
شكّل نوروز 2026 في سوريا تحولًا بارزًا؛ فللمرة الأولى منذ استيلاء حزب البعث على السلطة عام 1963، جرى الاحتفال به في مناطق متعددة، من عفرين والشيخ مقصود والحسكة إلى جبل قاسيون، لا بوصفه تجمعًا مسموحًا به فحسب، بل باعتباره عطلة وطنية معترفاً بها رسمياً.
وبعد عقود كانت المشاركة في نوروز خلالها تنطوي على مخاطر شخصية جسيمة، من المراقبة والاعتقال والملاحقة الأمنية، أُقيمت المناسبة هذا العام في ظل اعتراف رسمي كامل من الدولة.
تحت حكم كل من حافظ الأسد وبشار الأسد، تعامل النظام مع نوروز بوصفه مسألة أمنية. فكانت التجمعات العامة المرتبطة به محظورة أو خاضعة لرقابة صارمة، كما مُنع إيقاد النيران وارتداء الزي الكردي وإظهار الرموز الثقافية. وفي كثير من الأحيان، قوبلت محاولات الاحتفال بقوة مفرطة، كما حدث في أحداث نوروز 2008 في مدينة القامشلي، التي سقط فيها قتلى ومصابون. ولم يقتصر القمع على المناسبة نفسها، بل امتد إلى البنية الثقافية الكردية برمتها؛ إذ فُرض التعريب على المناطق ذات الغالبية الكردية، بما شمل تغيير أسماء القرى والبلدات، وحُظر التدريس باللغة الكردية في المدارس الحكومية والخاصة، وضُيّق على استخدامها في الإعلام والنشر والحياة العامة. وكانت هذه السياسات جزءًا من مشروع أوسع لصهر الهوية الوطنية في قالب عروبي أحادي، رفض الإقرار بأنَّ التعدد الإثني واللغوي في سوريا حقيقة بنيوية. ولم يكن نوروز يشكّل تهديدًا ماديًا للدولة، بقدر ما كان يتعارض مع هذا المشروع نظرًا لما يمثله من تأكيد جماعي علني لهوية ثقافية رفض النظام الاعتراف بوجودها.
الحضور الثقافي الكردي لم يعد يُعامل في الخطاب الرسمي بوصفه تهديدًا لتماسك الدولة أو مادة للرقابة الأمنية، بل أصبح جزءًا من المشهد الوطني الذي تتبناه مؤسسات الدولة الإعلامية.
بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، بدأ هذا الواقع يتغير تدريجيًا. وقد شكّل المرسوم التشريعي رقم 13، الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع في 16 كانون الثاني/يناير 2026، أبرز محطة قانونية في هذا التحول. فقد أعلن المرسوم نوروز عطلة وطنية رسمية، واعترف باللغة الكردية لغة وطنية، وأجاز التدريس بها في المدارس في المناطق ذات الغالبية الكردية، وألغى الإجراءات الاستثنائية الناجمة عن إحصاء الحسكة لعام 1962. وكان ذلك الإحصاء قد جرّد نحو 120 ألف كردي من الجنسية السورية بذريعة أنَّهم “تسللوا” من تركيا، وأنتج فئتين قانونيتين هما “أجانب الحسكة” و”المكتومون”، في حالة من انعدام الجنسية امتدت عبر أجيال متعاقبة، حتى بلغ عدد المتضررين أضعاف الرقم الأصلي، وفق تقديرات منظمات حقوق الإنسان الدولية.
وتجدر الإشارة إلى أنَّ المرسوم التشريعي رقم 49 لعام 2011، الذي أصدره بشار الأسد في سياق محاولة احتواء الاحتجاجات الشعبية، كان قد أعاد الجنسية إلى فئة “أجانب الحسكة” تحديدًا، لكنَّه أبقى فئة “المكتومين” دون معالجة، ولم يتضمن أي بعد يتعلق بالاعتراف اللغوي أو الثقافي. وما يميز المرسوم 13 هو نطاقه الأوسع، إذ يشمل الفئتين معًا، ويربط استعادة الجنسية بإطار اعتراف ثقافي ولغوي متكامل، يتجاوز تصحيح وضع قانوني منفرد إلى إعادة تعريف علاقة الدولة بمكوّن من مكونات المجتمع السوري.
وقد غطت وكالة الأنباء الرسمية “سانا” احتفالات عفرين، وهي تغطية تحمل دلالة سياسية: فالحضور الثقافي الكردي لم يعد يُعامل في الخطاب الرسمي بوصفه تهديدًا لتماسك الدولة أو مادة للرقابة الأمنية، بل أصبح جزءًا من المشهد الوطني الذي تتبناه مؤسسات الدولة الإعلامية. كذلك، فإنَّ إحياء نوروز على جبل قاسيون المطل على دمشق منح المناسبة حضورًا في العاصمة نفسها، وهو ما كان متعذرًا في ظل النظام السابق، حيث كان نوروز محصورًا عمليًا في المناطق ذات الغالبية الكردية وتحت رقابة أمنية مشددة.
قد احتفل الكرد في سوريا علانية وبشكل قانوني وفي مناطق متعددة، وجرى رسميًا تفكيك الإطار القانوني الذي أنكر جنسيتهم وقمع تعبيرهم الثقافي.
يعد حق أي جماعة في إحياء تقاليدها والاحتفال بأعيادها والتعبير عن هويتها الثقافية في الفضاء العام حقًا أساسيًا بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. وتنص المادة 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية صراحة على عدم جواز حرمان الأشخاص المنتمين إلى أقليات إثنية أو دينية أو لغوية من حقهم في التمتع بثقافتهم واستخدام لغتهم. وسوريا بلد يضم جماعات إثنية ودينية ولغوية متعددة، وتقاليد كل مكوّن من هذه المكونات وأعياده ليست امتيازات تُمنح أو تُحجب بقرار من أي سلطة، بل حقوق أصيلة تكفلها قواعد القانون الدولي ومبدأ المساواة في المواطنة. وتجربة نظام الأسد نفسها تثبت أنَّ الدولة التي تقمع الحقوق الثقافية لا تنتج وحدة وطنية، بل تُنتج مظلومية واغترابًا وشروطًا مواتية للصراع.
ويمثل نوروز 2026، في حدّه الأدنى، دليلًا على أنَّ شيئًا ما قد تغيّر. فقد احتفل الكرد في سوريا علانية وبشكل قانوني وفي مناطق متعددة، وجرى رسميًا تفكيك الإطار القانوني الذي أنكر جنسيتهم وقمع تعبيرهم الثقافي. لكنَّ هذه الإجراءات رهن بترجمتها إلى نصوص دستورية وتشريعات تفصيلية تُلزم أي حكومة مقبلة. فالحقوق الثقافية لجميع مكونات المجتمع السوري حقوق أصيلة، وليست منحة من أحد، واختبار مصداقية أي نظام سياسي في سوريا ما بعد الأسد سيكون في مدى التزامه بهذا المبدأ تجاه جميع المكونات دون استثناء.
المصدر: تلفزيون سوريا






