الحرب في بدايتها

غازي العريضي

نجح بنيامين نتنياهو في إشعال الحرب في المنطقة بالشراكة التامة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهي حرب مستمرّة منذ أسبوع، وكأنها حرب دمار شامل بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وفي الوسط الجغرافي تقع دول الخليج التي تتعرّض لاستهدافات إيرانية لم تتوقّف تحت ذريعة مواجهة القواعد الأميركية، وأُقحم لبنان فيها بقرار إيراني أيضاً. والثابت أن الحرب ستكون طويلة، وتداعياتها ستكون خطيرة على دول المنطقة التي سيتغيّر وجهها، وعلى العالم أيضاً، في ظلّ إقفال مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط وكلفة التأمين على السفن والناقلات والشحن بين الدول، وبالتالي ارتفاع الأسعار. إنها حالة من الفوضى الكبيرة قبل أن ترسو الأمور على واقع جديد.

تحاول إيران عبر رئيسها مسعود بزشكيان الإيحاء أنها لا تريد الحرب مع الجوار، ويقدّم بزشكيان الاعتذار، فيردّ الحرس الثوري بقصف مركّز واسع

لا يقبل الرئيس ترامب إلا “الاستسلام الإيراني غير المشروط”، ما يعني أنه ينطلق من نقطة اللاعودة. إيران تردّ: “هذا حلم لن يتحقّق”. يصرّ على دور شخصي له في تعيين خلف خامنئي والقيادة الإيرانية الجديدة، فتعلن إيران تعيين مرشد جديد (لم تذكر اسمه بداية)، لتردّ إسرائيل: “سنستهدف كل من سيجلس مكان خامنئي”، ثم تعلن إيران تعيين مجتبي خامنئي مرشداً. تدمر أميركا وإسرائيل مواقع ومراكز حسّاسة، وتشعلان الحرائق في معظم المناطق الإيرانية، وتقتلان عدداً كبيراً من المسؤولين الإيرانيين السياسيين والأمنيين، فيما لا تزال صواريخ ومسيّرات تسقط في تل أبيب وعدة مواقع إسرائيلية أخرى، وتصل إلى قواعد أميركية في المنطقة، فيما تقع دول الخليج في دائرة الخطر الكبير؛ يُستهدَف فيها كلّ شيء.
تحاول إيران عبر رئيسها مسعود بزشكيان الإيحاء أنها لا تريد الحرب مع الجوار، ويقدّم بزشكيان الاعتذار، ويوضّح أن المستهدَف هو القواعد الأميركية التي ينطلق منها العدوان، فيردّ الحرس الثوري بقصف مركّز واسع. تخرج أصوات عربية مثل تركي الفيصل وحمد بن جاسم لتعلن أن الهدف هو توريط دول الخليج وجرّها إلى حرب مع إيران، ويدعو بعضهم إلى موقف عربي موحّد، خليجي تحديداً، للردّ على “عدوان إيران” أيّاً تكن النتائج. ثم تأتي أصوات أميركية من سفراء سابقين وعسكريين قدامى شاركوا في الحرب على العراق لتحذّر: “ستكون حرب استنزاف منهِكة للطرفين، أميركا وإيران. ستكتشف دول الخليج تلك المفارقة العجيبة: القواعد الأميركية المقامة على أرضهم لم تكن لحمايتهم من ضربات إيران، بل لتسهيل ضرب إيران من خلالهم، وسيعلمون أن المصالح بينهم وبين أميركا ليست متوافقة، وأن الحرب التي ورّطتهم فيها أميركا ستكلّفهم ثمناً باهظاً”. هذا ما قاله السفير الأميركي السابق في السعودية تشارلز فريمان.
وتخرج أصوات إعلامية معبّرة قريبة من بعض مراكز القرار في دول خليجية لتعلن: “نرفض الدخول في حرب مع إيران تريد فرضها علينا أميركا”. وأشار بعضهم إلى عملاء من “الموساد” أُوقفوا كانوا يحضّرون لتفجيرات. ويشير آخرون إلى أن دولاً في الخليج استضافت قواعد أميركية في أراضيها لم تتحرّك للدفاع عنها عندما استُهدفت من إيران وأذرعها، وذهب ممثلو دول أخرى إلى واشنطن ولم ينجحوا في إقناع الرئيس ترامب بعقد اتفاقات دفاعية معهم لحماية بلادهم، وبيع أسلحة نوعية متطوّرة لتعزيز قدراتهم، في وقت تقدّم أميركا كلّ شيء لإسرائيل وتمارس ضغوطاً عليهم لتوقيع اتفاقات معها.
الحرب أكبر من الجميع. قد تتوسّع دائرتها. سنشهد فيها فصولاً دموية مدمّرة. ليس ثمة في الأفق القريب أيّ تحرّك جدّي لوقفها. ترامب يهاجم بريطانيا ويسخر منها لأنها رفضت المشاركة في حربه. يريد أن يفرض ما يشاء. نجح في تحقيق أمور كثيرة في هذا الاتجاه. نتنياهو حقّق حلمه في عقد شراكة معه في الحرب ضدّ إيران و”ضرْب كلّ من يزعج إسرائيل في المنطقة”. ليس ثمة أيّ تحرّك شعبي لافت أو مؤثّر ضدّ الحرب حتى الآن في واشنطن وإسرائيل، بل في هذا التوقيت، وفي قلب المعمعة، يهين ترامب الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ مجدّداً لأنه لم يبادر بعد إلى تلبية طلبه بإصدار عفو عن نتنياهو.
سيؤدّي استمرار الحرب إلى تغييرات سياسية داخل كل الدول. أحد المسؤولين الغربيين السابقين من ذوي العلاقات الواسعة مع قادة دول المنطقة والمعروف بعلاقاته مع مساعدين لترامب قال لصديق أمين قبل أيام: “ثمة أدوار جديدة سترسم في المنطقة. دول تحوّلت إلى مراكز مالية مهمة ستتأثر وتتغيّر أوضاعها. استثمارات كبيرة ستخرج من المنطقة. اقتصاد السياحة والمراكز المالية واستيعاب الثروات الداخلية والآتية من الخارج بأشكال مشروعة وغير مشروعة معروفة من أميركا، والاستثمارات في عدة دول غير مستهدَفة بعد، كلّها ستتأثر”. أيّاً تكن الأصوات التي ترتفع ضدّه وضد سياساته واتهامه بجرّ ترامب إلى هذه الحرب، لا يزال نتنياهو الرجل الأقوى وقد حقّق نتائج كبيرة. لا تهملوا خطر تحويل الحرب إلى حرب دينية، راقبوا التعبئة الإسرائيلية الخطيرة في هذا الاتجاه.

ثلاث دول غير عربية تقرّر مصير المنطقة العربية: إيران، وإسرائيل، وتركيا

كلّ ما قيل عن تجربة العراق، وتوريط أميركا فيها، والاعتراف بأن قرار الحرب بُني على معلومات استخباراتية خاطئة صحيح. لكن الأصح أنكم ستكتشفون لاحقاً ما سيُكتب عن هذه الحرب وأهدافها. عندما يقول نتنياهو: “الهدف هو تغيير الشرق الأوسط، وبناء منطقة جديدة”، وعندما يفعل الرئيس ترامب ما فعله في غزّة، والآن لا أحد يتحدّث عنها، فثقوا: لا عودة إلى الوراء. قد لا يُسقطون إيران كما يعتقدون، لكن الحرب ستكون طويلة. لن يتراجعوا عن مشروعهم، ستسقط المنطقة في حال من الفوضى والتخبّط والضياع وستكون الكلفة باهظة. لم يحاسب أحد على خطيئة العراق ولن يحاسب أحد اليوم، ولا أفق لتسويات قريبة”.
هذا بعض ما قيل. وقد ذكّرتُ من نقله لي بما كنت أقوله دائماً عن نتنياهو: “الأخطر والأقدر والأمهر والأمكر بين رؤساء حكومات إسرائيل، الذي يعرف كيف يتعامل مع العقل الأميركي. وقد جاءه ترامب وعقله ليتكاملا”. الحقيقة مؤلمة. الحرب في بدايتها، وليس ثمة أفق للخروج منها في ظلّ شروط ترامب: استسلام إيران ومشاركته المباشرة في اختيار المسؤولين عن قيادتها في المرحلة المقبلة، وإصرار إيران على استكمال المواجهة على قاعدة: “عليّ وعلى أعدائي وجيراني”. الآن، كلّ الحسابات في لعبة الدول استعدادات لكلّ الاحتمالات والمخاطر وحماية المصالح. العرب في مأزق، تأخّروا عن هذه الحسابات، ولبنان في مهبّ الريح.
كنت أقول دائماً: ثلاث دول غير عربية تقرّر مصير المنطقة العربية: إيران وإسرائيل وتركيا، والعرب غير موجودين. الآن: أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يخوضون حرباً تستخدم فيها الأرض العربية ويُهدَّد كلّ شيء عليها، وتبقى عين إسرائيل على تركيا.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى