أقنعة القداسة من الجاحظ إلى طرطوف

   عساف سلامة السلمان

 ليس جديدا أن يُستَخدم الدين في الحياة العامة، لكن الجديد دائما هو الطريقة التي يتحوّل بها إلى قناع. عبر التاريخ، لم يكن الخطر في الإيمان ذاته، بل في لحظة تحوّله إلى خطاب يُدار به الناس، ويُعاد تشكيل وعيهم باسم القداسة. من نصوص الجاحظ الساخرة، إلى دفاع ابن رشد عن العقل، مرورا بتحذيرات عبد الرحمن الكواكبي من تزاوج الاستبداد مع الخطاب الديني، وصولا إلى مسرحية طرطوف عند موليير، يتكرر سؤال واحد بإلحاح: متى يتحوّل التديّن من قيمة روحية إلى أداة سلطة؟

ليس أخطر على الدين من أعدائه، بل من أولئك الذين يتكلمون باسمه. فالدين، في جوهره، وعدٌ بالعدل، ونداءٌ إلى الصدق، لكنه حين يقع في يد الإنسان—ذلك الكائن المولع بالسلطة—يتحوّل بسهولة إلى أداة للهيمنة والرياء وإخضاع الآخرين.

منذ قرون، كان الجاحظ يلتقط هذا التحوّل مبكرا، دون خطابة أو ادّعاء، بل بعبارة لاذعة تكاد تختصر المأساة:   “وما رأيتُ واعظا قطُّ إلا وهو إلى الموعظة أحوجُ من مستمعيه.”

هنا ينكشف التناقض بين القول والفعل، ويتحوّل الخطاب الديني، حين ينفصل عن السلوك، إلى مسرحٍ كامل.

 ويأتي أبو حيان التوحيدي ليذهب أبعد، حيث لا يعود الزهد فضيلة بل مهنة: “الزهدُ على ألسنتهم، والدنيا في قلوبهم.” ويضيف بوضوح أشد “اتخذوا الدين سلّما إلى الدنيا.” الدين هنا لم يعد نورا يهدي، بل وسيلة صعود إلى النفوذ.

أما أبو العلاء المعري، فيكسر الإطار كله، لا يكتفي بفضح الأقنعة، بل يشكّك في المسرح ذاته، كاشفا أيضا عن انشغال بعض المتدينين بالقشور على حساب الجوهر، حين قال ساخرًا: «أمبتغى الدين أن تُحفوا الشوارب؟ يا أمةً قد ضحكت من جهلها الأمم.»

ثم يضيف في موضع آخر: “يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُقال.”

فالمشكلة، عنده، لا تقف عند رجل الدين، بل تمتد إلى إنسانٍ مستعدّ لأن يُخدع، وربما راغب في ذلك.

في المقابل، يقف ابن رشد مدافعا عن العقل بوصفه حارسا للدين لا خصما له:”الحكمةُ صاحبةُ الشريعة، والأختُ الرضيعة لها.”

ويحذّر بوضوح: “من منع النظر فقد ضادّ الشرع.”

فحين يُغلق باب التفكير، يُفتح باب الدجل.

ومع دخول العصر الحديث، تصبح الصورة أكثر حدّة. يكشف الكواكبي العلاقة العضوية بين الاستبداد والتديّن الزائف: “المستبدّ يتّخذ الدين وسيلةً لإذلال الشعوب.” و” رجال الدين أعوان الاستبداد إذا فسدوا.”

هنا يتحوّل النفاق من سلوك فردي إلى بنية حكم.

ثم يأتي طه حسين، لينقل النقد إلى ميدان المعرفة، داعيا إلى تحرير التفكير من التقديس الأعمى، مؤكدا أن الحقيقة لا تُصان إلا بالبحث. ويجسّد نجيب محفوظ هذه الإشكالية في أعماله، حيث يتحوّل الدين أحيانا إلى أداة ضبط اجتماعي، لا مرآة أخلاقية.

وفي الأدب العالمي، يقدّم موليير نموذجا خالدا في شخصية طرطوف: رجل يتحدث بالتقوى ويمارس نقيضها، يلوم كل شيء ويفعل ما يلومه. غير أن عبقرية النص لا تكمن في فضح المنافق وحده، بل في كشف القابلية الاجتماعية لتصديقه.

وإلى جانب طرطوف موليير، يقدّم جورج أورويل في رواية مزرعة الحيوان صورة رمزية أخرى لا تقل دلالة: الغراب “موسى”، الذي يحدّث الحيوانات عن “جبل السكر”، ذلك الفردوس المؤجَّل بعد الموت. لم يكن موسى واعظا بريئا، بل أداة تُستدعى حين تشتد المعاناة، ليُقنع الآخرين بقبول واقعهم. هنا يتحوّل الخطاب الديني إلى وعدٍ مُسكّن، لا يحرّر الإنسان، بل يؤجّل خلاصه، فيلتقي بذلك مع ما حذّر منه الكواكبي، وما أشار إليه ماركس عن توظيف الدين في تخدير الوعي.

هذا السؤال لم يغب عن الفلسفة الأوروبية. فقد رأى إيمانويل كانط أن الدين الحقيقي لا يقوم على الطقوس الشكلية، بل على الأخلاق؛ فالتديّن الذي ينفصل عن الواجب الأخلاقي ليس إلا قشرة بلا مضمون. أما كارل ماركس، فقد نظر إلى الدين—حين يُستخدم سياسيا—بوصفه أداة لتخدير الوعي وتكريس الواقع القائم. في حين ذهب فريدريك نيتشه إلى نقد أكثر جذرية، معتبرًا أن بعض أشكال التدين تخفي إرادة ضعف، وتتحوّل إلى أخلاق تُستخدم لقمع الحياة بدل تحريرها.

وهكذا، من الجاحظ إلى أورويل، ومن طرطوف إلى “موسى”، تتكرر القصة ذاتها بأسماء مختلفة، لكن بجوهر واحد:

واعظ لا يتعظ، … زاهد يتسلّق بالدين، … سلطة تستعين بالفتوى، … وعقل يُقصى ليُفسح المجال للوهم.

ليست هذه مواجهة مع الدين، بل محاولة لإنقاذه من الذين يحوّلونه إلى قناع. فالدين، حين يكون صادقا، لا يحتاج إلى ممثلين. أما حين يتحوّل إلى أداة، فإنه يصبح أخطر من كل الأدوات، لأنه لا يخدع العين فقط، بل الضمير أيضًا.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحا: هل نريد دينا يحرّر الإنسان؟

أم تديّنا يُتقن دور… طرطوف؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى