”  الطّنْفِسَة” عندما تقاوم الاهتراء

عبد الرحمن حللي

 كان السجّاد العجمي ممّا يتوارث في البيوت القديمة، ويسمّى أيضاً بمسمّاه الفارسي القديم والدخيل على العربية “الطّنْفِسَة”، وكانت مساجد قديمة كثيرة مفروشة بالطنافس، وكنّا أطفالاً نستغرب تمسّك العائلات بهذه السجاجيد السميكة الخشنة القديمة التي تقاوم الاهتراء، والأسواق تطفح بأخرى طريةٍ سهلة المدّ والنقل، ومتنوّعة الألوان، بينما الطنفسة فلها من اسمها نصيب وافر ثقلاً وشدّة، فهي ثقيلة الحمل تُلقى مرّة واحدة في أول الشتاء وتُطوى في آخره، ألوانها غامقة تبعث على التوتر، رسوماتها معقّدة لا تكاد تفهم منها شيئاً، وكأن تخمين معانيها، وما ترمز إليه، موضوعان من أحجيات ليالي الشتاء الطويلة. يطول عمرها عشرات السنين، ولا يكاد يغزو أطرافها الاهتراء لتظهر خيوطها، لكنّها تظلّ مقاومةً للتلف وتأبى الاستقالة، وقد يستعان بـ”الرتّى” المحترِف في النسيج لترميمها. كنّا ننتظر قدوم الصيف كي تطوى وتتخلّص الغرفة من عبئها الثقيل، وغالباً ما تُغسل في أرض الديار وسط حملة من الأعمال الشاقّة تشارك فيها أفراد العائلة، فينهال عليها ذوو القوة منهم ضرباً شديداً بالعصي، كي يخرج منها ما احتملت من غبار الشتاء الطويل، ثم تُفرك بالصابون وتُغسل مرّاتٍ بالماء الكثير الذي يُصبغ بألوانها المنحلّة من دون أن يجفر لونها، ثم تُشرَّع في الشمس أياماً، وربّما أسابيع، كي تجفّ، ويوضع لها الصابون المبشور فتلفّ، ويحملها عصبة من الرجال إلى مخزن غالباً ما يكون زاوية إحدى الغرف لتبقى مصمودة حتى الشتاء التالي. لقد كانت الطنفسة متاعاً نفيساً يُتوارث وفي الآن نفسه عبئاً لا يُستغنى عنه، حتى اتسعت صناعة السجّاد وتنوّعت، وأصبح المعروض منها يفرض نفسه وبأسعار رخيصة مقارنةً بأسعار السجّاد العجمي القديم المستعمَل، فانتشر وأصبح يُفرش طبقة ثانية فوق السجّاد العجمي في البيوت والمساجد، جمعاً بين الحفاظ على الطنفسة العجمية الثمينة المتوارثة مع التخلّص من خشونتها، والتمتّع بنعومة السجّاد الجديد، واحتاج الأمر إلى فترة من الزمن حتى خرج السجّاد العجمي القديم من الاستعمال، وتحوّل في الغالب إلى نوع من التحف، وأصبح من لا يهواه يبيعه للهواة.

قصّة الطنافس القديمة تتجاوز أنها أثاثٌ منزلي، فهي تحكي قصّة مُنتَج مُعقّد عُرف بالإتقان والصلابة، ولا تطاوع نفس من عرفه أن يُفرِّط فيه، لكن الزمن يفرض نفسه، وما لا يساير أنماط الحياة الجديدة سيخرج من سياقها، فثمّة أشكال جديدة من السجّاد العجمي والمحلّي فيها من الإتقان والجمال والمرونة ما يُغني عن الطنافس القديمة التي لا تحمل الأجيال الجديدة من ذكراها إلا أعباء خشونتها وحملها وتنظيفها، فضلاً عن العُقد التي تحيّر الناظر إليها، خرجت الطنافس من الاستعمال، وهي لا تهترئ على الرغم من مضي عشرات السنين على صناعتها، فقِدمها وصلابتها وتماسكها لا يمكنها أن تواكب متغيّرات الزمن واحتياجات الناس المتجدّدة.

لا يتذرّع التفكير السياسي السليم بالخارج قبل إحكام النسيج الداخلي والتأكّد من صلاحيته للاستمرار

يربط محلّلون ومراقبون كثيرون السياسة الإيرانية بمهارة صناعة السجّاد العجمي، وما يحتاج إليه من دقّة وإتقان، وما يكتنفه من تعقيد ورمزيات لا يكاد يفهمها الناظر إليها من غير تأويل لا يكاد يطابق غيره، ومن ناحية ما يستلزمه صنعه من مهارة ونفَس طويل وصبر، فيُحاك السجّاد أشهراً أو سنوات، هذا الصبر في صناعة السجّاد كم سمعنا نظيره شعاراً سياسياً في السنوات الماضية “الصبر الاستراتيجي”، وقد فُهم هذا الشعار حين انتشر تنصّلاً من الاستجابة لمناشداتٍ تطلب من إيران نجدتها ومساعدتها طالما رفعت شعارات المقاومة والنجدة ونصرة المظلومين، في الوقت الذي كانت إيران فيه تصول وتجول في عواصم عربية مستتبَعة لها، وتغدق الدعم على حلفائها. والمفارقة أنه منذ بدأ يتعاظم التذرّع بالصبر الاستراتيجي، تعاظمت الضغوط على إيران، وتلتها الخسائر الاستراتيجية متوالية باغتيال رجالها ومواليها في داخل إيران وخارجها، ومن ثم هزيمتها في سورية، وانحسار نفوذها، وتالياً حرب الـ12 يوماً، وصولاً إلى الحرب الحالية عليها التي اغتيل فيها صاحب الشعار نفسه، ولئن أبدت إيران في كلّ مرحلة مفاجآت، وأوحت بكثير من التعقيد والغموض فيما تخطّط له، يشبه تعقيد رسومات السجّاد العجمي، فإن مسارات الحرب السابقة كشفت الفوارق الهائلة بين شدّة حبكة السجّاد العجمي (وتماسكه) رغم تقادم السنين وهشاشة الوضع الأمني، حتى بدت الدولة عاريةً أمام الاختراق الإسرائيلي الذي عجز طوال حربه على غزّة عن اختراق مقاوميها، ولا تختلف الحرب الجارية على إيران عن سابقتها، والتي يبدو أن تهتك حصونها الأمنية أعرض خرقاً ممّا سبق، وأن النسيج الأمني لا يشبه بحال نسيج الطنافس العجمية، فهو أسرع تهتّكاً، يرافقه تخبّط في السياسة الدفاعية يؤكّد السردية التي دأب النظام على تكذيبها وتتهم إيران بسوء النيّة تجاه جوارها العربي، فعِوض الاستقواء بالجيران لمحاصرة الحرب وتعزيز دورهم للتوسّط لإنهائها، يجري استعداء جميع الجيران بتبريرات متناقضة، تارةً بنفي مهاجمتهم، وتارةً أخرى بادعاء حصر الهجوم على قواعد أميركية في بلدانهم، وثالثة بتقديم الاعتذار عن الهجوم عليهم، فيما الدول المحيطة بإيران ومواطنوها يعيشون عياناً آثار العدوان الإيراني على بلدانهم، وتعطيله الحياة اليومية لجمهور واسع كان ضدّ العدوان على إيران.

لم تعد حكاية السجّاد العجمي صالحةً لفهم السياسة الإيرانية المراوغة، فالطنافس القديمة أُخرجت من التداول ولمّا تهترئ، واستُبدلت بسجّاد عجمي حديث يساير احتياجات الناس، أو بآخر يشبهه، فكيف إذا كانت السجّادة مهترئةً في أصولها، ممزّقةً من داخلها. لا يتذرّع التفكير السياسي السليم بالخارج قبل إحكام النسيج الداخلي والتأكّد من مدى صلاحيته للاستمرار والمواءمة مع المتغيّرات، حتى إن كان محكماً ومتيناً، فكيف إذا كان متفسّخاً وتكاثرت عليه العصي وهو يستجدي المزيد منها وثوقاً منه بمتانة الخيوط التي تمسك بالنسيج، فأنّى حينها لخبراء السدو بعد ذلك رتق ما تمزّق منه. في حال كهذه، لا يبدو أجدى من بُسُط سجّاد جديد فوق الطنافس القديمة، سليمةً كانت أو مهترئة، ففي كلّ الأحوال، تجاوزها الزمن، والحكيم من يبسط السجّاد الجميل الذي يناسبه، وفي الوقت المناسب، فلا يترك بُسُطاً مزيّفةً تُبسَط في عقر دار صناعة الطنافس.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى