
كان رجلاً هادئاً وقوراً، يتحدّث كلاماً قليلاً وينجزُ أعمالاً كثيرة، يُقدِّره الثوار ويحترمون رأيه، كان تقبله الله ذا رأيٍ سديدٍ وعقلٍ راجحٍ، وكان ذا حكمةٍ وفيرةٍ وشجاعةٍ كبيرة، يُنظِّم أفكاره قبل كلِّ لقاء، معه دفتر صغير يدوِّن فيه الملاحظات، ويجدول فيه المهام.. رحم الله الشهيد الأستاذ #محمد_توفيق_إنجيلة أبا كاسم رحمةً واسعةً.
التقيتُ بالأستاذ المهندس توفيق إنجيلة في مجالس ثورية عدة منذ الأيام الأولى للثورة، من تنسيقيات المظاهرات الأولى، إلى تجمع أحرار دمشق وريفها، إلى مجلس ثوار دوما، إلى مجلس قيادة الثورة في مدينة دوما.. في جميع اللقاءات كان الأستاذ توفيق هادئ الطبع، حصيفَ الرأي، يجمعُ بين وقار الكهول واندفاع الشباب، كان بطبعه ثورياً وبسجيّته رزيناً، يفرضُ احترامَه لرقيِّ أخلاقه ورجاحةِ عقله وترتيب أفكاره.
كان المهندس أبو كاسم في شبابه منتمياً إلى الاتحاد الاشتراكي ومتأثراً بالأفكار القومية، لكنني سمعته في أيام الثورة الأولى حين قيل له عن ذلك فانزعج، وقال: لم أعد كذلك، أنا مسلمٌ وطنيٌ ثائر.. كان رجلاً واعياً؛ في العديد من المواقف كان يردد: يجب على الجميع الآن أن يلبسوا عباءة واحدة تجمع جهودهم وتركّز أهدافهم، هي عباءة الثورة حتى إسقاط النظام.
بعد أشهر قليلة من بدء الثورة واشتعال المظاهرات وتصاعد وتيرة القمع الدموي، وملاحقة الثوار، بدأ النشاط العسكري بالتشكُّل في الغوطة الشرقية، فكان البطل أبو كاسم من مؤسسي العمل العسكري في ريف دمشق، وكان من الشخصيات التي أخذت على عاتقها مهمة التنسيق مع المناطق الثائرة في دمشق وأريافها. لم تكن هذه المهمة سهلةً بل محفوفةً بالمخاطر ومفروشةً بالصعاب، لكنَّ أبا كاسم كان متقناً لها وناجحاً فيها.
في أواخر عام 2011م تعرَّض الأستاذ أبو كاسم للاعتقال على أحد الحواجز الطيّارة قرب مسجد حوا بمدينة دوما، حيث دام اعتقاله أسابيع عديدة قبل أن يُطلق سراحُه، ليعود إلى سابق عهده من النشاط الثوري بهمةٍ عاليةٍ وإرادةٍ لا تعرف التراجع أو الانكسار.
في التاسع عشر من شهر شباط عام 2012م، ذهب الأستاذ توفيق لحضور اجتماع تنسيقي مهم في دمشق، وذلك على الرغم من المخاطر المتعلقة بتحركاته داخل دمشق، لكنَّ إيمانه واندفاعه كان أكبر من المحاذير والتخوّفات، لم يكن جاهلاً بمخاطر تنقّله في العاصمة التي تغلي برجال الأمن الرسميين وغير الرسميين من العملاء والعواينية، لكنه كان مؤمناً بأنَّ الخوف والإحجام لا ينصر ثورةً ولا يسقط نظاماً.
في تلك الليلة جاء إليَّ على غير عادته وأخبرني أنّه ذاهب لحضور الاجتماع وترك معي دفتره وفيه ملاحظاته وجدول مهامه، طلب مني أن أحتفظ به وأن أوصله -إن صار عليه شيء- إلى الشيخ عبد العزيز عيون أبي أحمد رحمه الله، فقد كانا مسؤولَين عن ملف التنسيق العسكري، وكنت آنذاك أمين السر ومسؤول التواصل، بالإضافة إلى توثيق أحداث الثورة وبيانات الشهداء والمعتقلين.
لم يكن ذلك الاجتماع هو الأول فقد سبقه اجتماعات عديدة، لكن يبدو أن الشقة التي جرى فيها الاجتماع ذلك اليوم كانت مراقبةً لسببٍ ما منذ أيام، وكان من المتوقع أن تضمَّ مجموعة من الثوار من دمشق وريفها، فتمَّ رصدُها استعداداً لتجمّع الصيد فيها، لينقضَّ عليها زبانية الظلام ويعتقلوا من كان فيها من الثوار، ومن بينهم الأستاذ توفيق، ولتنقطعَ آثاره وأخباره بعد ذلك اليوم!
اعتباراً من 19 شباط 2012م صرنا مطاردين، كان يومُ اعتقاله بالنسبة لي مرحلةً جديدةً في الثورة عشت بعدها مطارداً متنقلاً من مخبأ إلى آخر حتى حملنا السلاح ولجأنا إلى بساتين الغوطة. في ذلك اليوم غادرت بيتي الذي تدمَّر فيما بعد بالقصف الروسي، ولم أعد أقترب منه ولا من مكتبي أو مكان عملي.. كان البطل أبو كاسم من الدائرة الأولى لتنسيق المظاهرات والعمل الجهادي المبكر، واعتقاله كان ضربةً مؤلمةً وخسارةً موجعة، ولكن لكل أجلٍ كتاب.
لقد بقينا أحدَ عشر عاماً -كما أهلُ الشهيد- على أمل أن نرى وجه أبي كاسم المنير يوماً، وتفاءلنا أن نراه محرراً من سجون الظالمين عند سقوط النظام البائد، ولكن أقدار الله غالبة وأعمار الناس مكتوبة، فقد تبيّن من وثائق سجن صيدنايا أن البطل القائد أبا كاسم إنجيلة قد ارتقى في الثالث من أيار 2013م، فعليه سحائب الرحمة وشآبيب الغفران، اللهم أجرنا في مصيبتنا وأخلفنا خيراً منها. لقد كان أبو كاسم حقاً من رجالات الثورة النادرين وأبطالها الأوائل الميامين، الذين كانوا في طليعة قوافل الشهداء الراحلين الذين نسأل الله أن يجمعنا بهم في الجنان في عليين، اللهم آمين.
المصدر: صفحة Abd Alrazzak Saab






