محاكمة بشار الأسد الممكنة والمستحيلة

     عمر قدور

يوم الأحد بدأت أولى جلسات محاكمة بشار الأسد غيابياً، في قضية تشمله مع شقيقه ماهر، وآخرين من أركان حكمه؛ حيث كان الأبرز وجود ابن خالته عاطف نجيب داخل قفص الاتهام في المحكمة. الجلسة كانت إجرائية من حيث الطابع القانوني، لأنها كانت مُخصّصة للإجراءات الإدارية الخاصة بالتحضير للمحكمة، على أن تُعقد الجلسة التالية في العاشر من الشهر المقبل. أيضاً على الصعيد المعنوي والإعلامي، كان واضحاً أن الحفاوة هي برمزية الحدث، وبأن ينطق قاضٍ في دمشق باسم بشار الأسد بوصفه متهماً غائباً.

محاكمة بشار الأسد حضورياً هي حلم لملايين السوريين، وإن اختلفوا في التفاصيل المتعلقة بإطار المحاكمة، وبالجهة المخوَّلة بها. ومحاكمته الحالية لا يُنظر إليها كمقدّمة لطلب تسليمه من قبل موسكو، وحتى إذا تم تقديم الطلب فقد يبقى في الإطار الشكلي، لأن قضية من هذا الوزن تخضع للاعتبارات السياسية أولاً وأخيراً. القناعة السائدة هي أن موسكو لن تسلّم الأسد، والعلاقة معها بعد إسقاطه تجاوزت هذا المطلب، وتجاوزت أيضاً كونها شراً لا بد منه.

وفي الواقع لا توجد تجربة في بلدان المنطقة لمحاكمة مسؤول من وزن بشار، ولدينا أمثلة مثل مصير القذافي وعلي عبدالله الصالح وسواهما ممّن قُتلوا بلا محاكمة، مع أمثلة أخرى على آخرين نجوا من القتل والمحاكمة. محاكمة صدام هي الوحيدة، وربما كان تيسّر له الهروب لو لم تكن سمعة واشنطن في الميزان. مع ذلك كان الدرس الذي قدّمته المحاكمة أقلّ بكثير مما يُرتجى، لأنه حوكم على قضية تُعدّ ثانوية بالقياس إلى قضايا أكبر، ونُظر إلى هذا الاختيار كتجنّب لفتح ملفّات أعقد غير بعيدة عن ضلوع قوى إقليمية ودولية، فضلاً عن أن هذه القضية وضعت المحاكمة في إطار الانتقام الطائفي لا ضمن مشروع أوسع للعدالة. أيضاً أمثولة محاكمة صدام تشير إلى استحالة محاكمة بشار بالمدلول الأوسع للكلمة.

ما نجزم به هو أن محاكمة بشار الأسد استحقاقٌ ضروري، ومستحيل إجرائياً على صعيد جلبه إلى المحكمة. لذا من المستبعد إلى أقصى حد تخيُّل محكمة يمثُل فيها ليواجه سيلاً من الاتهامات، والأهم ربما لتكون لدى السوريين فرصة الاستماع إلى تبريراته ودفوعاته وما يتخللها من كشف عن أسرار؛ سواء الأسرار الداخلية لحكمه أو المتصلة بقوى إقليمية ودولية.

وإذا نحّينا جانباً الاحتمال السابق، تبقى نظرياً إمكانية محاكمته غيابياً، إنما ليس على النحو الذي بدأ قبل يومين. نشير هنا إلى أن قاضي محكمة الجنايات استهلّ الجلسة بالقول إنها أولى محاكمات “العدالة الانتقالية في سوريا”، لكن من المعلوم أنه تم تشكيل هيئة للعدالة الانتقالية لم تنجز بعدُ مشروعاً يتم إقراره، ثم تقوم وزارة العدل بوضع التعليمات التنفيذية التقنية له. وعدم وجود أرضية قانونية، تُبنى عليها محاكم خاصة، يعيد المحكمة الحالية إلى قانون الجنايات المعمول به، وهو لا يلحظ الجرائم ضد الإنسانية ولا خصوصية الحالة السورية، على الأقل منذ العام 2011.

نظرياً، وحده وجود مشروع متكامل حقيقي للعدالة الانتقالية هو ما يجعل لمحاكمة بشار الأسد من معنى، فالأمر بالطبع لا يتعلق بتجريم مجرم معروف جداً، بل يمكن أخذ الكثير من أقواله العلنية كإثبات على جرائمه المتعددة، أي أن الجانب الجنائي محسوم، ولن تضيف المحاكمة الغيابية جديداً فيه. حتى على الصعيد المعنوي، لن يضيف الحكم على بشار وماهر جديداً، فاللحظة الرمزية حدثت وانتهت مع الجلسة الأولى.

الآن أو لاحقاً، بحضور بشار في القفص أو بغيابه، المحاكمة الأهم هي المبنية على العدالة الانتقالية، أي المبنية على رغبة حقيقية في الانتقال من عهد الأسدية بكافة مندرجاته. ثمة فهم مغلوط، ومنتشر على نطاق واسع سوريّاً، يقرن العدالة الانتقالية إلى حد كبير بتخفيف الأحكام على المدانين وتعليق بعضها الآخر. هذا الفهم، إذا صحّ جزئياً، ينصرف إلى مقتضيات المصالحة بلا توقّف عند كون الأخيرة من نتائج الاتفاق على الانتقال من مرحلة إلى أخرى.

إنَّ محاكمة بشار والأسدية، وفق فقه العدالة الانتقالية، تتطلب جهوزية على نطاق واسع للانتقال من حقبة الأسدية، وطي صفحتها نهائياً. الانتقال المطلوب ليس من أنصارٍ للأسد، وهي فكرة تنطوي على أن الباقين قد خرجوا من عباءة الأسدية. الانتقال المطلوب هو من نسبة كبرى من السوريين كانوا متورّطين في الحقبة الأسدية، ومنهم من خرج عنها ليكرر بعض أفعالها في تجربة “المناطق المحرَّرة”. نشير هنا إلى أن الأسدية ليست فحسب براميل متفجّرة ومحارق صيدنايا، فما دونهما الكثير الكثير مما صار يُنظر إليه مقبولاً بالمقارنة مع البراميل والمحرقة.

الانتقال الفعلي؛ أي التطهّر من الأسدية، لا يكون بالتبرّؤ منها على النحو الذي شهدناه بعد السقوط خصوصاً. التبرؤ هو أسلوب لتأثيم فئة ما، واعتبارها المسؤول الحصري عن الأسدية وجرائمها، سواءً كان الكلام طائفياً أو لم يكن. فالأسدية لم تحكم البلد بالبراميل والمحرقة طوال ما يزيد عن نصف قرن، ولم تحكم السوريين طوال الوقت بالمخابرات؛ هذا اختزال يصحّ لوصف النظام العسكري-المخابراتي، لكنه لا يقول ما يجب قوله عن تورّط نسبة كبرى من عموم السوريين في صناعة الأسدية. وهم لم يكونوا مُكرَهين دائماً، أقلّه لم يكون مُكرَهين ضمن الصيغة المباشرة للإكراه كما يتم تداولها. لقد تقاسمت شرائح واسعة من عموم السوريين مع سلطة الأسد أفكاراً وأيديولوجيات كانت منتشرة في حينها، وتقاسمت معها شرائحُ واسعةٌ مصالحَ اقتصادية لا تقل اتساعاً، عندما لم تكن الأسدية قد وصلت إلى درجة شديدة الجشع والتغوّل… إلخ.

في واحد من الأمثلة البسيطة والمباشرة، ينجز السوريون التحضير للانتقال عندما ينبذون كافة مظاهر تقديس أو عبادة الفرد، وعندما يرفضون أي مظهر من مظاهر الاستفراد بالسلطة العمومية. هذا المثال ليس على سبيل وضع اشتراطات تجعل الانتقال عسيراً، بل هو مثال في صلب ما يُفترض أنهم ثاروا عليه، وهو أسهل ما تُمتحن به النية على دفن الأسدية، وعل جعل محاكمة بشار الأسد ضمن مشروع حقيقي للعدالة الانتقالية، لا ضمن سعي للتبرؤ من علل الأسدية، مع الاستعداد للقبول مجدداً ببعض أهم عللها.

على السطح، لا يبدو أنَّ السوريين جاهزون للانتقال، ولمحاكمة الأسد ضمن مرحلة انتقالية حقيقية. لكن سيكون من الغبن أيضاً الظنُّ أن عموم السوريين غير مستعدّين للانتقال، وأن من طبعهم الدائم صناعة الأسدية بأسماء مختلفة. وإذا كانت محاكمة الأسد مستحيلة الآن فالعبور إلى الممكن ليس سهلاً ولا مستحيلاً.

 

المصدر: المدن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى