لقد سقطَ جيشُ فارسَ كلُّه! لم يبقَ من ذلك الحشدِ العظيمِ إلا اسمُه في الريح.” بهذا الإعلان المكثف لا يصف الشاعر مجرد هزيمة عسكرية، بل انهيار وهم القوة المطلقة. ويتحوّل البحر — الذي كان معبر المجد — إلى قبرٍ مفتوح: ” كان البحرُ يضربُ السفنَ بسياطِه، ويكسرُ المجاديفَ كأنها عيدانُ قشّ، والرجالُ يصرخون،
فلا يسمعهم غيرُ الموج.”
الصورة هنا تسلب الحرب أي بطولية؛ الطبيعة نفسها تصبح أداة عقاب، والبحر قوة عمياء تبتلع الغرور البشري.
انهيار صورة الإمبراطور
تبلغ المأساة ذروتها في مشهد دخول الملك خشایارشا الأول. لا يدخل في هيئة الفاتح، بل ممزق الثياب، منكس الرأس. يخاطب الجوقة قائلاً:  ” آهٍ لي! لقد حصدتُ بيدي زرعَ الهلاك، وقُدتُ قومي إلى بحرٍ مفترس.”
هنا يتحول الملك من رمز سلطة إلى إنسان يحمل وزر قراره. وتتأكد دلالة الغرور حين تستحضر الملكة روح أبيه داريوس الأول من العالم السفلي. يظهر داريوس كصوت حكمة متأخرة، معاتبًا: ” لم يعرفِ الحدَّ ابنُك، فأراد أن يُقيّد البحرَ بسلاسل، وأن يجعلَ الهلسبونت Hellespont عبدا لجسره. لكنَّ الآلهةَ تعاقبُ من يعلو فوق قدره.”
هذا المقطع يلخّص البنية الأخلاقية للمسرحية: تجاوز الحدّ (الهيبريس) هو الخطيئة التي تستدعي السقوط. ليست الهزيمة إذن عسكرية فحسب، بل كونية، لأن الملك ظن أنه قادر على إخضاع الطبيعة نفسها.
الجوقة كضمير منكسر
الجوقة ليست عنصرا زخرفيا، بل ضمير جماعي يعيش الفاجعة. فهي تنشد: “ابكوا، يا أبناء فارس، فقد خلا بيتُ كلِّ أمٍّ من سندٍ، وامتلأ الطريقُ بالعويل.”
وتقول في موضع آخر: “كانوا زهرةَ آسيا، فصاروا طعامًا للبحر.” في هذا التحول من “زهرة” إلى “طعام”، تنقلب صورة المجد إلى هشاشة مطلقة. العرش لم يعد معنى، والمجد لم يعد سوى صدى فارغ أمام دموع الأمهات.
ما وراء ثنائية الشرق والغرب
كثيرًا ما قُرئت “الفرس” بوصفها نصا عن صراع الشرق والغرب، غير أن شواهد النص نفسه تُظهر أن هدف أسخيلوس أعمق من تمجيد قومه. فهو لم يضع على لسان اليونانيين أي خطاب انتصار، بل منح الكلمة كاملة للمهزومين. وفي ختام المسرحية، تقود الجوقة الملك في مرثية جماعية: ” سِرْ معنا، أيها الملكُ البائس، إلى مدينةٍ تكسوها الدموع، فالمجدُ الذي كان يلمعُ أطفأهُ الغرور.”
إنها خاتمة لا تمجد أثينا، بل تحذر كل قوة من المصير نفسه. فالتراجيديا عند أسخيلوس ليست احتفالا بالنصر، بل درسا في حدود السلطة.
خاتمة
بهذه الشواهد يتضح أن “الفرس” ليست مجرد تسجيل شعري لـمعركة سلاميس، بل تأمل درامي في مأساة الطغيان حين يتجاوز حدّه. لقد حوّل أسخيلوس حدثا معاصرا إلى رؤية فلسفية عن الغرور والقدر، فجعل من المهزوم إنسانا يستحق التعاطف، ومن المنتصر شاهدا على هشاشته المحتملة.
لهذا تبقى “الفرس” نصا يتجاوز زمنه: تراجيديا تُبكي العدو، وتُحرج المنتصر، وتذكّر كل إمبراطورية بأن البحر — مهما بدا خاضعا — لا يرحم من يتحداه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى