أسئلة صعبة عن مستقبل العراق

فارس الخطاب

يواجه العراق اليوم مفترقَ طرقٍ حضاريّاً وسياسياً واجتماعياً عميقاً. تتزاحم فيه التحدياتُ المعقّدة عبر أبعادٍ متعدّدة، ما يجعل طرحَ أسئلةٍ صعبةٍ ليس رفاهيةً فكريةً، بل ضرورة لفهم الاتجاهات وتحديد الخيارات التي يمكن أن تُشكّل مستقبلَه. فما هي الأسئلة الأكثر احتمالاً لمستقبل النظام السياسي في العراق؟
سؤال الاستقرار السياسي والنظام الحاكم في العراق من بين أهم الأسئلة المركزية: هل يستمرّ النظام القائم بمعاييره الحالية؟ أم ستظهر تياراتٌ جديدة تؤدّي إلى تغييرٍ مؤسّسي؟ إن تحولات ما بعد 2003، مروراً بالاحتجاجات الشعبية في 2019، تربط بشكلٍ واضح بين مطالب الإصلاح وتحدّيات بناء مؤسّساتٍ قوية وشفّافة. لكن ما يقف أمام محاولات الإصلاح وعودة هيبة الدولة ومؤسّساتها (وهي لم تحدث حتى اللحظة) عدةُ عناصر، منها: إرادةُ (وقدرةُ) أيّ طرفٍ يتولّى حكم العراق طيلة أكثر من عقدَين من الزمن في مكافحة الفساد واستعادة ثقة المواطن بالدولة.
والفساد في العراق ليس مجرّد ظاهرةٍ اقتصادية، بل هو معضلةٌ اجتماعيةٌ وسياسية تضاعفت عبر عقودٍ من ضعف المؤسّسات وقدرتها على المساءلة، بل مساهمتها بحدودٍ مختلفة في استشراء هذه الآفة وضياع مئات المليارات عبثاً، فيما يرزح ملايين العراقيين تحت خطّ الفقر، وتتراجع الخدمات في أكثر من ثلثي محافظات العراق، خاصّة في وسط وجنوب العراق.
وحقيقةُ الوضع العراقي تمنع (بتركيبة نظامه السياسي الحالي) إصلاحَ القطاع العام وتعزيزَ الحوكمة الرشيدة، وهو ما يحتاج إلى آلياتٍ شفّافة للتقارير المالية، واستقلالية القضاء، وتشريعاتٍ واضحة لمكافحة الفساد، بحسب منظمة الشفافية الدولية في مؤشّر مدركات الفساد للعام 2023.
إن نموذج الحكم المنشود لدى العراقيين جميعاً هو الذي يحقّق عدالةً وتنميةً حقيقية. ويتساءل العراقيون عن إمكان الانتقال إلى نموذجٍ اتحادي أو لامركزي أكثر مرونة، يعزّز مشاركة المحافظات في صنع القرار. ثم يتساءلون: هل يكمن الحل في توزيع السلطة؟ أم في تقوية مؤسّسات الدولة المركزية لتحقيق التكافؤ في الخدمات والفرص؟
سؤالٌ صعبٌ آخر قد يحدّد مستقبلَ العراق: ما دورُ الشباب في تشكيل المستقبل السياسي والاجتماعي؟ ولأن الشباب يمثّلون أغلبيةً ديمغرافية في العراق، فإن مشاركتهم في السياسة ليست مجرّد اختيار، بل مطلبٌ حيوي لإعادة صياغة الأجندات الوطنية من خلال الحراك المدني، بعيداً عن معايير التعامل المرتكزة على محدّداتٍ طائفية وقومية. ويمكن للشباب التأثيرُ في السياسات التعليمية والاقتصادية وحتى الرقمية، إلا أن التحدّي الأكبر يتمثّل في إنشاء قنوات مشاركةٍ فعالة، بدلاً من الشعور بالإحباط بسبب تجاهل الحكومات المتعاقبة، وإخراج هذه الطاقة الخلّاقة من دائرة الفعل إلى دائرة الاحتقان.
لم تسعَ الحكومات العراقية إلى تطوير القوى العاملة بما يمكن أن يؤدّي إلى نموٍّ مستدام وتقليل البطالة
تأثيرُ النزاعات الإقليمية والدولية على أمن العراق واستقراره سؤالٌ آخر يحدّد مستقبلَ النظام السياسي لهذا البلد. ولأن العراق يقع في مركزٍ جغرافي حسّاس بين قوى إقليمية لها مصالح استراتيجية مختلفة، بات قراره السياسي مرهوناً في كثيرٍ من الأحيان بتحالفاتٍ خارجية. وفي غياب القدرة على الموازنة بين هذه القوى وفرض سياسةٍ خارجية مستقلّة، تفقد الدولة أحد أهم محركات الاستقرار الداخلي، وتُشعر مواطنيها بأن بلدهم منقوص السيادة.
الاقتصادُ العراقي ومشكلةُ تنويع مصادره بعيداً عن النفط سؤالٌ آخر؛ بسبب اعتماد هذا الاقتصاد بشكلٍ شبه كامل على النفط، ما يجعله عرضةً لتقلّبات الأسواق العالمية. ومع الأسف، ورغم مرور أكثر من عقدَين من الزمن، لم تستطع الحكومات العديدة منذ عام 2005 تنويع الاقتصاد عبر الزراعة والصناعة والتكنولوجيا والسياحة. وبحسب البنك الدولي في تقريره الموسوم “العراق: نحو اقتصاد متنوع ومستدام”، لم تسعَ الحكومات العراقية إلى تطوير القوى العاملة بما يمكن أن يؤدّي إلى نموٍّ مستدام وتقليل البطالة.
سؤالٌ صعبٌ جداً، في ظل طبيعة القوى الحاكمة في العراق، يذهب إلى إمكان تغيّر أساسيات العملية السياسية هناك، ومعالجة اشتراطات الانقسامات الطائفية والإثنية لتعزيز الوحدة الوطنية. ولأن الهُويّة الوطنية في العراق واحدةٌ في أغلبها رغم تعدّدها وتركيباتها، يكمن التحدّي في بناء ثقافةٍ سياسية تتجاوز الانقسامات وتؤسّس لمواطنةٍ متساوية. ولأن نمط الحكم في العراق بُني على المحاصصة الطائفية التي عزّزت الفساد، وأضعفت مؤسّسات الدولة، ورسّخت شعور قطاعات واسعة من المجتمع بالاغتراب عن الطبقة الحاكمة، وأعاقت بناء هُويّةٍ وطنية جامعة، يصبح السؤال: هل سيتمكّن العراقيون من الضغط على الطبقة الحاكمة لوضع حدّ لهذا الشكل المريع من النظم السياسية في العالم؟
يتطلّب العراق اليوم شجاعةً سياسيةً، ومشاركةً مجتمعيةً، ورؤيةً اقتصاديةً وثقافيةً جديدة
مراكز الدراسات المهتمة بالشأن العراقي تجيب عن هذا التساؤل بأنه يمكن تغيير أساسيات العملية السياسية في العراق، لكن ليس بإلغاء التعدّدية، بل بتحويلها من محاصصة هُويّاتٍ طائفية إلى نظام مواطنةٍ ومؤسّسات يخضع فيه الجميع لقواعد واحدة، ومعالجة جذور الإقصاء والفساد التي غذّت الطائفية والإثنية خلال الفترة الماضية.
أسئلةٌ أخرى قد ترتبط بتغيّر طبيعة النظام السياسي وتركيبته في العراق، منها: الحوار المجتمعي، والتعليم المتعدّد الثقافات، وتحسين الخدمات الأساسية، وهو ما يتطلّب إصلاحاتٍ هيكلية واستثماراتٍ مستدامة. وقد يشكّل التعليمُ أهمَّ عناصر التعافي المطلوبة في العراق، وعمادَ إعداد جيلٍ قادر على المنافسة وقيادة البلاد إلى ركب الحضارة العالمية.
الأسئلة والإجابات ليست بديهية؛ لأن طرحَ مثل هذه الأسئلة يساعد على إعادة تشكيل الخطاب العام نحو رؤيةٍ مستقبلية واضحة. فالعراق يقف اليوم على مفترق طرقٍ ما يتطلّب شجاعةً سياسيةً، ومشاركةً مجتمعيةً، ورؤيةً اقتصاديةً وثقافيةً جديدة.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى