
لا يشبه شتاء إيران هذا العام ما سبقه منذ نجاح الثورة الشعبية بإطاحة الشاه قبل نحو 47 عاماً. انهار نظام محمد رضا بهلوي بعد عشرة أيام (11 فبراير/ شباط 1979)، وفُتحت صفحة جديدة في تاريخ هذا البلد ذي الموقع الاستراتيجي والغني بالثروات. لكن الحكم الجديد لم يهدأ داخلياً ولم ينصرف إلى ترتيب وضع البلد بما يضمن مشاركة الأطراف السياسية والاقتصادية صاحبة هذا الإنجاز العظيم. وفي الوقت نفسه، لم يتركه الأعداء الخارجيون الذين أخافتهم شعاراته العابرة للحدود، وطموحاته لتصدير الثورة إلى محيط عربي يشاطره الضفة الأخرى من الخليج. وعلى هذا، دخلت إيران في حرب طاحنة مع العراق، وعاشت اضطرابات وتوتّرات في علاقاتها الدولية، التي لم تستقر على حال في العقود الماضية بسبب مشروعها النووي، الذي تحوّل ذريعةً لشنّ الحرب عليها في يونيو/ حزيران الماضي (2025)، بالشراكة بين إسرائيل والولايات المتحدة.
تواجه إيران اليوم أخطر التحدّيات في تاريخ النظام، وهي تنقسم بين داخلية وخارجية، تتقاطع عند هدف واحد، إسقاط الحكم الحالي. والملاحظ هنا أن تحدّي الداخل والخارج هذه المرّة على درجة عالية من التقارب؛ فهما يعملان معاً ويسيران في الاتجاه نفسه، بلا مواربة ومن دون موانع. ومن يراقب حركة الشارع خلال الأسابيع الماضية يجد أن وتيرة التناغم مع التصعيد الخارجي ترتفع كل يوم، وكلّما زادت النار الداخلية اشتعالاً، وجدت من يغذّيها بالزيت من الخارج ليؤجّجها عالياً ويوسّع دائرتها. وبات التدخل الإسرائيلي – الأميركي علنياً، وصار حديث إسقاط النظام بالقوة مطروحاً في جدول تل أبيب – واشنطن.
يلتقي الحراك الداخلي والتحرّكات الإسرائيلية – الأميركية عند ثلاث نقاط. الأولى أن الاحتجاجات هي الأخطر التي يواجهها النظام منذ قيامه، وهذا ما يفسّر إفراط الأجهزة الرسمية في العنف، إذ تتزايد يومياً أعداد القتلى والجرحى والمعتقلين على نحو كبير. والثانية، أن الاحتجاجات فرصةٌ داخليةٌ نادرةٌ لإسقاط النظام، تختلف في الشكل والمضمون عن التي حصلت قبل الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران في العام الماضي، وأضعفت النظام عسكريّاً وهزّت هيبته، وجرّدته من كثير من أوراق قوته. والنقطة الثالثة أن هذه الاحتجاجات لن تنجح وحدها في إسقاط النظام الذي لا يزال يمتلك أجهزةً أمنيةً وقوات عسكرية، ولن يتوانى عن استخدام العنف والقتال للدفاع عن الحكم مهما كلّف ذلك من ثمن. وبالتالي، فهي معركة حياة أو موت، تلعب أميركا وإسرائيل دوراً أساسياً فيها.
دخول إسرائيل والولايات المتحدة على خطّ الاحتجاجات ليس من منظور مساندة نضال الشعب الإيراني ضدّ سلطة دكتاتورية قمعية، بل يأتي في إطار حسابات وأهداف تتجاوز إسقاط النظام إلى إحداث تغيير استراتيجي في الشرق الأوسط، تعود فيه إيران إلى لعب الدور الذي كان يقوم به شاه إيران في منطقة الخليج العربي قبل سقوط نظامه، بوصفه حارساً للمصالح الأميركية وحليفاً لإسرائيل في تطويق العالم العربي. ومن المؤكّد، في هذه الحالة، أن العرب سيكونون أبرز المتأثرين سلباً في الشرق الأوسط الجديد. وتأتي في الصدارة القضية الفلسطينية التي تواجه حرب استيطان وتوسّعاً شرساً تزداد ضراوته كل يوم. ثم إن وصول تل أبيب إلى قلب طهران يضع منطقة الشرق الأوسط داخل كمّاشة، ما يعرّض السيادة العربية للخطر.
ومن المُرجَّح أن العالم العربي سيدفع فاتورةً كبيرةً نتيجة هذا التحوّل، وانقلاب المعادلة على نحو استراتيجي. وقد برهن درس فنزويلا أخيراً أن مواجهة هذا النمط من الاستعمار غير ممكنة بالأدوات الموجودة، وأقصى ما يمكن أن تفعله إيران هو إرسال صواريخ كما في المرّة السابقة، قد لا تبلغ أهدافها.
المصدر: العربي الجديد






