
لم يكن حكم النظام في إيران منذ إسقاط حكم الشاه قبل أقل من خمسين عامًا، منذ أن رفعت شعارها مبكرًا: “الموت لأميركا، الموت لإسرائيل”، ولم تكن جديّة في رفع هذا الشعار إلا من أجل أن تتقاسم مع القوى الدولية النفوذ والسيطرة على الإقليم، وخاصة المنطقة العربية شرق المتوسط.
لقد تعاملت أميركا مع إيران وحزب الله وأمثاله في المنطقة حسب نظرية “عدو تحت السيطرة”، فقد كانت إيران والميليشيات الشيعية العراقية التابعة لها شريكة للأميركيين في تسهيل احتلال العراق، ودورها في الحكم ما بعد الاحتلال وحتى خروج الأميركيين من هناك. كما تم ضبط حزب الله وفق توافق مع إسرائيل وأميركا، وتثبيت الصراع على الحدود اللبنانية الإسرائيلية. وزاد الحضور الإيراني بعد الربيع العربي، والتوافق الأميركي الإيراني أيام الرئيس أوباما على إطلاق يد إيران وأدواتها للقضاء على الثورة في سوريا، والهيمنة على لبنان والعراق واليمن.
كما لا يخفى الصمت الأميركي الإسرائيلي عن التطوير العسكري الإيراني، وكذلك تخصيب اليورانيوم، ولو تحت المراقبة الأميركية الدقيقة.
كل ذلك تغيّر بعد معركة طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023م ضد إسرائيل التي قامت بها حركة حماس في غزة، وكيف مارس حزب الله وإيران دعمًا علنيًا وخفيًا لحركة حماس، والأهم هو ضرب حزب الله للتوافقات بينه وبين إسرائيل، مما دفع أميركا وإسرائيل لإعادة النظر في إيران وأدواتها، وخاصة حزب الله اللبناني، واعتبارهم أعداء استراتيجيين لهم، وقاموا بهجمات استهدفت حسن نصر الله وكثيرًا من القيادات الإيرانية واللبنانية من حزب الله.
تبين أن إيران قد أعدّت العدة لمثل هذا الاحتمال، وبادرت بالرد، حيث قصفت القواعد الأميركية المتواجدة في كل الدول الخليجية، مما تسبب في أضرار للمواطنين والمصالح النفطية من مستودعات وحقول نفط وموانئ.
إيران ولبنان تحت النار
لم تعد ترضى أميركا وحليفتها إسرائيل بأن يكون لإيران أي قوة عسكرية متفوقة وعابرة لحدودها، خاصة عبر الصواريخ بأنواعها، ولا أن يكون لها أي إمكانية نووية لتخصيب اليورانيوم بدرجات عالية، وإمكانية صناعة قنبلة نووية ولو بعد حين. كما قررت إسرائيل وأميركا القضاء على حزب الله عسكريًا، من خلال الحرب الأخيرة على حزب الله اللبناني ولبنان أيضًا.
حاول الرئيس الأميركي ترامب، بالتوافق مع نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، إقناع إيران عبر التفاوض بالتخلي عن برنامجها النووي والصاروخي، ولكن لم تُقبل الشروط الأميركية التعجيزية، وكانت الثقة الإيرانية في قوتها كبيرة، فلم تنجح المفاوضات.
بدأت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وعلى حزب الله، وهي أقرب إلى حرب شاملة تهدف في أقصى نتائجها إلى القضاء على النظام الإيراني، وبأقل نتائجها إلى حصره ضمن حدوده ومنع امتداده ونفوذه الإقليمي.
الرد الإيراني على الحرب الأميركية الإسرائيلية
لم تكن إيران تتصور أن تتجاوز أميركا وإسرائيل كل الخطوط الحمراء وتقتل المرشد خامنئي وعشرات من القيادات العسكرية البارزة. ومع ذلك، تبين أن إيران قد أعدّت العدة لمثل هذا الاحتمال، وبادرت بالرد، حيث قصفت القواعد الأميركية الموجودة في كل الدول الخليجية، مما تسبب في أضرار للمواطنين والمصالح النفطية من مستودعات وحقول نفط وموانئ. ويمكن القول إن إيران لم تضع أي خط أحمر في الرد على المصالح الأميركية والدول الخليجية.
النتائج المستقبلية لهذه الحرب:
على أميركا
ستستفيد أميركا في عهد الرئيس ترامب بما تعتبره انتصارًا جديدًا، حيث تجني ثمار هذه الحرب على إيران بالحد الأعلى، وهو خلق نظام حليف لأميركا يؤمن مصالحها العليا، وخاصة في النفط والموارد المتنوعة. أما بالحد الأدنى، فسيستمر النظام الإيراني، لكن بعد كسر قوته العسكرية وقطع امتداده الإقليمي في لبنان والعراق واليمن بشكل مطلق.
في العراق، تعمل الحكومة العراقية على ضبط الميليشيات الشيعية المسلحة ومنع تورطها في الحرب مع أميركا أو إسرائيل، لما قد يجلبه ذلك من ويلات على العراق. أما الحوثيون فيبدو أنهم ما زالوا على اتفاقهم مع ترامب، فلم يؤتوا بأي عمل عسكري ضد المصالح الأميركية الإسرائيلية.
أما حزب الله اللبناني فقد تورط وأطلق صواريخ وطائرات مسيرة تجاه إسرائيل، ما أدى إلى حرب على لبنان لم يكن قادرًا على مواجهتها. ومن نتائجها المتوقعة استئصال الجناح العسكري لحزب الله بالقوة أو بالتوافق مع الدولة اللبنانية، تحت رعاية أميركية وتهديد بالقوة العسكرية الإسرائيلية.
على إيران
تبين أن الحد الأقصى لطموحات أميركا وإسرائيل، وهو إسقاط النظام الإيراني، شبه مستحيل. فقد استوعبت إيران الصدمة الأولى، بما فيها مقتل المرشد خامنئي وكثير من القيادة العسكرية، وتدمير المواقع العسكرية والاقتصادية وحتى النووية، لكنها سرعان ما أعادت توازنها وانتخبت قائدًا جديدًا، مجتبى خامنئي، المعد سلفًا لخلافة والده. واستمرت في ضرب المصالح الأميركية ودول الخليج وإسرائيل، ولو بوتيرة أقل.
لذلك، انخفضت حدة التهديد الأميركي بإسقاط النظام الإيراني، خاصة أن شروط تحقيق ذلك شبه معدومة، لأن النظام الإيراني ما زال قويًا، مع وجود الجيش والحرس الثوري وكثير من القوى المدنية المستعدة للدفاع عن النظام. بينما الشعب غير منظم وغير مسلح، ولا يوجد له قيادة قادرة على خوض معركة إسقاط النظام.
ستلجأ أميركا وإسرائيل بالتالي إلى التفاوض مع إيران تحت النار، أي استمرار الضربات العسكرية مع التفاوض حول القضايا الكبرى. سيتم منع البرنامج النووي الإيراني، وترحيل اليورانيوم الخام والمخصب خارج إيران، وقد يكون لروسيا دور في ذلك، كما سيتم إنهاء البرنامج الصاروخي.
أميركا حريصة على عدم سقوط النظام الإيراني دون وجود بديل مضمون يسيطر على البلاد الممتدة جغرافيًا ومتنوعة عرقيًا وطائفيًا وغنيّة اقتصاديًا، وأن لا يكون تفجرها مقدمة لتفجر الشرق الأوسط.
ستكون لهذه الحرب نتائج مباشرة في تثبيت الهيمنة الأميركية دوليًا والإسرائيلية إقليميًا.
على دول الخليج العربي
تفاجأت دول الخليج باستهداف إيران مصالحها ومواطنيها تمامًا كما استهدفت أميركا وإسرائيل. يظهر أن المشروع الفارسي الإيراني المتخفّي بولاية الفقيه هو مشروع توسعي للسيطرة والهيمنة على كل المستويات. لذلك، ستعيد دول الخليج النظر في علاقتها بإيران، خاصة إذا استمر النظام الإيراني في الحكم، بدءًا من قطع العلاقات إلى ضبطها على أساس ندي.
كما يجب على دول الخليج إعادة النظر في برامجها التسليحية، لتصبح لديها قوة عسكرية قادرة على حماية مصالحها من أي تغيرات إقليمية أو دولية مستقبلية.
على مستقبل المنطقة
ستكون لهذه الحرب نتائج مباشرة في تثبيت الهيمنة الأميركية دوليًا والإسرائيلية إقليميًا. وإذا لم تتوافق الدول العربية، الخليجية ودول جوار إسرائيل: سوريا ولبنان ومصر والأردن، مع تركيا على موقف محدد من المشروع الإسرائيلي التوسعي، سيكون الحد الأدنى المتوافق عليه عربيًا هو مشروع الملك فهد، أي السلام العربي الإسرائيلي الشامل مع ضمان حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته على جزء من أرض فلسطين التاريخية، واسترداد سوريا للجولان المحتل.
ستكون منطقة الشرق الأوسط مختلفة كليًا بعد هذه الحرب عمّا كانت عليه قبلها.
المصدر: تلفزيون سوريا






