السودان… الشرعية المستحيلة

جمال محمد إبراهيم

(1)
لعلّ العقد الثاني في الألفية الثالثة الماثلة شهد تحوّلات بوتيرة غير مسبوقة في الأنظمة الحاكمة بالعديد من بلدان القارّة الأفريقية، فتزامنت مع اضطرابات سياسية واقتصادية سادت في كثير من أنحاء المجتمع الدولي. ومن بلدان القارّة التي هزّتها الاضطرابات كان السودان في أوّل القائمة. انتفاضة شعب السودان التي أسقطت نظام الإسلاميين الذي قاده عمر البشير 30 عاماً لم تنقل بالبلاد إلى مرحلة استقرار وأمان، لكن سرعان ما تلت الاضطرابات أطماعٌ لقادة جيش البلاد للقيام بانقلاب عسكري (25/10/2021)، وقطعوا الطريق على الفترة الانتقالية التي كان المأمول أن ترتّب حكماً ديمقراطياً مستقرّاً.
الاتحاد الأفريقي لا يعترف بشرعية نظام انقلابي منشغل بمعارك داخلية
قضى الانقلاب على جهود أطراف في المجتمع سارعت إلى دعم انتفاضة السودانيين لاستهلال حقبة جديدة من الحكم الديمقراطي، فوقع انقلاب عسكري قاده الجنرال عبد الفتّاح البرهان، الذي أدخل السودان في حرب اندلعت منذ إبريل/ نيسان 2023 وحتى الساعة. وبموجب المادة 30 من ميثاق الاتحاد الأفريقي، قرّر الاتحاد على الفور تجميد عضوية السودان وعلّق جميع أنشطته، باعتبار أن تغيير نظام الحكم جرى من طريق غير شرعي.
(2)
كان ذلك القرار بمثابة سحب الشرعية من نظام الحكم الذي قاده الجنرال البرهان، وبعده دخل السودان (بسبب الانقلاب) مرحلة صراع ومواجهات عسكرية داخلية، سرعان ما صارت قتالاً استشرى في أنحاء السودان، وأغرى أطرافاً خارجية، بينها دولة الإمارات، بمساندة أطراف مالت إليها في ذلك الصراع الداخلي. دمَّرت تلك الحرب مقدرات البلاد، وفرّ سكّان البلاد بالملايين، نزوحاً إلى بعض بلدان الجوار. نشطت مبادرات للوساطة لم تفلح، وتواصلت الحرب سنة بعد أخرى، وهي الآن تنهي عامها الثالث، وصارت (كما وصفها الإعلام العالمي والإقليمي) “حرباً منسيّة”.
وهكذا انتهى الأمر بالسودان إلى أن تديره شرعية منقوصة من الأطراف المتصارعة، فيما الاتحاد الأفريقي لا يعترف بشرعية نظام انقلابي منشغل بمعارك داخلية. تتوالى مبادرات وجهود الوساطة وهي من فشل إلى آخر، ولا يملك الاتحاد الأفريقي أن يقدّم مساعدة تذكر.
(3)
انعقد مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي في 12 فبراير/ شباط الجاري في العاصمة الإثيوبية، وتحفّزت حكومة الأمر الواقع لرفع التماساتها ليعيد الاتحاد الأفريقي عضوية السودان. اصطدمت تلك المحاولات بعقبة غياب الشرعية، وتجميد عضوية البلاد في الاتحاد، وفق المادة 30 من ميثاقه. غير أن المشهد في السودان بقي على حاله، والحرب مستعرة بين القوات المسلّحة الشرعية، وقوات الدعم السريع غير النظامية التي أنشأها نظام البشير البائد، وتورّطت في خلافاتها مع قائد الجيش الذي شنّ حرباً عليها لإجبارها على الاستسلام. تلك هي الحرب المنسيّة، ولا يزال أوارها مشتعلاً في البلاد.
وأسقط الاجتماع المقترح الذي تقدّمت به مصر (رئيسة المجلس) بدعم من الجزائر، فنصّ المادة التي أقرّت تجميد عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي مادّة مقدّسة، ولم يكن هناك مجالٌ لمجاملات دبلوماسية لا تُجدي.
البديل المنطقي في السودان إيقاف الحرب وإقامة حكم مدني رشيد
(4)
مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي هو المقابل الموضوعي لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، يضم 15 دولة عضواً؛ خمس منها تُجدّد عضوية ممثّليها كل ثلاثة أعوام، وعشر تُجدّد عضوية ممثّليها كل عامَين. وتنتخب العضوية كاملة وفق التقسيم الجغرافي للقارّة: شمالها وجنوبها وغربها ووسطها. غير أن الدبلوماسية السودانية، وبسبب ما يمتّ لملابسات الحرب الدائرة في أنحاء البلاد كافّة، تعاني من ضعف بيّن، انعكس في اضطراب تعيين مَن يكلفّون بإدارة وزارة الخارجية، بل وفي اضطراب أحوال البعثات الدبلوماسية السودانية في أغلب الدول العربية والأفريقية. يُضاف إلى ذلك أن أطرافاً عديدة في المجتمع الدولي (أهمها دول الاتحاد الأوروبي) لا تعترف بشرعية النظام الحاكم الذي يتولّاه قائد الجيش الجنرال البرهان في السودان، ولا تعتمد سفراءه لديها.
(5)
الإصرار على استمرار المعارك العسكرية في السودان، التي يدفع أثمانها سكّان البلاد، يشكّل عقبة كؤوداً لن تعين على استعادة الشرعية، كما لن تساعد المتعاطفين من دولٍ أعضاء في الاتحاد الأفريقي، مثل مصر والجزائر، على التدخّل للتأثير في قرار الاتحاد الأفريقي تجميد عضوية السودان، وهو قرار ملزم لكل أعضاء الاتحاد الـ52، ومن السذاجة الدبلوماسية السعي إلى إلغائه.
وثمة ما يتردّد في الفضائيات عن أن النظام القائم تحت قيادة الجنرال البرهان سيعمل على تشكيل برلمان معيّن، بعد أن كُلّف رئيس وزراء مدني ضعيف الأداء. وذلك كلّه ليس مُجدياً، بل يُعدُّ محض مساحيق تجميلية، لا تُغني ولا تُسمن. ليس من بديل منطقي سوى إيقاف الحرب، وتراجع العسكريين إلى ثكناتهم، وإقامة حكم مدني راشد في السودان.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى