
على مدار قرن من التحوّلات العاصفة، ظلّت سوريا في الوعي السياسي للنخب المتعاقبة كيانًا يفتقر إلى صفة «النهائية»؛ إذ جرى استلاب الجغرافيا الوطنية لصالح أيديولوجيات حوّلت البلاد إلى «دولة ممر» أو حيّز مكاني مؤقّت لخدمة مشروعات عابرة للحدود. وبين أحلام الأممية، وطموحات القومية العابرة، وتصورات الجغرافيات القومية الفرعية، غاب مفهوم «الوطن النهائي» بوصفه مرجعية عليا للانتماء، ما أنتج حالة من التشظّي الهويّاتي انفجرت لاحقًا في أزمات سياسية واجتماعية ذات طابع وجودي.
اليوم، يبرز المرسوم رقم 13 الصادر عن رئاسة الجمهورية العربية السورية كمنعطف تاريخي يتجاوز دلالته القانونية الصرفة؛ إذ يمثّل إعلانًا سياديًا ينهي حقبة الارتهان للمشاريع الموازية، ويؤسّس لسردية وطنية جديدة تؤكّد أن سوريا هي الوطن الجامع والنهائي لكل من ينتمي إلى نسيجها التاريخي.
الدولة الممر: أزمة الأيديولوجيات والهوية
لفهم عمق التحوّل الجاري، لا بدّ من العودة إلى تاريخ الفكر السياسي السوري الذي تشكّل منذ نشأة الدولة السورية على تصوّرات تتجاوز حدودها الوطنية. فقد تأسّس حزب البعث العربي الاشتراكي على اعتبار سوريا قطرًا ضمن وطن عربي أوسع، ما أفضى إلى التعامل مع الهوية السورية بوصفها حالة ناقصة أو مرحلة انتقالية. وفي السياق ذاته، نظرت جماعة الإخوان المسلمين إلى سوريا باعتبارها جزءًا من مشروع أكبر، حيث جرى تهميش الجغرافيا الوطنية لصالح رابطة حزبية عابرة للحدود.
وعلاوة على ذلك، تبنّت الأحزاب القومية العربية موقفًا رافضًا لحدود سايكس – بيكو، وعدّتها تعبيرًا عن إرادة استعمارية فاقدة للشرعية السياسية والتاريخية. وفي الاتجاه نفسه، قام الحزب السوري القومي الاجتماعي على تصور «سوريا الطبيعية» التي تضم سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، منكرًا الحدود السياسية المعترف بها دوليًا، ومقدّمًا تصورًا جغرافيًا بديلًا عن الدولة القائمة.
كما شكّل التيار الناصري في سوريا أحد أبرز القوى التي أسهمت في تعزيز الانتماء العابر للحدود الوطنية، حيث بلغت هذه الحالة ذروتها إبّان تجربة الوحدة مع مصر عام 1958، حين جرى اختزال الكيان السوري في مسمّى «الإقليم الشمالي» ضمن الجمهورية العربية المتحدة. وعلى صعيد آخر، مثّل التيار الشيوعي السوري نمطًا مختلفًا من تجاوز فكرة الوطن النهائي، من خلال ارتباطه الفكري والتنظيمي الوثيق بالمركزية الدولية التي كان يقودها الاتحاد السوفيتي سابقًا، وتبنّتها روسيا لاحقًا، إذ جرى تأطير القضايا الوطنية السورية ضمن سياق الصراع الطبقي العالمي والمصالح الجيوسياسية للقوى العظمى.
وعلى صعيد آخر، تبنّت غالبية الأحزاب السياسية الكردية تصوّر «كردستان الكبرى» الممتدة بين تركيا والعراق وسوريا وإيران، ما جعل الانتماء الوطني السوري، في كثير من الحالات، ملتبسًا أو ثانويًا أمام سردية قومية أشمل. وقد أدّى هذا التموضع الأيديولوجي، بالتوازي مع الموروث السياسي العابر للحدود الأخرى، إلى خلخلة ركائز الدولة الوطنية.
وبناءً على ما تقدّم، أفضى تراكم هذه التصوّرات طوال عقود إلى تشكّل هوية سياسية مأزومة، تجلّت في بنية دولة تفتقر إلى سردية وطنية جامعة. ورغم المنعطف الذي أحدثته الثورة السورية، وما تلاها من سقوط النظام البائد، والجهود الحثيثة التي بذلتها الحكومة السورية الجديدة لتوحيد البلاد، والتي تجسّدت سياسيًا في اتفاق العاشر من آذار بين الرئيس أحمد الشرع والجنرال مظلوم عبدي، فإن هذا المسار التصالحي لم يجد طريقه إلى النفاذ؛ إذ سرعان ما جرى تفريغه من مضمونه، وإعادة إنتاجه ضمن قوالب أيديولوجية فرضتها قوى الأمر الواقع في شمال شرقي سوريا («قسد»).
وعلاوة على ذلك، عمدت هذه القوى إلى إعادة صياغة الهويات المحلية وفق توازنات القوة الجديدة، ناصبةً نفسها فاعلًا يحتكر تمثيل السوريين الكرد ويتحدّث باسمهم بصفة حصرية، الأمر الذي أدّى بالضرورة إلى عرقلة الالتزام باستحقاقات الاتفاق المذكور. ونتيجةً لهذا التصلّب، بدا المشهد السوري وكأنه يندفع نحو استنساخ انقسام جديد، يتّشح هذه المرّة بعباءة المطالب الحقوقية والقومية، بما يبرهن على استعصاء أزمة تعريف الوطن، وتجذّر إشكالية الانتماء في الوعي السياسي المعاصر.
تكمن أهمية هذا المرسوم في قدرته على سحب الشرعية من القوى الأيديولوجية التي نصّبت نفسها وصيّة على المكوّنات السورية، ولا سيما الكرد.
المرسوم 13 وإعادة التأسيس للعقد الاجتماعي
جاء المرسوم رقم 13 ليُحدث تحوّلًا جوهريًا في مقاربة الدولة لمسألة الهوية والانتماء الوطني؛ إذ أسهم، من جهة، في نزع الذريعة السياسية والأخلاقية من أي فاعل يسعى إلى احتكار تمثيل جماعة بعينها أو التحدّث باسمها خارج إطار مؤسسات الدولة، ومن جهة أخرى، وضع أساسًا لمفهوم جديد للمواطنة يقوم على الفصل بين الحقوق والولاءات، وعلى الاعتراف بالهويات بوصفها مكوّنات أصيلة داخل الوطن، لا مسارات بديلة عنه. ونتيجةً لذلك، بات الانتماء الوطني قائمًا على المواطنة المتساوية، لا على الانخراط في مشاريع سياسية موازية.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، تكمن أهمية هذا المرسوم في قدرته على سحب الشرعية من القوى الأيديولوجية التي نصّبت نفسها وصيّة على المكوّنات السورية، ولا سيما الكرد. فمن خلال مأسسة الحقوق الثقافية واللغوية، تقوم الدولة بقطع الطريق على «الوسطاء السياسيين» و«أمراء الحرب» الذين يقتاتون على خطاب التهميش لتبرير سلطتهم ومشاريعهم العابرة للحدود.
وتتأصّل هذه الرؤية دستوريًا في كون المرسوم يمثّل الترجمة الإجرائية والتفسير العملي للمادة السابعة من الإعلان الدستوري، التي تنصّ على أن الدولة تكفل التنوع الثقافي للمجتمع السوري بجميع مكوّناته، والحقوق الثقافية واللغوية لجميع السوريين. ومن هنا، فإن هذا الإجراء التشريعي يُعدّ خطوة تنفيذية تمنح تخصيصًا قانونيًا للمكوّن الكردي السوري، بحيث تنقل القضية الكردية من حيّز الهواجس الأمنية والمقايضات السياسية إلى حيّز الحقوق الدستورية، ولا سيما اللغوية والثقافية، ضمن بنية الدولة.
وبالإضافة إلى ذلك، يحمل اعتبار اللغة الكردية لغة وطنية في مناطقها، والاعتراف بعيد النيروز عيدًا وطنيًا لكل السوريين، دلالة سياسية تتجاوز بعدها الإجرائي، لتعلن ولادة عقد اجتماعي جديد يقوم على الاعتراف المتبادل والعيش المشترك تحت مظلّة القانون. فالدولة السورية الجديدة لا تنظر إلى التعدّد الثقافي باعتباره خطرًا يتطلّب الاحتواء الأمني، وإنما بوصفه رصيدًا مجتمعيًا يُدمج في السردية الوطنية الجامعة. وعلاوة على ذلك، يأتي هذا الاعتراف من داخل فكرة الدولة الواحدة، بما يعزّز وحدتها عوضًا عن دفعها نحو مسارات التدويل والتقسيم.
وبهذا المعنى، لا يشكّل المرسوم 13 مكسبًا لفئة دون أخرى، بل يمثّل انتصارًا لفكرة طال تأجيلها، مفادها أن سوريا ليست ساحة لتصارع المشاريع المتنافسة، وإنما هي وطن نهائي للسوريين جميعًا، لا يُضطر فيه الأفراد إلى البحث عن هويات بديلة خارج حدوده، ولا إلى الاحتماء بسرديات عابرة للجغرافيا السياسية.
إن بناء الدولة السورية الجديدة لا يقتصر على إسقاط الاستبداد أو الشروع في إعادة الإعمار المادي، بل يستدعي إجابة واضحة عن سؤال الهوية السياسية: لمن تكون هذه البلاد؟ والجواب الذي يقدّمه هذا التحوّل يتمثّل في أن سوريا ملك لجميع السوريين، بكل لغاتهم وثقافاتهم وانتماءاتهم، من دون وصاية داخلية أو خارجية. ونتيجةً لذلك، يتأسّس المعنى الحقيقي لـ«الوطن النهائي» بوصفه شرطًا للاستقرار طويل الأمد، وعدالة مستدامة، وسلم أهلي يقوم على الاعتراف.
تطوي سوريا قرنًا كاملًا من الالتباس الهويّاتي، لتستقر أخيرًا بوصفها الوطن النهائي لجميع أبنائها، حيث تتعايش اللغات والثقافات ضمن دولة واحدة، وسيادة راسخة، ومستقبل مشترك يملكه السوريون وحدهم.
الخاتمة
في المحصّلة، تؤسّس التحوّلات التي تشهدها سوريا اليوم لانتقال تاريخي يغادر منطق الإنكار والارتهان للمشاريع العابرة للحدود، إلى أفق وطني يعيد الاعتبار للدولة بوصفها الإطار النهائي والوحيد للانتماء السياسي. ويأتي المرسوم رقم 13، المرتكز على أسس دستورية، ليجسّد هذا التحوّل في أبهى صوره، بوصفه خطوة تأسيسية لا تقتصر على معالجة مسألة حقوقية أو ثقافية، بل تُرسّخ دعائم سردية وطنية جديدة تعترف بالتعدّد وتدمجه في قلب الهوية السورية الجامعة.
إن ترسيخ هذا المسار يقتضي تحويل الاعتراف القانوني إلى ممارسة مجتمعية يومية، تقوم على المواطنة المتساوية، وفك الارتباط بين الحقوق وأي شكل من أشكال الوصاية الخارجية أو الاحتكار الفئوي. ونتيجةً لذلك، تصبح وحدة سوريا نتاجًا طبيعيًا للاندماج والاعتراف المتبادل، لا ثمرة للقسر أو لتوازنات القوى المؤقتة.
عندها فقط، تطوي سوريا قرنًا كاملًا من الالتباس الهويّاتي، لتستقر أخيرًا بوصفها الوطن النهائي لجميع أبنائها، حيث تتعايش اللغات والثقافات ضمن دولة واحدة، وسيادة راسخة، ومستقبل مشترك يملكه السوريون وحدهم.
المصدر: تلفزيون سوريا






