هل تطوي سوريا صفحة الميليشيات؟

عدنان علي

مع توقيع الاتفاق الجديد بين الرئيس أحمد الشرع وقائد تنظيم «قسد» مظلوم عبدي، يُفترض أن تكون سوريا قد انتقلت إلى عهد جديد تُحكم فيه الدولة، وتتنحّى الميليشيات والفصائل المسلحة إلى غير رجعة. ويأتي هذا الاتفاق في لحظة سياسية وأمنية حسّاسة، تتطلب إعادة ترتيب الأولويات الوطنية، وترسيخ مفهوم الدولة المركزية بوصفه الضامن الوحيد لوحدة البلاد واستقرارها.
وسبق الاتفاقَ تحرّكٌ عسكري رشيق للجيش السوري، مدعوم بعشائر وأهالي مناطق الجزيرة السورية، أفضى إلى سيطرة قوات الجيش على معظم أراضي محافظتي الرقة ودير الزور، بدءًا من مناطق غرب نهر الفرات، وقبل ذلك حيّي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب. وقد حمل هذا التحرك رسائل واضحة مفادها أن الدولة قادرة على فرض معادلات جديدة على الأرض، بعيدًا عن منطق الأمر الواقع الذي حاولت بعض القوى تكريسه خلال السنوات الماضية.
هذه التطورات المتسارعة في ما اصطلح على تسميته بملف «شمال شرقي سوريا» دفعت هذا الملف خطوات بعيدة نحو الحل والانفراج النهائي، بعد ما يربو على عام من المماطلات من جانب قيادة «قسد»، وخصوصًا شقّها القندِيلي. كما أسهم الضغط الشعبي في تلك المناطق، الناتج عن تردّي الأوضاع المعيشية والخدمية، في تعجيل الوصول إلى هذه المرحلة المفصلية.
تبرز هنا، بشكل خاص، مخاوف من بعض البنود، مثل ذلك المتعلق باعتماد قائمة قيادات مرشّحة مقدَّمة من قيادة «قسد» لشغل مناصب عسكرية وأمنية ومدنية عليا في هيكلية الدولة المركزية.
لا شك أن هذه التطورات تُسجَّل نجاحًا بارزًا للحكومة السورية التي رفضت الخضوع لابتزاز ومماطلات «قسد»، واختارت، بالتنسيق مع الجهات الفاعلة المعنية، ولا سيما الولايات المتحدة وتركيا، مواجهة المشكلة بدل الاستمرار في تأجيلها. وبفضل هذا الحزم، أمكن وضع النقاط على الحروف في زمن قياسي، وبأقل قدر ممكن من الخسائر المادية والبشرية، مع الحفاظ على مستوى من التوازن السياسي يمنع انفجار الأوضاع مجددًا.
وإضافة إلى بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي السورية، وممارستها حقها السيادي في السيطرة على الحدود والسجون، فإن استعادة السيطرة على الموارد والثروات، ولا سيما النفط والغاز والسدود، ستشكّل إضافة مهمة للاقتصاد الوطني بعد أن حُرم منها الشعب السوري طوال السنوات الأربع عشرة الماضية. كما يُتوقع أن تسهم هذه الخطوة في تخفيف الأعباء المعيشية، وتعزيز قدرة الحكومة على تمويل مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية.
غير أنه، وكما عبّر المبعوث الأميركي توم باراك، فإن الأصعب في المرحلة المقبلة هو تطبيق الاتفاق، ولا سيما أن لـ«قسد» تاريخًا حافلًا بالتنصّل من الاتفاقيات، وتحويرها، وتفسيرها على خلاف نصّها وروحها، كما دأبت طوال الشهور الماضية على تفسير مسألة اندماجها بالدولة السورية على نحو أقرب إلى اندماج الدولة بها، لا العكس. وهو ما يستدعي آليات رقابة واضحة، وضمانات سياسية وأمنية تحول دون تكرار تجارب الفشل السابقة.
وتبرز هنا، بشكل خاص، مخاوف من بعض البنود، مثل ذلك المتعلق باعتماد قائمة قيادات مرشّحة مقدَّمة من قيادة «قسد» لشغل مناصب عسكرية وأمنية ومدنية عليا في هيكلية الدولة المركزية، إذ قد تُفسّر «قسد» ذلك بوصفه احتكارًا لتمثيل المكوّن الكردي. إضافة إلى البند الذي ينصّ على التزام «قسد» بإبعاد كوادر حزب العمال الكردستاني إلى خارج سوريا، وهو أمر محلّ شك في ظل هيمنة كوادر الحزب على القرار داخل التنظيم، فضلًا عن التعقيدات المرتبطة بتفاصيل دمج عناصر «قسد» في الجيش السوري، وإعادة تأهيلهم ضمن العقيدة العسكرية الوطنية.
لا شك أن هذه التطورات في شرقي سوريا ستكون لها انعكاساتها على الملفات الأخرى، سواء في الجنوب، ولا سيما في السويداء، أو في الساحل السوري.
ومع ذلك، فإن هذه التطورات تبشّر بمرحلة جديدة يسود فيها حكم الدولة وسلطة القانون، وينتهي احتكار فصيل مشكوك في هويته الوطنية لمناطق شاسعة من الأراضي السورية، وسط معاناة وشكاوى مستمرة من أهالي تلك المناطق، من عرب وكرد، من ممارسات التنظيم، وفرض الإتاوات، والتجنيد الإجباري في مناطقهم.
ومع هذا الاتفاق، يُفترض أن تلتحم مناطق الجزيرة السورية مجددًا مع بقية الجسد السوري، بعد أن جرى فصلها عنوة طوال السنوات الماضية، وهو التحام له أبعاده الشعبية والأمنية والاقتصادية، التي تشكّل مجتمعة إضافة مهمة للدولة السورية، وتسهم في تعزيز الوحدة الوطنية، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع المحلي.
ولا شك أن هذه التطورات في شرقي سوريا ستكون لها انعكاساتها على الملفات الأخرى، سواء في الجنوب، ولا سيما في السويداء، أو في الساحل السوري. وعلى القوى المتمرّدة على الدولة هناك استخلاص العِبر، بأن الدولة السورية عازمة على بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية، من القامشلي إلى اللاذقية إلى السويداء، وأن هذا المسعى يحظى بدعم دولي واضح، ولا سيما من الولايات المتحدة التي كانت «قسد» تعتبرها ظهيرها الأساسي في مواجهة الدولة السورية.
لقد انتهى «مشروع قسد»، وتبيّنت هشاشته على أرض الواقع، حيث لا يحظى بأي حاضنة شعبية حقيقية، وينبغي أن ينتهي معه عصر الميليشيات، وهو ما ينطبق أيضًا على ما تبقّى من تشكيلات مسلّحة في مناطق أخرى، ولا سيما ميليشيا الهجري في السويداء، لتدخل سوريا مرحلة جديدة عنوانها الدولة الواحدة، والسلطة الشرعية، والسلاح المنضبط تحت مظلة القانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى