ما بعد قسد.. المسألة الكردية وإعادة بناء الدولة السورية

د. عبد المنعم حلبي

في ضوء التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة، ولا سيما تحرير محافظتي الرقة ودير الزور وأجزاء واسعة من الحسكة من سيطرة تنظيم قسد، تدخل المسألة الكردية في سوريا مرحلة جديدة تتجاوز منطق الصراع العسكري أو التفاهمات الظرفية، لتطرح سؤالاً جوهرياً حول شكل الدولة ونموذج الحكم القادر على منح الضمانات الجماعية لكافة المكونات الوطنية، فهذه التحولات، التي جاءت لتكون الأهم بعد سقوط نظام الأسد، لا تفتح فقط باب استعادة السيطرة، بل تفرض تحدياً أعمق يرتبط بإعادة بناء الدولة على أسس جديدة مختلفة تمنع إعادة إنتاج الأزمات.
لقد عادت المسألة الكردية إلى صدارة النقاش الوطني بوصفها إحدى أكثر القضايا تعقيداً وحساسية، ليس لارتباطها بالهوية والحقوق فحسب، بل لأنها تكشف في جوهرها أزمة الدولة السورية ونموذج الحكم الذي ساد لعقود. فقد عانى الأكراد السوريون، بوصفهم مكوّناً أصيلاً من المجتمع، من سياسات إقصاء وتهميش شملت حرماناً من الحقوق الثقافية والمدنية، وتجاهلاً للخصوصيات الاجتماعية واللغوية، ما أسهم في تراكم شعور بالغبن استثمرته لاحقاً قوى سياسية وعسكرية، في مقدمتها حزب العمال الكردستاني وأذرعه وعلى رأسها تنظيم قسد. ومن هنا، فإن المواجهة مع قسد هي لحظة اختبار حقيقية للدولة السورية الجديدة: هل تكتفي باستعادة السيطرة بالقوة، أم تستثمر هذا المنعطف المهم لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها؟ وذلك بناءً على أن التجارب المقارنة تؤكد أن الحلول العسكرية والأمنية، مهما بدت حاسمة، لا تنتج استقراراً دائماً ما لم تُستكمل بإصلاح سياسي ومؤسسي عميق يعالج جذور الأزمات، لا أعراضها فقط.
في هذا السياق، يحمل المرسوم الرئاسي الصادر عن الرئيس أحمد الشرع والمتعلق بالحقوق الثقافية واللغوية للكرد دلالات سياسية مهمة، تتجاوز مضمونه المباشر. فهو يبعث برسالة واضحة تفصل بين الكرد السوريين كمكوّن وطني أصيل، وبين تنظيم قسد الذي سقط مشروعه العسكري، وكذلك السياسي عملياً. ويمكن النظر إلى هذا المرسوم بوصفه محاولة لإعادة إدماج المسألة الكردية في إطار وطني جامع بعد سنوات من تسييسها وتسليحها، وبما يتجاوز حدود الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية. فالتحدي الحقيقي أمام السلطة الانتقالية لا يقتصر على تفكيك البنية العسكرية لقسد، بل يمتد إلى تفكيك البيئة السياسية التي سمحت بنشوء مثل هذه التنظيمات. وهذه البيئة تشكّلت أساساً بفعل مركزية مفرطة، وفساد مزمن، وغياب آليات المشاركة والمساءلة، وهي أمراض لا يختص بها شمال شرقي سوريا وحده، بل عانت منها البلاد بأكملها.
يمكن التفكير عملياً في إعادة هيكلة التقسيمات الإدارية السورية على أسس وظيفية وتنموية.
لقد أثبتت التجربة السورية أن جوهر الأزمات لا يكمن في الهويات بقدر ما يكمن في نمط إدارة الدولة. فالمركزية الشديدة التي حكمت سوريا لعقود، وما رافقها من اختلالات تنموية صارخة بين المحافظات، خلقت بيئة حاضنة للاحتجاج، ثم للتسلح، ثم قيام سلطات أمر واقع. وبالتالي، فإن المرحلة القادمة تفرض الانتقال من منطق “استعادة السيطرة” إلى منطق “إعادة البناء المؤسسي”، أي بناء نظام حوكمة جديد يشمل كامل الأراضي السورية دون استثناء أو تمييز.
ويعني اعتماد لامركزية حقيقية نقل صلاحيات فعلية إلى الوحدات الإدارية المحلية في مجالات التخطيط، والخدمات، والتنمية الاقتصادية، وإدارة الموارد، مع تمكينها من أدوات مالية واضحة وشفافة، ضمن إطار وحدة الدولة وسيادتها. كما يتطلب إخضاع هذه الوحدات لنظام مساءلة ديمقراطي يمنع إعادة إنتاج الاستبداد على المستوى المحلي أو تحوّل اللامركزية إلى إقطاعيات سياسية أو عسكرية.
إن تبنّي اللامركزية الإدارية والمالية الموسَّعة لم يعد خياراً نظرياً أو مطلباً فئوياً، بل ضرورة وطنية لإدارة بلد متنوع جغرافياً وديمغرافياً واقتصادياً. غير أن نجاح هذا الخيار يتوقف على ترجمته إلى ترتيبات إدارية واقعية، فاللامركزية لا تُقاس بعدد المجالس المحلية أو الشعارات المرفوعة، بل بقدرتها على تحسين حياة المواطنين، وتقليص الفجوات، ومنع تركز السلطة والثروة في يد مركز واحد أو نخبة ضيقة. ومن حيث البنية الإدارية، لا ينبغي التعامل مع التقسيمات الحالية للمحافظات بوصفها خطوطًا مقدسة غير قابلة للنقاش. إذ يمكن البناء عليها مؤقتًا، أو إعادة النظر فيها عبر تقسيمات إدارية جديدة تراعي الكثافة السكانية، والواقع الجغرافي، وضرورات التنمية المتوازنة، ومعايير العدالة في توزيع الموارد والخدمات، بحيث تصبح الإدارة المحلية أداة لردم الفجوات التنموية التاريخية بين المركز والأطراف، لا مجرد إعادة توزيع شكلي للسلطات.
في هذا الإطار، يمكن التفكير عملياً في إعادة هيكلة التقسيمات الإدارية السورية على أسس وظيفية وتنموية. فمحافظة الرقة، وبعد سنوات من التهميش ثم الحكم العسكري، تحتاج إلى نموذج إدارة محلية قوي يراعي طبيعتها الزراعية–النهرية، وكثافتها السكانية المتوسطة، وحاجتها الماسّة لإعادة الإعمار والخدمات الأساسية. وقد يكون من المجدي تقسيمها إدارياً إلى وحدتين أو ثلاث وحدات محلية كبيرة نسبياً، تتمتع بصلاحيات واسعة في إدارة الموارد الزراعية، والري، والخدمات، بما يضمن تنمية متوازنة بين المدينة والريف، ويمنع إعادة تركز القرار في مركز واحد ضعيف.
أما دير الزور، بما تمتلكه من موارد نفطية وزراعية وموقع جغرافي استراتيجي، فهي مثال نموذجي على ضرورة ربط التقسيم الإداري بالعدالة في توزيع الموارد. فالإبقاء على نموذج محافظة شاسعة تُدار من مركز واحد أثبت فشله تاريخياً. ويمكن هنا التفكير في تقسيم إداري يأخذ بعين الاعتبار الضفتين الشرقية والغربية للفرات، مع وحدات إدارية تتمتع باستقلال مالي نسبي، تُمكّنها من استثمار جزء من مواردها محلياً في البنية التحتية والتعليم والصحة، بدل تحويلها بالكامل إلى المركز دون عائد تنموي ملموس.
المسألة الكردية، بكل ما تحمله من تعقيد تاريخي وسياسي، لا تشكل تحدياً منفصلًا عن غيرها من القضايا السورية المرتبطة بنظام الحكم والحوكمة الجديد، بل تشكل اختباراً إضافياً لقدرة الدولة السورية الجديدة على إعادة تعريف علاقتها بمواطنيها والمجتمع.
وفي الحسكة، حيث يتداخل البعد القومي مع الخصوصية الزراعية والحدودية، تبدو الحاجة أكبر إلى نموذج إدارة محلية مرن يراعي التنوع السكاني والاقتصادي. فإعادة تنظيم المحافظة إدارياً، سواء عبر الحفاظ على وحدتها مع تعزيز صلاحيات البلديات والنواحي، أو عبر تقسيمها إلى أقاليم إدارية أصغر متجانسة نسبياً، يمكن أن يخفف من التوترات، ويمنع احتكار القرار من أي طرف، ويضمن وصول الخدمات والموارد إلى مختلف المناطق بعدالة.
إن تبنّي هذا المنهج على مستوى البلاد ككل، سواء عبر تطوير التقسيمات الحالية للمحافظات أو استحداث تقسيمات جديدة تراعي الكثافة السكانية والواقع الاقتصادي، من شأنه أن يخلق إطاراً وطنياً متماسكاً للامركزية، ويمنع التعامل مع المناطق المحررة حديثاً بوصفها “حالات خاصة”. والمسألة الكردية، بكل ما تحمله من تعقيد تاريخي وسياسي، لا تشكل تحدياً منفصلًا عن غيرها من القضايا السورية المرتبطة بنظام الحكم والحوكمة الجديد، بل تشكل اختباراً إضافياً لقدرة الدولة السورية الجديدة على إعادة تعريف علاقتها بمواطنيها والمجتمع، وبين المركز والأطراف، على أسس مختلفة جذرياً عما كان قائماً، تنقلنا جميعاً من دولة السيطرة إلى دولة الإدارة، ومن منطق الغلبة إلى منطق الشراكة، وتحويل التنوع من مصدر صراع إلى ركيزة لبناء دولة موحّدة، مستقرة بعدالتها، وقادرة على منع عودة أي مشروع مسلح أو انفصالي تحت أي مسمى. كل ذلك بخطط وأدوات السلام: إصلاح حقيقي في نظام الحوكمة، تقسيمات إدارية عادلة، وتنمية متوازنة، سلام يعطي فرصة حقيقية لإعادة بناء دولة تتسع لجميع أبنائها، وتستمد وحدتها من عدالة نظامها، لا من قسر سلطتها.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى