
ليس غضب الجماهير حدثاً عابراً، بل لحظة تتكوّن بصمت طويل، وتنقلب فجأةً حين يخطئ المستبدّ تقدير حدود الخوف. ففي تاريخ العلاقة بين المستبدّ والجماهير، نادراً ما يكون غضب العوام حالةً دائمةً أو وعياً متّصلاً، بل هو غالباً شرارة لحظية تشعلها ظروف معيّنة: فجائية، موجعة، وقادرة على تحويل التململ الصامت إلى انفجار ظاهر. يعيش المستبدّ في العادة مطمئنّاً إلى أنّ الخوف والتعوّد سيكتمان أنفاس الناس، لكنّه يدرك، في قرارة نفسه، أن هناك لحظات بعينها تُسقط سطوته في النفوس قبل أن تُسقطه من كرسي الحكم.
من أخطر تلك اللحظات، مشاهد الدم التي تُرتكب علناً ضدّ مظلوم أعزل، فقط لأنّ المستبدّ رأى في وجوده إهانةً لهيبته أو تهديداً لهيمنته. في مثل هذه اللحظة، ينكسر حاجز الرهبة؛ فالعين التي ترى دماً مسفوكاً ظلماً لا تعود ترى الطغيان بالبرود القديم نفسه، بل تستشعر أنّ الصمت مشاركة في الجريمة. كذلك، الهزيمة في الحرب مع عدو خارجي، حين يخرج المستبدّ مغلوباً ولا يستطيع أن يحمّل مسؤولية العار لغيره من القادة أو الموظّفين؛ فتظهر هشاشته للعامّة، ويتهشّم ذلك الوهج المصنوع حول قوته.
الخطر الأكبر على المستبد قد يأتي من داخل دائرته الضيّقة، من الذين يملكون مفاتيح نفوذه أو أدوات بطشه
الضغط الاقتصادي الشديد أحد المفاتيح الخطرة كذلك، حين يطالب الحاكمُ الناسَ بما لا يطيقون، ويطاردهم على المال بالضرائب والمصادرات حتّى يعجز عن الوفاء بها متوسّطو الحال أيضاً. عندها يتحوّل الجوع نفسه إلى لغة احتجاج، وتغدو لقمة الخبز عنواناً للصراع بين من يجهد كي يعيش ومن يستخدم سلطته لسرقة هذا الجهد. وإذا تزامن هذا مع مجاعة أو كارثة طبيعية، يتجلّى الانفصال التام بين الحاكم والمحكوم، فينتقل الناس من التذمّر الخافت إلى الصراخ في الفضاء العام.
هناك أيضاً الأفعال التي تمسّ أعمق ما لدى المجتمعات من إيمان ومبادئ. هذه الأفعال لا تستفزّ العقل وحده، بل تمسّ الوجدان الجمعي، وتدفع حتى المتردّدين إلى الشعور بأنّ السكوت خيانةٌ لأنفسهم ولرموزهم. في مثل هذه الأحوال، تموج الشوارع بالبشر، وترتفع الأصوات مطالبةً بالحقّ والانتصار للعدل، حتى يغدو الشعار البسيط “الموت ولا المذلّة” تعبيراً عن حالة قصوى من اليأس والأمل معاً. فالجماهير التي تصبر طويلاً تنفجر فجأة عندما تشعر أن كل قنوات التخفيف سُدّت، وألّا سبيل لاستعادة الكرامة إلّا بالمواجهة المفتوحة.
المفارقة أن المستبدّ، مهما بدا غبيّاً في قراراته أو متعنّتاً في خطابه، لا يجهل خطورة هذه المزالق، بل يراقبها ويحاول اتّقاءها بذكاء غريزي أو بخبرة متراكمة. من حوله شبكة من الأعوان ورجال الدين والأمنيين، الذين يعرفون معه طبيعة اللحظات التي قد تكسر حاجز الخوف وتُسقط الرهبة من القلوب، فيجتهدون عادةً في تجنيبه تلك الأخطاء أو في تلبيسها لباساً يُخفي حقيقتها عن الناس. … غير أنّ الخطر الأكبر على المستبد قد يأتي من داخل دائرته الضيّقة نفسها، من الذين يملكون مفاتيح نفوذه أو أدوات بطشه. فحين يقرّر بعضهم التخلّص منه أو دفعه إلى الهاوية، يكونون الأقدر على دفعه نحو هذه المزالق كي يقع فيها علناً، أو على إلصاقها به وتضخيم أثرها، خلافاً لعادتهم في التمويه والتخفيف. لذلك يخشى الحاكم المستبدّ المتمجّدين والمنافقين بقدر ما يحتاج إليهم، ويداريهم ما استطاع، ويختار لحظة إسقاط أحدهم مباغتةً، خشية أن يسبقوه إلى إسقاطه هو.
هكذا تُرسم معادلة دقيقة تتشكّل من شعوب صابرة لكنّها قابلة للاشتعال عند لحظات مفصلية، ومستبدّ واعٍ بهذه اللحظات ويحاول تفاديها، ودوائر قريبة منه قادرة على دفعه إلى حتفه إن اختلّت الموازين. وبين هذه الأضلاع الثلاثة يتحرّك التاريخ السياسي في كثير من البلدان؛ فلا يولد الانفجار الشعبي من فراغ، ولا يسقط الطغاة بلا مقدّمات، ولا تتراكم الشرور من غير أن تترك وراءها لحظاتٍ فاصلةً تغيّر مسار الحكاية.
تقوم علاقة المستبدّ بالجماهير على معرفة مشوّهة ومتوتّرة بطبيعة الخوف وحدوده
في المحصّلة، لا تقوم علاقة المستبدّ بالجماهير على الغفلة المتبادلة كما قد يُظن، بل على معرفة مشوّهة ومتوتّرة بطبيعة الخوف وحدوده. فالجماهير، وإن بدت صامتةً، تختزن ذاكرتها الخاصّة عن الإهانة والظلم، وتعرف على نحوٍ لا إرادي متى يتحوّل الصبر إلى انفجار. والمستبدّ، مهما أحاط نفسه بهالة القوة، يعيش قلقاً دائماً من تلك اللحظة التي ينقلب فيها الخوف إلى جرأة، والتردّد إلى فعل. لذلك لا يكون الانفجار الشعبي حدثاً عشوائياً أو نوبة غضب بلا سياق، بل نتيجة تراكم طويل تنكسر فيه، دفعة واحدة، أدوات الضبط والاحتواء كلّها.
وحين تقع تلك اللحظة، لا تعود الحسابات القديمة صالحةً، ولا تنفع محاولات الترقيع أو الخطاب المتأخّر من صنف “فهمتكم”. إذ يكون الشرخ قد أصاب جوهر العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتحوّل النظام من واقع مفروض إلى عبء لا يُحتمل. عندها يكتشف الجميع، متأخّرين غالباً، أن الاستبداد لا يسقط فجأة، لكنّه حين يبدأ بالسقوط لا يستطيع أحد إيقاف هذا المسار. فالتاريخ لا يتحرّك بالصراخ وحده، ولا بالصمت الدائم، بل بتلك اللحظات المفصلية التي تعرّي ما كان مستتراً، وتدفع المجتمعات إلى مواجهة مصيرها، مهما كان الثمن.
المصدر: العربي الجديد






