
لم يكن الجدل الذي أثاره التصريح الصحفي الأخير الصادر عن الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب في سوريا حدثًا عابرًا، ولا خلافًا ظرفيًا حول بيان أو صياغة لغوية، بل كشف عن سؤال أعمق ظلّ مؤجّلًا لسنوات: من يملك حقّ الكلام باسم فلسطينيي سوريا؟ وبأي صفة أو تفويض؟
ففي هذا التصريح، أعلنت الهيئة دعمها للعملية العسكرية التي أطلقها الجيش العربي السوري في مدينة حلب، وأكّدت اصطفافها مع خيار الدولة السورية في بسط سيادتها على كامل الجغرافيا الوطنية، ورفضها لما وصفته بالمشاريع الانفصالية أو التقسيمية. وهو موقف سياسي–عسكري واضح، صدر بصيغة توحي بالكلام باسم جماعة اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، وليس بوصفه رأيًا شخصيًا إداريًا أو توصيفًا خدميًا محايدًا، وإن تم تذييله باسم رئيس مجلس إدارة الهيئة.
غير أنّ الإشكال هنا لا ينطلق من تقييم مضمون التصريح أو مناقشة وجاهته السياسية، بقدر ما يتمحور حول صفة الجهة التي صدر عنها، وحدود الدور الوظيفي الممنوح لها. ففي سياق شديد الحساسية، يصبح السؤال عن «من يتكلم» أهمّ أحيانًا من «ماذا قيل».
الإشكال هنا لا يتعلق بالنيات، بل بالوظيفة. فصحة المضمون، إن وُجدت، لا تبرر تجاوز الصلاحيات، لأن ثمن هذا التجاوز لا تدفعه المؤسسة وحدها، بل قد يدفعه اللاجئون أنفسهم.
الهيئة: وظيفة خدمية وحدود لا يجوز تجاوزها
الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب في سورية هي مؤسسة رسمية تتبع إداريًا لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وتتمثل مهمتها الأساسية في إدارة الشؤون الخدمية والتنموية للاجئين الفلسطينيين، من تعليم وصحة وسكن وتنظيم إداري.
هذا التوصيف ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل هو أساس شرعية الهيئة وحدود دورها. فالمؤسسات الخدمية تُبنى ثقة جمهورها على حيادها النسبي، وعلى بقائها خارج الاستقطاب السياسي، لأنها تخدم مجتمعًا متنوعًا في مواقفه وتوجهاته. وعليه، فإن صدور موقف يتناول قضية سيادية أو عسكرية داخلية، حتى لو كان بدافع الحرص أو القلق، يضع الهيئة خارج إطار اختصاصها الوظيفي، ويحوّلها من جهة خدمية إلى فاعل سياسي دون تفويض.
الإشكال هنا لا يتعلق بالنيات، بل بالوظيفة. فصحة المضمون، إن وُجدت، لا تبرر تجاوز الصلاحيات، لأن ثمن هذا التجاوز لا تدفعه المؤسسة وحدها، بل قد يدفعه اللاجئون أنفسهم.
من التفويض الغائب إلى أزمة التمثيل
أحد أبرز مظاهر الجدل تمثّل في الاعتراض الواسع على فكرة الكلام باسم «اللاجئين الفلسطينيين» ككتلة واحدة. فاللاجئون في سورية ليسوا تيارًا سياسيًا موحدًا، ولا يحملون موقفًا جامعًا من القضايا الداخلية السورية، كما أنهم لم يمنحوا أي جهة تفويضًا علنيًا أو ضمنيًا للتحدث باسمهم في الشأن السياسي.
هذا الاعتراض يكشف أزمة أعمق من التصريح ذاته: أزمة تمثيل مزمنة. فمنذ سنوات، يعيش فلسطينيو سوريا فراغًا واضحًا على مستوى الأطر التمثيلية الفاعلة، في ظل تراجع الثقة بالأطر التقليدية، وغياب أي صيغة مدنية جامعة تعبّر عن مصالحهم اليومية، لا عن اصطفافات سياسية مفروضة.
في ظل هذا الفراغ، يصبح أي ادعاء بالتمثيل محفوفًا بالشك، وأي خطاب باسم «الجميع» سببًا إضافيًا للتوتر والانقسام.
ذاكرة ثقيلة وحدود الحياد
لا يمكن فهم حدّة بعض ردود الفعل بمعزل عن الذاكرة الجماعية للاجئين الفلسطينيين في سورية. فالتجربة التاريخية، خصوصًا خلال سنوات الحرب، جعلت الفلسطينيين شديدي الحساسية تجاه أي خطاب رسمي قد يُفهم كاصطفاف سياسي أو أمني.
اللاجئ، بحكم موقعه القانوني والاجتماعي الهش، يدرك أن أي انحياز يُنسب إليه جماعيًا قد يتحول إلى عبء أمني أو اجتماعي يدفع ثمنه في تفاصيل حياته اليومية. لذلك، فإن التمسك بالحياد ليس موقفًا سياسيًا بقدر ما هو استراتيجية بقاء.
من هذا المنظور، يُقرأ أي تصريح رسمي بلغة سياسية بوصفه تهديدًا لهذا الحياد، حتى لو لم يكن القصد كذلك.
ما كشفه هذا التصريح ليس خطأً إجرائيًا عابرًا، بل أزمة متراكمة في الدور والتمثيل. أزمة تظهر كلما حاولت جهة ما الكلام باسم فلسطينيي سورية من دون تفويض واضح، أو تجاوزت حدود وظيفتها تحت ضغط اللحظة السياسية.
بين النقد والاتهام: معركة الخطاب
في خضم السجال، برز خطر موازٍ تمثّل في انزلاق النقاش نحو الاتهام المتبادل. فانتقاد التصريح ورفض صدوره عن جهة خدمية لا يعني بالضرورة الطعن في دور الهيئة أو التقليل من أهميتها، كما أن تفهّم دوافع التصريح لا يبرر تحويل المنتقدين إلى خصوم أو التشكيك في نياتهم.
هذا الانقسام الحاد في الخطاب يضعف أي نقاش جدي حول تصحيح الأدوار، ويعيد إنتاج مناخ الإقصاء الذي عانى منه الفلسطينيون طويلًا. فالمساءلة لا تُبنى على الاتهام، بل على نقاش عقلاني حول الصلاحيات والمسؤوليات.
أزمة الدور لا تُحلّ بتوسيعه
قد يبدو للبعض أن حل أزمة التمثيل يكمن في توسيع دور الهيئة لملء الفراغ القائم، لكن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة. فتسييس مؤسسة خدمية يعرّضها لفقدان ثقة جمهورها، ويحوّلها إلى طرف في صراع لا تملك أدواته ولا حصانته.
الحل الأكثر واقعية يكمن في فصل المسارات: هيئة خدمية واضحة الصلاحيات، تركز على حماية حقوق اللاجئين وتحسين ظروفهم المعيشية، إلى جانب نقاش جاد ومسؤول حول بناء أطر تمثيلية مدنية، شفافة، ومفوّضة مجتمعيًا، قادرة على التعبير عن مصالح الفلسطينيين من دون توريطهم في اصطفافات سياسية.
خاتمة: السؤال الذي لا يمكن الهروب منه
ما كشفه هذا التصريح ليس خطأً إجرائيًا عابرًا، بل أزمة متراكمة في الدور والتمثيل. أزمة تظهر كلما حاولت جهة ما الكلام باسم فلسطينيي سورية من دون تفويض واضح، أو تجاوزت حدود وظيفتها تحت ضغط اللحظة السياسية.
السؤال الذي طُرح اليوم سيبقى مطروحًا ما لم تُعالج جذوره:
من يحقّ له الكلام باسم فلسطينيي سوريا؟
وكيف يمكن بناء تمثيل يحمي اللاجئ بدل استخدامه، ويصون حقيقة مواقفه بدل تعريضه لمخاطر لا طاقة له بها؟
الإجابة عن هذا السؤال لم تعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة لحماية مجتمع يعيش أصلًا على هامش الأمان والاستقرار.
المصدر: تلفزيون سوريا






