لقاء فلوريدا… وماذا أنتج؟

نبيل عمرو

خيّب اللقاء الذي سبقه إعلامٌ كثير، وتوقّعاتٌ مبالغٌ فيها سلباً أو إيجاباً، رجاءَ من اعتبروه حاسماً في أمر الملفّات التي يتصدّى لها، ومن بينها الملفّ الأكثر سخونةً المتّصل بغزّة والانتقال إلى المرحلة الثانية.

في السياسة لا يجوز الاعتماد على التصريحات والتسريبات التي غالباً ما لا تقول الحقيقة بشأن ما يحدث في الغرف المغلقة، وأصدق دليلٍ على ذلك حفلة النفاق المتبادل بين ترامب ونتنياهو، التي أوصلها الرئيس الأميركيّ إلى الذروة حين اعتبر وجود نتنياهو بحدّ ذاته في رئاسة الحكومة يضمن بقاء إسرائيل، إذ لولاه لكانت أُبيدت من الوجود.
يعرف ترامب صاحب هذه العبارات غير المنطقيّة أنّه يبالغ كثيراً، ويعرف نتنياهو الذي يسمع ويهزّ رأسه مستحسناً أنّ الأمور ليست كذلك أبداً.
نصر مطلق
جرى تسريب أمورٍ كثيرةٍ عن اللقاء، بدءاً من تضخيم الخلافات بين طاقم ترامب ونتنياهو في ملفّ غزّة والضفّة، وليس انتهاءً بما وُصف بحصول نتنياهو على ضوءٍ أخضر لمهاجمة إيران، وفي هذا الشأن يكفي التدقيق في ما هو أساسيٌّ ومشترك بين الحليفين ليظهر أنّ الخلاف ليس أساسيّاً ولا يحتمل البناء عليه، فالاتّفاق على الأهداف يضع الاختلاف على الوسائل في مرتبةٍ متدنّية.
المشترَك في شأن غزّة هو إنهاء حكم “حماس” فيها ونزع سلاحها، ويوجد مشتركٌ آخر هو إبقاء “حماس” تحت ضغطٍ كثيفٍ ودائم من خلال استمرار الخروقات الإسرائيليّة لاتّفاق وقف إطلاق النار والتلويح باستئناف الحرب ما لم تسلِّم “حماس” سلاحها. غير أنّ اختلافاً مظهريّاً في الأمر، وهو كيفيّة تنفيذ هذا المشترَك: أميركا تريده باتّفاقاتٍ وتفاهمات، ونتنياهو يريده على صورة إهانةٍ مدوّيةٍ لـ”حماس” تساعده على تسويق نصرٍ مطلقٍ حقّقه فعلاً.
في ما يتّصل بالشأن اللبنانيّ فلا جديد عند طرفَي محادثات فلوريدا، وكذلك الأمر بالنسبة للشأن السوريّ
أمّا حكاية مهلة الشهرَين التي تمّ تسريبها عن لقاءات الغرف المغلقة، فنتنياهو يريدها على مدىً زمنيٍّ أقلّ، بينما ترامب يرى الشهرين كافيَين لتحرّك الوسطاء وبلوغ تفاهماتٍ واتّفاقاتٍ في هذا الأمر.

الاختبار العمليّ لِما حدث فعلاً في فلوريدا وغرفها المغلقة يمكن رؤيته في كيفيّة التصرّف الإسرائيليّ في غزّة، وخصوصاً على صعيد تقديم تسهيلاتٍ ملموسةٍ على المستوى الإنسانيّ، حيث الشتاء الصعب ما يزال في أوّله، بينما الناس الذين أفلتوا من الموت جرّاء القصف يموتون من البرد، ويعاني أطفالهم من أمراضٍ ترافقهم مدى الحياة.
مشروع تسوية لا حرب
الأمر كذلك في الضفّة، التي أُلحقت بجدول أعمال اللقاء. لا يقيم الفلسطينيّون وزناً للتصريحات والتسريبات بقدر ما يقوِّمون الأمور في ضوء ما يلمسونه على جلودهم من معاناةٍ على يد الجيش والمستوطنين، وربّما نجحت إسرائيل في تسويق فكرة أنّ الجرائم التي يمارسها المستوطنون هي شغبٌ خارجٌ عن سيطرتها، غير أنّ الوقائع على الأرض تنفي ذلك كليّاً، فما يجري على أرض الضفّة وناسها هو عملٌ رسميٌّ مخطَّطٌ ومدروس يغطّيه المستوى السياسيّ بقرارات وتشريعات.
يتحدّد الحكم على ما أنتجته فلوريدا في ضوء ما سيحدث على الأرض من تغييرٍ في الضفّة وغزّة، وما يمكن أن يحدث على صعيد فتح مسارٍ سياسيٍّ لحلّ المشكلة من أساسها، كما أشارت مبادرة ترامب وقرار مجلس الأمن المنبثق عنها.
ما أنجزه ترامب في فلوريدا أنّه حافظ على زخم مبادرته بوعد البدء بتنفيذ المرحلة الثانية منها قريباً، وفق اللهجة التبسيطيّة التفاؤليّة التي تميّز بها
أمّا في ما يتّصل بالشأن اللبنانيّ فلا جديد عند طرفَي محادثات فلوريدا، وكذلك الأمر بالنسبة للشأن السوريّ.
أمّا الملفّ الإيرانيّ فقد شاع في وسائل الإعلام مصطلحٌ مثيرٌ لكن غير دقيقٍ في مغزاه العمليّ، مفاده أنّ ترامب منح نتنياهو ضوءاً أخضر لضرب إيران، مع أنّ ما حدث حتّى في التصريحات والتسريبات ليس هكذا، فما وُصف بالضوء الأخضر مصطلحٌ مفرغٌ من المضمون بفعل الشروط الأميركيّة التي تحيط به، ولا يزال ترامب يرى في إيران مشروع تفاوضٍ يحتمل تسويات لا مشروع حربٍ يشعل نارها بنيامين نتنياهو وفق أجنداته التي يعرفها ترامب جيّداً ويعرف أكثر ضعف القدرة الإسرائيليّة المستقلّة على أداء حربٍ فعّالةٍ ضدّ إيران.

ما أنجزه ترامب في فلوريدا أنّه حافظ على زخم مبادرته بوعد البدء بتنفيذ المرحلة الثانية منها قريباً، وفق اللهجة التبسيطيّة التفاؤليّة التي تميّز بها في كلّ الأمور المعقّدة، التي تصدّى للعمل عليها.
الأيّام المقبلة وما سيحدث فيها على كلّ الجبهات، إضافةً إلى تقويم الوسطاء، ستدلّنا على النتائج الصحيحة والعمليّة لفعّاليّة فلوريدا.
المصدر: أساس ميديا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى