
في أواخر الأربعينات، حين كانت السمعة تُصنع من قبضة يد لا من بيان، وحين كان الرجل يُقاس بقدرته على حمل برميل مازوت لا بقدرته على حمل خطاب، ذاع صيت الكهوجي دوّار في منطقة رأس عين الحمر. دوّار… اسمٌ يدور وحده قبل أن يصل صاحبه.
كان يعمل في مضافة رعفات العمر الغانم، تلك الجمهورية المصغّرة التي لا دستور لها سوى القهوة المُرّة، ولا قانون فيها إلا “اقعد واسمع” كان أسمرَ كأنه مقطوع من جذع زيتونة غاضبة، مفتول العضلات، يحمل برميل المازوت في حضنه كطفل مدلّل، ويضع “فردة الصفرا” على ظهر الدابة كأنها ريشة، لا حديد.
وكان الناس يقولون: “دوّار بعبع… إذا مشي بالليل، الكلاب بتدخل بيوتها وتسكر الباب”. يحمل سيفًا أطول من الحاجة، يشبه سيف سيمون بوليفار، ذاك الذي وحّد كولومبيا الكبرى وهو لم يوحّد بعد حذائه الأيمن مع الأيسر. سيفٌ لا يُستعمل، لكنه ضروري لهيبة الصورة، مثل الصور الرسمية للزعماء.
وكان دوّار شجاعًا… شجاعًا كما يجب، لا أكثر. إلى أن جاء اليوم الذي قرر فيه ثورٌ هائج أن يُعلن انقلابًا داخل حوش الغانم. ثورٌ بلا بيان، بلا مطالب، بلا حزب ، فقط قرنان ونيّة سيئة. صار ينطح كل ما أمامه: البشر، الجدران، الهيبة العامة، والتاريخ الشفهي للمرجلة.
أما الكهوجية في المضافات الأخرى، فاكتفوا بالتنديد والشجب، واستنكروا هذا السلوك الطائش للثور، مؤكدين أن ما جرى لا يعبّر عن قيم الحوش ولا عن تاريخ الأبقار الوطنية، ودعوا إلى ضبط النفس، ثم صبّوا فنجانًا آخر، واتفقوا بالإجماع على أن الثور مخطئ… شرط ألّا يقترب منهم.
وكان دوّار واقفًا في الحوش، بسيفه البوليفاري، وجسده الزيتوني، وسمعته التي تسبقه بثلاثة أمتار. فنظر الثور إليه… ونظر دوّار إلى الثور… وفي تلك اللحظة سقطت كل البطولات دفعة واحدة، كأكواب قهوة في زلزال. ركض دوّار. ركض ركضة لا تشبهه، ركضة بلا سيف، بلا تاريخ، بلا أغنية. ركض نحو أقرب بيت: بيت الحريم. ودخل. واختبأ تحت النضيدة. وانقطع نفسه. وتقلّص العالم إلى أربعة أرجل خشب، وبلاطة باردة، وقلب يدق مثل طبل أعراس فاشلة.
جاءته خود. سيدة فاضلة، حكيمة، تعرف الفرق بين الثور والرجل، وبين الشجاعة والحماقة. انحنت قليلًا وقالت بصوتٍ لا يخاف: “اطلع يا دوّار من جوا النضيدة”! ومن تحت الطاولة، خرج صوت دوّار مكسورًا، صادقًا، بشريًا أكثر من اللازم: “والله يا عمّه خود… هذا ثور. ما يفهم… ثور هايج ما يفهم”!
في تلك اللحظة، سقط سيف بوليفار من الذاكرة، وسقطت كولومبيا الكبرى، وبقيت الحقيقة الوحيدة: أن البطولة جميلة… لكن الثور، حين يثور، لا يقرأ التاريخ، ولا يعترف بالسمعة، ولا يحترم المضافات. ومنذ ذلك اليوم، ظل دوّار بعبعًا في الحكايات… لكن حين يصل الراوي إلى مشهد النضيدة، يخفض صوته، ويبتسم، كأن التاريخ نفسه يقول:
كلنا شجعان… إلى أن يدخل الثور الحوش.






