
تصريحاتُ المستشار الأميركي مسعد بولس في شأن إطفاء الحرب السودانية تسوق البلادَ نحو استعادة سيناريو قرار مجلس الأمن 1769 بتشكيل ما سمّيت”العملية المختلطة”. وهي ثمرةُ جهدٍ مشترك بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وعُرِّفت بـ”القوات الهجينة”. وهو ما اعتبره الصادق المهدي “اسمَ دلعٍ” للقوات الدولية. تلك خطوةٌ قصوى استهدفت إحلال السلام في إقليم دارفور. لكن السيناريو الأميركي يذهب أبعد من ذلك إلى جهة تطبيق “بعثة السلام متعدّدة الأبعاد”. وهي الآلية المتطوّرة، إبان عهد كوفي عنان، لـ”مفهوم حفظ السلام”. تلك الخطوة تفتح المجال أمام اللجوء إلى البند السابع؛ فحينما تُخفق الجهود الدبلوماسية لبلوغ تسوية سلمية، تبقى التدابير العسكرية العلاجَ الأخير. اختصّ القرار 1967 بسلام دارفور، أمّا الأزمة الراهنة فمحورها سلام السودان. إذا كان النزاع في إقليمٍ شكّل تهديداً للسلم الدولي، فما بالك بالحرب في أنحاء الوطن؟ قرع موفدُ ترامب الأجراس بسيناريو جاهز الإعداد يعتمد على آلية أممية، كما لوّح بتصنيف “إخوان السودان” منظمةً إرهابية. هذا دأبُ ترامب: تغليب العنف على الدبلوماسية.
***
ليست تصريحاتُ المستشار الأميركي وحدها ما يؤشّر إلى هذه التوجهات؛ فحالُ العمليات القتالية في الجبهات يعكس خفوت مصادر النار. كذلك يساهم اتساع رقعة استنزاف أطراف القتال في فتح أفقٍ. وانحسارُ مهمّات المسيّرات الجوية يُعري رغبةً في الحفاظ على ما تبقّى من قوى ومن مواقع. صفقةُ هجليج (ديسمبر/ كانون الأول 2025) عكست بوضوح ذلك الاستنزاف وتلك الرغبة. لكن الأهم من ذلك تأثيرُ تحركاتٍ ولقاءاتٍ داخل غرفٍ مغلقة، بدفعٍ أميركي، تُعزِّز تشكّل تلك التوجّهات الطارئة. الإدارة الأميركية استوعبت عدم المغامرة بركوب ظهر القوى العسكرية. هذا الدرس جعل ترامب يُحجم عن منح الآلية العسكرية الضخمة الأولوية في شأن الأزمة مع إيران. كذلك بدا ترامب أكثر قناعةً بعدم نجاعة إجراء عمليةٍ جراحية على نهج التجربة الفنزويلية تستهدف رأسَ النظام فقط. وفيما يتصل بالحال السوداني، تكفي الرئيس الأميركي صفقةٌ بلا كلفةٍ عسكرية حتى يتباهى بميدالية السلام التاسعة.
***
تهدف الجهودُ الرباعية إلى تحقيق هذه الصفقة، حتى إذا اقتضى الأمر اللجوء إلى آلية كوفي عنان (بعثة حفظ السلام متعدّدة الأبعاد). هذا تدبيرٌ يتجاوز الفصل السادس إلى الفصل السابع. شهدت ليبيريا النسخة الأولى لهذه التجربة بموجب قرار مجلس الأمن 1509 الصادر في سبتمبر/ أيلول 2003، البعثةُ الأكبر عدداً في تاريخ الأمم المتحدة، إذ بلغ قوامها 15 ألف رجل. وفي ظلّ انتشارها توقّفت العمليات القتالية وأُنشئت حكومةٌ انتقالية أنجزت انتخاباتٍ بعد سنتين، كما شهدت ساحل العاج النسخة الثانية من “متعدّدة الأبعاد” في العام التالي (2004). بالإضافة إلى المهام التقليدية ذات البعدَين العسكري والأمني (من مراقبة وقف النار ونزع الأسلحة) تضطلع “متعدّدة الأبعاد” بمهام إنسانية، كما تساهم في تطوير البنى التحتية، ومعاونة الحكومات الانتقالية وتنظيم الانتخابات. إحلالُ السلام في السودان يتطلب تبنّي مثل هذه التدابير.
في غياب العقل السياسي والإرادة الوطنية القادرتَين على فتح مخرج ما، يبقى الرهان على آليةٍ أممية
***
لم يذكر ميثاقُ الأمم المتحدة في الأصل شيئاً عن قواتٍ لحفظ السلام، لكنه حمّل المجتمع الدولي مسؤولية حماية حقوق الإنسان وحماية الشعوب أوقات السلم والحرب. أنشأ الميثاق لجاناً وهيئات لتفعيل تلك الأدوار. النزاعاتُ المسلّحة أثرت التجربةَ السياسية العالمية باستحداث هذه الآلية العسكرية، لكن الحرب الباردة عرقلت خيار تطبيقها؛ فالاستقطاب داخل مجلس الأمن لم يُيسِّر تشكيل قوات لحفظ السلام في مناطق ملتهبة. إرسالُ قوات الطوارئ الدولية إلى سيناء عقب العدوان الثلاثي جاء بقرارٍ من الجمعية العامة وليس مجلس الأمن. طوال 44 سنة منذ تأسيس المنظمة الدولية في 1945 وحتى عام 1989 جرى نشر 15 بعثة فقط، بينما نُشرت 41 بعثة خلال الـ13 سنة التالية. تعددُ بؤر النزاعات المسلحة، بالإضافة إلى تحرّر مجلس الأمن قليلاً من الاستقطاب الأميركي- السوفييتي، ساعد في ذلك. كما طرأ اهتمامٌ على الصعيد العالمي بإضافة مفاهيم جديدة في أدبيات السلم والأمن الدوليين مثل الدبلوماسية الوقائية وتطوير مفهوم بعثات حفظ السلام. كذلك نشطت موجاتُ سخاءٍ في التمويل. جميع هذه العناصر ساهمت في تخفيف معاناة ضحايا النزاعات المسلّحة وجهود استرداد السلام.
***
ظلّت مهامُ القوات الدولية محصورةً في مراقبة تثبيت وقف النار، وإعادة تمركز الفرقاء المسلّحين، وتأمين وصول المساعدات والإغاثة. عمد كوفي عنان إلى تطوير مهام بعثات حفظ السلام وتوسيعها بعدما تقلّد منصب الأمين العام للأمم المتحدة في عام 1997. عنان كلّف لجنةً برئاسة الوزير والوسيط الجزائري المعروف الأخضر الإبراهيمي ببلورة اقتراحاتٍ من شأنها تحديث مفهوم حفظ السلام. توصياتُ لجنة الإبراهيمي أرست قاعدة قوات حفظ السلام متعدّدة الأبعاد. وتتطلب فعاليةُ الآلية (بعد مجلس الأمن) موافقةَ الأطراف المعنية، بالإضافة إلى إرادةٍ سياسية بغية إنجاحها. وربّما يلجأ مجلس الأمن إلى تمريرها تحت الفصل السابع. الأزمةُ السودانية الراهنة تمثل تحدّياً أمام ترامب؛ وربّما مجلس الأمن بغية إرسال هذه البعثة الدولية، لكنّها ربما تمثل في الوقت نفسه المخرج الآمن لنفض دخان وغبار الحرب الكارثية الحالية وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الضحايا والبنى التحتية. وفي غياب العقل السياسي والإرادة الوطنية القادرتَين على فتح ذلك المخرج، يبقى الرهان على آليةٍ أممية، حسب توصيف الموفد الأميركي.
المصدر: العربي الجديد






