اتفاق المصالحة مع حمشو

د. مخلص الصيادي

عقدت السلطات السورية اتفاق تسوية مع “محمد حمشو” في إطار ما دعاه البيان الصادر عن حمشو بانه اتفاق حكومي شامل، يعبر “مرحلة جديدة عنوانها الامل وبناء المستقبل من خلال التعاون الإيجابي مع مؤسسات الدولة والجهات المعنية، والقطاع الخاص وبما يخدم مصلحة الوطن والناس”.
الاتفاق اثار الكثير من ردود الفعل، ويرجع ذلك الى ثلاثة أسباب رئيسية
السبب الأول: مرتبط بشخص ” محمد حمشو ودوره في النظام الأسدي الساقط، وأقل ما يقال فيه أنه كان “ظل ماهر الأسد”، وذراعه الاقتصادي.
السبب الثاني: أن ثروته التي يتمتع بها ويفاوض على أساسها ومؤسساته المختلفة بنيت أساسا نتيجة هذه العلاقة مع أركان السلطة البائدة، ولأجل ذلك فإنه خضع للعقوبات الدولية.
السبب الثالث: ان الاتفاق بدا وكأنه اتفاق بين طرفين الدولة من جهة، وحمشو من جهة أخرى، ودون أن يعرف السوريين طبيعة هذا الاتفاق، ومكانة طرفي العقد فيه، وغياب الشفافية عن مثل هذه الاتفاقيات مدعاة للكثير من الأقاويل وللتكهنات.
والحق أن عقد اتفاقيات بين السلطة الوطنية، ورجالات وأعمدة “النظم الساقطة” التي ارتكبت جرائم بحق الوطن والمواطنين أمر يحدث خصوصا إذا كان النظام الساقط كان قد سيطر على الحكم لفترات طويلة، وخلف آثارا عميقة الأثر على الاقتصاد وعلى البنية الاجتماعية، وكانت القيادة الوطنية الجديدة تسعى إلى فتح المجال لتجاوز تلك المرحلة السوداء وآثارها.
لكن لمثل هذه الاتفاقيات شروطا لا بد من توفرها حتى تصح، وتكون اتفاقات بناءة:
** أولى هذه الشروط: ألا يكون هناك “حق شخصي” لأحد عند هذا المستهدف من رجالات النظام البائد، فإن وجد الحق الشخصي فلا بد من استيفائه، وهذا يعني أن أي اتفاق يخص “الحق العام”، حق المجتمع، سواء اتصل ذلك، المال والثروات، أم تجاوز الأمر إلى حقوق الانسان عبر مساندة غير المباشرة في الاعتداء على تلك الحقوق وعلى موجبات المواطنة من خلال إساءة استخدام الوظيفة العامة.
** ثاني هذه الشروط: أن يكون الاتفاق يستهدف معالجة حالة عامة أي “ألا يكون الاتفاق شخصي”، فلا يعقد الاتفاق من أجل فلان، وحين يعقد مع ” فلان” فإن هذا يأتي في إطار معالجة “الحالة العامة”. وهنا تعلن السلطة الجديدة رؤيتها ومشروعها “للمصالحة العامة”، ثم تطبق ذلك على كل من تنطبق عليهم هذه الشروط. وبهذا الشكل يكون الاتفاق وجها من أوجه ” العدالة الانتقالية”.
** ثالث هذه الشروط: أن تعلن تفاصيل كل اتفاق يتم في هذا الإطار، وأن يكون الاتفاق مبني على صحة ما قام عليه من معلومات وبيانات، أي أن استمراره واستقراره مرتبط بصحة المعلومات المقدمة ممن عقد معهم الاتفاق.
** رابع هذه الشروط: أن ينشأ صندوق خاص توضع فيه حصيلة هذه المصالحات، ومن ثم توجه هذه الحصيلة لمعالجة الأوضاع التي تخلفت عن تلك الممارسات الشاذة والاستئثار الذي تم في العهد البائد وأسفر عن الظلم الذي وقع على المجتمع وعلى الاقتصاد وعلى المواطنين. بنى هذا المشروع
** خامس هذه الشروط ولعله عماد ما سبق كله، أن يبنى الاتفاق على اعتراف بأن ما تقوم به الدولة حق لها مبني على ما قام به الطرف الآخر من تجاوزات على الوطن وثروته، وعلى مبدأ المواطنة الذي يفترض تساوى المواطنين إزاء الفرص التي تتيحها الدولة لهم سواء في الاقتصاد او التعليم أو الصحة… الخ. أي أن مشروع الدولة للتصالح لا بد أن يبنى على “نقد حقيقي وجذري” لمسار العمل، واقتناص الفرص، والرشى ودعم الظلم الذي كان سائدا في المرحلة الساقطة، وبالتالي فإن القبول بهذه المصالحات يمثل قبولا من الطرف الآخر بالنقد العام الواجب، ويعتبر دليلا على مصداقية الدخول في هذه المصالحة الوطنية.

ونحن حين ننظر إلى الاتفاق الموقع بين السلطة والسيد حمشو نرى غيابا حقيقيا لتلك الشروط، بل يبدو الاتفاق وكأنه موقع بين طرفين متساويين في القوة والمكانة والتطلع، ثم يبدو لغياب أي مستوى من مستويات الشفافية وكأنه اتفاق بين طرفين خاصين، وليس بين دولة وكيان أو كيانات شخصية.
ومن أسف أن هذه الخطوة التي تفتقر إلى مفهوم العمل المؤسسي، ومفهوم الشفافية، جاءت كغيرها من الخطوات التي تمضي بها القيادة السورية في مختلف الشؤون السياسية والاقتصادية والأمنية، وكلها ذات تأثير جوهري وبعيد الأثر على سوريا: وطنيا وشعبا وهوية. ومن أسف أن يجري ذلك كله ونحن في مرحلة انتقالية يفترض أن يتم خلالها تجنب إلزام الوطن والمواطن بما هو أبعد من حدود المرحلة الانتقالية.

إستانبول   8 / 1 / 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى