
صدر للباحثَين معين الطاهر ومنى عوض الله كتاب “مسارات صعبة… الحركة الوطنية الفلسطينية في سيرة صلاح خلف (أبو إياد) 1933-1971” (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2025). لا يوثّق الكتاب فقط تجربة أبو إياد، أحد أبرز ثلاثة قادة لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) في النصف الثاني من السبعينيّات وحتى نهاية الثمانينيّات، إلى جانب ياسر عرفات وخليل الوزير، بل يسرد تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية ونظريتها، استناداً إلى عدد هائل من تسجيلات وأوراق تركها الشهيد لعائلته، ومنها تسجيلاتٌ بصوته مخصّصة لأسرته، أو ضمن مراسلات وتقارير ومشاريع توثيق أخرى. ويتضمّن الكتاب معلومات تاريخية كثيرة جديدة توضّح محطّات كان يكتنفها الغموض. ولكن المقال هنا يحاول استقراء كيف فهمت “فتح”، وتحديداً صلاح خلف، معنى الثورة وحركة التحرّر (نظرية الثورة) ضمن أربعة عناوين أساسية تتعلّق بالإنسان والفرد، وبالتنظيم السياسي، وبالعلاقة بين النظرية والممارسة. وأخيراً، بالعلاقات الوطنية والدولية لحركة التحرّر الفلسطينية.
كان صلاح خلف مسؤول أجهزة الأمن في الثورة الفلسطينية، ومن أشهر خطبائها والمتحدّثين باسمها. ينتسب إلى أسرة لجأت إلى قطاع غزّة من يافا، ودرس اللغة العربية في جامعة الأزهر، وكان من قادة رابطة طلبة فلسطين في مصر، قبل توجّهه للتدريس في الكويت، حيث برز قائداً في “فتح”، ومن هناك تفرّغ للعمل النضالي، حتى استشهاده باغتياله مع عضو اللجنة المركزية الآخر في “فتح” هايل عبد الحميد (أبو الهول)، والقيادي المقرّب منه فخري العمري، في تونس مطلع عام 1991.
ويوضح الكتاب موضوعات مبكّرة في أدبيات الثورة الفلسطينية تحتاج إلى توضيح، مثل ظروف البناء، والانشقاقات المبكّرة كما في حالة الانقسام، بل وحتى صراع البدايات مع حزب البعث السوري وحلفائه أو أذرعه الفلسطينية، وارتباط ذلك بخروج مؤسّسين في الحركة، مثل عادل عبد الكريم وعبد الله الدنّان، وكذلك ما يسمّى الجناح الخاص في “فتح” بقيادة محمود مسودة (أبو عبيدة)، فضلاً عن الصدام في الأردن عام 1970؛ فإنه يمكن استقراء أربعة معالم أساسية للعقل الفتحاوي المبكّر.
يتعلّق الأول بصناعة الإنسان وصيانته في المرحلة الأولى من النضال. فالمبدأ الثوري الأول لإطلاق حركة تحرّر وطني هو “خلق الإنسان الثوري”، أي إعداد الفرد. فبدايةً كان الهدف الأول للثورة “تحريك القضية الفلسطينية من الجمود الذي أحاط بها، والانتقال بها من قضية لاجئين فلسطينيين يريدون المأكل والمشرب إلى قضية تحرير وطنية، تطالب بحقّ تقرير المصير (…) بالنضال بمختلف أشكاله وصوره، وخصوصاً الكفاح الشعبي المسلّح”. ويقول صلاح خلف إن المرحلة الأولى من النضال “تربية الذات المناضلة على نبذ الفردية والأثرة، والالتحام بالجماعة، والتعوّد على أشقّ أعمال النضال والتضحيات في ظروف صعبة وشاقّة”.
حتى قبل سقوط شهيد واحد كان هناك تفكير متأنٍّ في كيفية التعامل مع الأسرى والشهداء وعائلاتهم
إلى ذلك، شغلت صيانة حياة الإنسان وعائلته بال المؤسّسين للحركة قبل انطلاقها؛ فحتى قبل سقوط شهيد واحد كان هناك تفكير متأنٍّ في كيفية التعامل مع الأسرى والشهداء وعائلاتهم. فطُلب تارةً من قيادات الصف الأول في الحركة التبرّع بنصف دخلهم أو أكثر للثورة، خوفاً من “فشل الحركة، واستشهاد عدد كبير من الرفاق، فكان لا بد أن نؤمّن لعائلاتهم وأولادهم مبلغاً معيّناً…”. ويتحدّث صلاح خلف عن أفكار لدى المؤسّسين بوضع مبلغ خمسين ألفاً لأسر الأسرى والشهداء قبل الانطلاق، أو أن يكون ثلث الموازنة التي تُجمع من الأعضاء لهذا الغرض.
ولا يُخفي أبو إياد أنه مع الوقت انضم إلى الثورة منتفعون، أو من يصفهم “الفراشات التي كانت مستفيدةً من العمل الفدائي، الفراشات التي كانت تقعد في المكاتب (…). هذه الفراشات عندما رأت القصف، وعندما رأت الشدّة، انفضّت عنا، ومرحباً بانفضاضها”. ويقول: “مناضل فتح سياسيٌّ أولاً ومقاتلٌ ثانياً”، لكنّه يوضّح أنه مع التوسّع الكبير للحركة لم يحدث هذا في الواقع، وافتقر كثير من المقاتلين والأعضاء إلى “عضوية التنظيم السياسي”.
يتعلق المَعلم الثاني بالبناء التنظيمي، من حيث خطورة تحوّل الحركة إلى نظام؛ فإذا كان اختيار “فتح” التنظيم “الحركي” المتسم بالمرونة والبعيد عن الحزبية المركزية، يبدو خلف أميَل إلى التنظيم السرّي الذي يسمّى التنظيم “الخَيْطي”، الذي كان سائداً في الحركة قبل عام 1967، إذ يتّصل كل شخص بشخص آخر سرّاً، ولا يوجد تنظيم “هرمي” علني كالذي ساد لاحقاً. ويشير أبو إياد إلى ضرورة أن يتفوّق التنظيم على القيادة، وحذّر من أن تكون “اللجنة المركزية (الخلية القيادية) أقوى من التنظيم، وأقوى من الحركة بكل أجهزتها”. لقد قامت الحركة على المبادرات القاعدية، وليس على القرار المركزي.
ويحذّر خلف كثيراً من الخلط بين مرحلة التحرّر الوطني وبناء السلطة، فيقول: “الثورة إذا تحوّلت إلى نظام أصبحت غير ثورة، وإنما أصبحت نوعاً من الأنظمة الموجودة، لا تستطيع أن ترفع صوتها، ولا تملك إرادة التحدّي والرفض”. وقد طرح صلاح خلف ذلك في معرض رفض التدخّل في شؤون الدول العربية، أو محاولة بعضهم المواجهة مع النظام في الأردن، لكنّه مبدأ عام كان يؤمن به.
لم ينتظر صلاح خلف تطوّر نظرية، بل آمن بنوع من النهج التجريبي
لعل من أبرز ما يناقشه هذا الكتاب النظرية والممارسة (المَعلم الثالث للحركة)، فإزاء مقولة عدم وجود نظرية عند حركة “فتح”، يلاحظ المتأمّل في طروحات صلاح خلف أن “غياب النظرية كان نظريةً بحدّ ذاتها”، ولا يعني تبنّي الارتجالية أو العشوائية. يقول: “كنا نقرأ الكتب، وكنا نقرأ التاريخ، وكنا نطّلع على تجارب الثورات والشعوب، من الصين إلى فيتنام إلى الجزائر، ثم إلى فلسطين”. يوثّق الكتاب فعلاً كيف كانت تجارب الشعوب أساسيةً في بناء العقل السياسي للحركة، لكن من دون تبنّي تجربة بعينها تتحوّل إلى أيديولوجيا. ولم يتوقّف اطّلاع “فتح” على التجارب؛ فقادةٌ في الحركة عاشوا فترات في الجزائر، وزار قادةٌ (منهم صلاح خلف) الصين وفيتنام بعد انطلاق الحركة ضمن هدفٍ أساس (عدا نسج العلاقات الدولية) هو التعرّف والتعلّم من تجارب هذه الدول ونظرياتها.
وما يتميّز به خلف نسبياً من باقي القيادات، وهو ما كان يوضّحه في لقاءات ومناسبات مختلفة، إيمانه بعدم انتظار تطوّر نظرية، بل إيمانه بنوع من النهج التجريبي؛ بمعنى أن تولّد التجربة العملية دروسها. فيقول من جهة: “أيّ عمل نضالي لا يمكن أن يتوّج بالنصر ما لم يستند إلى خطّة عملية تتمثّل الواقع وتعكسه”، لكنه يقول كذلك: “من خلال مسيرة الثورة العملية، ومن خلال ما يُدرّس من تجارب الآخرين، يمكن للثورة أن تكون نظريتها المتكاملة”. ويقول إن المقاتل يتعلّم الحرب من الحرب نفسها.
ويعترف خلف نفسه بوجود إشكالية داخل حركة فتح في هذا الموضوع؛ فبينما يقول إن “الحركة الثورية تحتاج إلى بناء تنظيمي متين مستند إلى نظام داخلي محترم، وخطّ سياسي واضح يديم البناء التنظيمي”، قال في مطلع السبعينيّات إن “فتح” كانت تعاني أزمةً داخليةً انعكست على مجمل حركة المقاومة، وتمثّلت أزمتها بعدم وضوح الخطّ السياسي، وهذا أدّى إلى عدم وجود خطّ سياسي يؤطّر مختلف المنظّمات.
تعتبر حركة فتح أن التباينات الفكرية أمر شخصي لا معنى له قبل تحرير الأرض
ويأتي المَعلم الرابع ويتّصل بالقرار الوطني المستقلّ والعلاقة مع العروبة والثورة الأممية. فمن أكثر القضايا التي استغرقت نقاشاً في التاريخ الفلسطيني علاقة الحركة الوطنية بالعروبة وبالإسلام وبالفكر الاشتراكي، وبالعلاقة بين التحرّر الاجتماعي والاقتصادي من جهة، وتحرير الأرض وإنهاء الاحتلال من جهة أخرى. وفي الإجابة عن هذا السؤال، شكّلت تجارب شعوب أخرى، وتحديداً التجربتين الصينية والفيتنامية، مدرسةً استفادت منها “فتح”. يقول خلف إن دراسة تجارب الشعوب، خصوصاً فيتنام والصين والجزائر، “تُعلّمنا وتعطينا درساً واحداً: أن الشعوب في مرحلة الاحتلال لا بدّ أن تتآخى وتتوحّد، وأن تنسى خلافاتها وتناقضاتها الثانوية من أجل التناقض الرئيس”. وفكرة تقسيم التناقضات على هذا النحو (رئيس وثانوي) تتصل غالباً بفكر ماو تسي تونغ في الصين، الذي عبّر عنه تيار أساسي في حركة فتح، لكن خلف يوضح أيضاً الأصل الفيتنامي للفكرة، بقصة يوردها: “ذهبنا وعشنا التجربة الفيتنامية، وجدناهم يجمعون الشيوعي الملحد مع رجل الدين، كيف جمعوه؟ لأنهم غير متشنّجين، لأن مدير مكتبهم هناك عندما قلنا له: أنت شيوعي؟ انتفض وقال: أنا لست شيوعياً، أنا من جبهة تحرير فيتنام. ورفض أن يعلن ولاءه الشخصي”.
إذاً، على الصعيد الداخلي الفلسطيني، تعتبر الحركة أن التباينات الفكرية أمر شخصي لا معنى له قبل تحرير الأرض، إذ قد تتباين البرامج حينها. لكنّ الحركة بإصرارها على العامل الذاتي الفلسطيني في التحرير اتُّهِمت بأنها تتجه إلى القُطرية المضادّة للعروبة والإسلام، وترفض الثورات الطبقية. ويسخر خلف من هذا الطرح، ويؤكّد أن أيّ حركة تحرّر وطني لا بدّ أن تكون جزءاً من حركة التحرّر العربي والعالمي ضدّ الإمبريالية، وأن الفلسفة الوطنية تتسق مع السياقين، العروبي والإسلامي، وأنه لا بدّ من اتصال جماهيري جيّد بالجماهير العربية. لكنّه، في الوقت نفسه، رفض التدخّل في شؤون الدول العربية، لأن ذلك سيؤدّي إلى هدر الجهد والدخول في معارك جانبية، مؤكّداً أن “الشعارات التقدّمية العربية لا تتحقّق إلا بتحقيق التحرير”.
المصدر: العربي الجديد






