
ليل السبت الأحد هيمن على الفضاء الإعلامي نبأ إطلاق النار في بهو قاعة تواجد الرئيس الأميركي. محطة التلفزة التي كنت أتابعها طوال الليل، فشلت في أن أتلقى عبرها أي نبأ جديد عن التطورات على جبهتي الحرب اللبنانية والإيرانية المشتعلة في المنطقة. وكان مذيعو المحطة ومراسلوها يلهثون وهم يبثون أدق التفاصيل المتعلقة بالحدث الأميركي، والتي كان يتدفق سيلها تحت ما يسمونه في القنوات “نبأ عاجل”. وكادت “العواجل” أن تفرغ من أي عاجل وهي تلاحق تتابع خطوات هذا أو ذاك وفي أي اتجاه خطاها. ولم يعد مذيعو ومذيعات الشاشات وحدهم من يلهث في بث العواجل، بل أصبح المتابع أكثر توتراً وهو يلاحق توالي المشاهد. وإلى جانب أسماء فريق الرئاسة، فرض توتر اللحظة على المشاهدين أسماء كثيرة من الأميركيين الذين قدمهم الحدث على رؤسائهم.
على مدى ساعات الليل وحتى الصباح، حققت شاشات التلفزة نجاحاً باهراً في إزاحة أنباء حروب المنطقة إلى خلف تفاصيل إطلاق النار الأميركي. وبهتت مشاهد فظائع الحروب أمام مشهد رئيس أميركي يقع أرضاً وهو يتعجل الفرار من صوت إطلاق نار ظنه “ضجيج صينية أطباق وقعت أرضاً في القاعة”، ومشهد نخبة أميركا الحاكمة تختبئ تحت الطاولات.
صوت إطلاق نار في بهو قاعة الاحتفال فشلت القيادة الأميركية الحاكمة في تحمله، وهي التي تشعل نيران حروب وتطفئ لهيب أخرى. وفي اللحظة الأولى التي استعاد فيها الرئيس الأميركي وعيه من “هول الصدمة” اكتشف أن الرئاسة في بلاده “مهنة خطيرة”.
صورة المشهد الأميركي التي نقلها الإعلام المكتوب الناطق بالروسية، خفف من وطأتها حقيقة أن الكلمة أقل وقعاً من الصورة، خصوصاً لمن لا يقيم للكلمة وزناً ويتلقاها أصواتاً وليس محتوى.
الإعلام الروسي التابع للكرملين والدائر في فلكه، الذي لم يتبقَّ خارجه إعلام في روسيا، جرد المشهد من أي إثارة، باعتبار معظمه أن المشهد برمته مفبرك. وليس ما يفاجئ برد فعل هذا الإعلام على إطلاق نار في مقر قيادة العدو، الذي يتوهم ترامب أنه حوّله إلى “صديق”.
تنوعت حيثيات هذا الإعلام لافتراض الحدث الأميركي مفبركاً. ومن رآه حدثاً وقع فعلياً، جزم بأن إطلاق الرصاص الأميركي كان محاولة اغتيال الرئيس، على الرغم من نفي ترامب بنفسه التأكيد على استهدافه شخصياً. بعض مواقع هذا الإعلام رأى في فبركة الحدث حاجة لترامب قبل انتخابات الخريف المقبل، في ظل تراجع شعبية الجمهوريين على خلفية آثار الحرب مع إيران، مع ارتفاع أسعار المحروقات في الولايات المتحدة. وبعضه رأى أن فبركة الحدث فرضتها الحاجة لإشغال الأميركيين عن الحرب الإيرانية، والتي يتزايد الاعتراض عليها وسطهم.
صحيفة الكرملين vz رأت في إطلاق الرصاص محاولة إغتيال جديدة “أظهرت وجود اختلافات في إدارة ترامب”.
رأت الصحيفة في مقدمة النص أن حياة دونالد ترامب مهددة مرة أخرى: محاولة اغتيال رابعة تم تدبيرها ضد سيد البيت الأبيض. وفي الوقت نفسه، يشير الخبراء إلى أن الرئيس الأميركي لن يكون بوسعه استغلال ما حدث لأهدافه الخاصة، إذ أن شعبيته وسط الأميركيين اصبحت منخفضة للغاية، فلا تسمح له بالتلاعب بالرأي العام. ومع ذلك، ترجح الصحيفة أن تعطي محاولة الاغتيال الفاشلة دفعة للصراعات الكامنة داخل البيت الأبيض.
تنقل الصحيفة عن المتخصص الروسي بالشؤون الأميركية مالك دوداكوف، إشارته إلى أنها محاولة الاغتيال الرابعة ضد ترامب، ما يعني أن تكرار الحدث يبطل أي تأثير إعلامي وسياسي للمحاولة. ولن يتسنى للمحاولة إنقاذ شعبية ترامب من الإنخفاض الذي بلغت نسبته 33%. ويرى أن تدني هذه النسبة يعود جزئياً لعدم تأييد غالبية الأميركيين للحرب على إيران. وفي الوقت عينه، تتفاقم المشاكل الاقتصادية بسبب أزمة الطاقة. ولدى الأميركيين الكثير من التساؤلات الموجهة إلى البيت الأبيض، ولن يجدي نفعاً محاولة التغلب عليها بواسطة صورة “البطل الذي يتعرض للاغتيال”.
يرى الخبير أن الكثيرين من الأميركيين يتحدثون بجدية عن أن محاولة الاغتيال الأولى التي جرت في العام 2024 في ولاية بنسلفانيا، يُحتمل أنها كانت مفبركة. ويعتقد أن بعض نشطاء شبكات التواصل، وحتى بعض الصحافيين، سيحاولون تصوير ما حدث على أنه مفبرك أيضاً من قبل واشنطن. ولذا، من المحتمل جداً أن يتحول ما حدث لغير مصلحة ترامب. “ويسعنا القول إنَّ الوضع في الولايات المتحدة متوتر إلى أقصى حد”.
المتخصص الروسي الآخر بالشأن الأميركي بوريس ميجويف، قال للصحيفة إن محاولة اغتيال ترامب الأولى في بنسلفانيا، جرت في ظل الضغوط من مختلف الشخصيات الأميركية، ومناصبته العداء من قبل نجوم هوليود وكبريات مواقع الإعلام الأميركي وشبكات التواصل الاجتماعي. لكن الوضع ليس كذلك اليوم. وسيد البيت الأبيض يتعرض لانتقادات أقل بكثير بسبب أخطائه في إيران مقارنةً بجورج دبليو بوش.
بمعنى آخر، فقد تلاشى الشعور بالمواجهة الشاملة بين ترامب والليبراليين. وعليه، من غير المرجح أن ينجح تصوير الأحداث للجمهور على أنها نتيجة تحريض الديمقراطيين على الكراهية ضد الرئيس. وقد يُقنع هذا التصور المنطقي البعض بالتخلي عن دعمهم للمرشحين المنافسين للجمهوريين، لكن أعداد هؤلاء تبقى ضئيلة.
قناة التلفزة الروسية شبه الرسميةren.tv نقلت عن البوليتولوغ الأميركي مارك لو (Mark Lowe) قوله إن السؤال الأهم هو: هل كانت هذه محاولة اغتيال حقيقية أم مفبركة؟ لأن شعبية ترامب قد تراجعت، وحربه مع إيران لا تحظى بشعبية تُذكر. ومثل هذا الحدث يُعدّ وسيلةً ممتازة لصرف الانتباه عن كل هذا. وأضاف بالقول، إن أميركا في السنوات الأخيرة أصبحت منقسمة بشدة. فهي تعاني من استقطاب حاد، حيث يقف الديمقراطيون في مواجهة الجمهوريين كما لم يحدث من قبل. ويكاد يكون التواصل بينهم مستحيلاً.
الجريدة الرسمية للحكومة الروسية RG تبنت كلياً تفسير فبركة الحدث الأميركي بمحاولة تحويل الانتباه عن المفاوضات مع إيران. وقدعنونت نصها بالقول “محاولة الاغتيال بدلاً من المفاوضات: كيف غيّر الرئيس الأميركي أجندة الإعلام العالمي”.
استهلت الصحيفة نصها بالقول إنَّ حادثة إطلاق النار في البيت الأبيض، هي حدث أكثر إثارة للاهتمام من الأجندة الإيرانية. فبعد أن سئمت وسائل الإعلام العالمية من سيرة المفاوضات بين طهران وواشنطن، سارعت إلى تناول هذا الخبر الجديد، متجاهلةً الأحداث المحيطة بإيران. وأثناء ذلك، لا يمكن القول إن كل شيء على الجبهة الشرقية قد تطور من دون تغيير. وكان أهم تطور شهدته عطلة نهاية الأسبوع، هو إلغاء ترامب تذاكر سفر المفاوضين الأميركيين إلى إسلام آباد. وكان من المقرر أن يسافر المبعوث الخاص لترامب، ستيفن ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، ومساعدون رئيسيون لنائب الرئيس جيه. دي. فانس، إلى باكستان يوم السبت لإجراء مشاورات مع مسؤولين إيرانيين. لكن قبيل الرحلة مباشرة، أعلن سيد البيت الأبيض أن احداً لن يغادر إلى أي جهة. واقترح على الإيرانيين إجراء جميع المحادثات عبر الهاتف. وبعد ساعات قليلة، وقعت محاولة اغتيال ترامب، وتصدرت عناوين الأخبار في جميع وسائل الإعلام. “يا لها من مصادفة!”.
المصدر: المدن


