
قالت مقرّرة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين، الإيطالية فرانشيسكا ألبانيزي، في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، من على منصة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في باريس، إن توسّع دولة الاحتلال والخريطة التي ترفعها من أجل إسرائيل الكبرى هي للهيمنة على المنطقة اقتصاديا وسياسيا، وإذا تركنا هذه الدولة تتوسّع، فإننا مهدّدون جميعا بالاختفاء مع فلسطين. تذكّر هذه الكلمات بقول الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، ومن منبر الأمم المتحدة في يونيو/ حزيران الماضي، “إذا أنقذنا فلسطين أنقذنا الإنسانية جمعاء”.
ألبانيزي التي برزت في عامي حرب الإبادة على غزّة شخصية استثنائية، إذ سطّرت مواقفها في التاريخ، في تاريخ غزّة وفلسطين والمنطقة والعالم، الشجاعة والبطولة والإنسانية في وجه المستعمر الصهيوني وطغمته الإرهابية وكل الحكومات المتواطئة والمتهادنة معه، بضمنها الصامتة التي تشجع جرائم حربه وإبادته في غزّة، وفي المشهد جثث الأطفال وتهجير الغزّيين ومآسي الخيام المهترئه والمقتلعة تحت العواصف والامطار، بل تدمير المدينة بالكامل.
يرفع اسم ألبانيزي دور القانون الدولي في فلسطين وقيمته، وقد خضع لترهيب قتلة الاحتلال المنتشرين الذين يلاحقون كل من ينتقد سياساتهم وجرائمهم في العالم. بأدوات القانون الدولي وقواعده وأنظمته ومواثيقه، تواجه ألبانيزي دولة الاحتلال وجرائمه، في كل تفاصيلها رافعة في كل ما تتكلم به هذه المادة أو تلك، هذا النص أو ذاك. لا تنسى التذكير بقرارات الأمم المتحدة التي يتغافل عنها الكيان الصهيوني، ويعتبرها منتهية الصلاحية وهو يتوسع من دون عقاب من أمم متحدة أو من حكومات. وبفعل هرولة بعضهم إلى التطبيع والإسناد والاعتراف بخدعة “الإبراهيمية” التي سوّقتها، ينتشي مجرم الحرب لاستسلام وخضوع يمارسه عبر الترهيب والابتزاز للأغيار.
مسيرة محامية القانون الدولي ألبانيزي، في غزّة، درس كبير للعالم أجمع، درس مؤثر في الموقف الصلب من آلة الاحتلال
تبنّت ألبانيزي، وهي صاحبة العائلة والأطفال، قضية فلسطين وشعبها وأطفالها، تبنّي الأم أبناءها، تكفي متابعة ما تقوم به ليس فقط في مكاتب عملها وتقديم التقارير الموسمية عمّا يحدُث في فلسطين، وفي وسع أي موظف مثلها أن يقدّم التقارير المطلوبة منه من دون أن يعرّض حياته وحياة عائلته لخطر القتل والابتزاز والتهديد، بل لاختيارها الطريق الصعب المليء بالمخاطر (وأي مخاطر) وتهديدات مع قتلة ومافيات وإرهابيي الكيان الذين يوجدون في كل نشاط وعمل من أجل فلسطين. من متابعة فرانشيسكا البانيزي والاستماع لمداخلاتها، وإحداها مع طلابٍ في جامعة أوكسفورد دعوها لإلقاء محاضرة ألغتها الحكومة البريطانية، فلم يثنها هذا عن المشاركة في تظاهراتهم وفي تشجيعهم وحثتهم على المضي فيها، يقينا أنها السبيل للضغط على الحكومات لوقف حرب الإبادة والتضامن مع حقوق الشعب الفلسطيني. وقد التقت مع الطلبة الفلسطينيين والعرب لإظهار تضامنها معهم ونقاشها حول الحركة العالمية لدعم الشعب الفلسطيني، وأهمية استمرارها وزيادة زخمها في العالم. كما التقت سفير فلسطين وسفراء الدول العربية لحثهم على مواقف دبلوماسية إيجابية مع الحقوق الفلسطينية، وناورت مع أسئلة قناة CNN، فحوّلتها إلى مرافعة من أجل غزّة وضد الحرب والتجويع.
استقبل الإعلام البديل في فرنسا المقرّرة الأممية بحفاوة، وأجرى معها مقابلاتٍ تحدّثت فيها مباشرة مع الفرنسيين، كما خصّص بعض القنوات وقتا محدّدا لاستضافتها، بسبب تقنين وقت الإعلام الرسمي الكلام عن الحرب على غزّة. حضرت تقديم الفيلم الوثائقي الذي أنتجته قناة ARTE الفرنسية الألمانية عنها لتتحدّث عن الحرب الهمجية التي يقودها الاستعمار الصهيوني، وعن معاناة الشعب الفلسطيني المقاوم والصامد في ارضه. حصد الفيلم الذي بثّ عدّة مرات مشاهدات أكثر من خمسى ملايين متابع من الجانب الفرنسي على منصة يوتيوب فقط. كما استقبلها بحفاوة كبيرة حزب فرنسا الأبية ونوابه، ومنهم إيمريك كارون الذي يستمر على مختلف منصاته للتواصل الاجتماعي بتذكير الشعب الفرنسي بأن حرب الإبادة لم تنته في غزّة والضفة الغربية، وينشر يومياً ما يحدث في غزّة وأعداد القتلى وحاجة الأطفال والسكان للمساعدات، ويشير إلى جرائم الكيان المستمرّة رغم وقف الحرب المخادع، كما استقبلت رئيسة كتلة حزب فرنسا الأبية في الجمعية الوطنية، ماتيلد بانو المقرّرة الأممية، وهذه النائبة صوت شجاع وقوي للدفاع عن الشعب الفلسطيني.
استقبل الإعلام البديل في فرنسا المقرّرة الأممية بحفاوة، وأجرى معها مقابلاتٍ تحدّثت فيها مباشرة مع الفرنسيين
لا يقتصر ما تقوم به ألبانيزي وتبادر إليه على مداخلات مهمة لإطلاع العالم على معاناة الشعب الفلسطيني المأساوية، بل إنها أيضاً تطلع على ما يحصل من نشاطات في الدول التي تزورها، وتنسق العمل للتحشيد والتضامن، ولقاء أعداد مهمّة من السياسيين والمحامين والطلبة والباحثين، كي يستمر العمل على إبقاء ما تحقق عالميّاً من صحوة للوقوف مع الشعب الفلسطيني. وقد التقت لهذا الأمر المحامي الفرنسي يوهان صوفي الذي يعمل مع مائتي محامي في العالم يلاحقون مرتكبي جرائم الحرب والإبادة ضد الشعب الفلسطيني، وضمنهم الجنود الفرنسيون متعدّدو الجنسية، حيث تضيف أعمال هؤلاء المحامين إلى تقاريرها التي تشكل ملفات خاصة بالجرائم لتقديمها للمحكمة الجنائية الدولية لتبتّ في الحكم بها. وبمناقشتها مع المختصين ملفات توثيق هذه الجرائم يبدو أن ألبانيزي تزداد قناعة في كل مرّة تحصل على وثائق من زملاء يعملون في ميادين أخرى، مثل توثيق جرائم منع المياه عن الفلسطينيين وسرقتها وسرقة الألواح الشمسية وتدمير البيوت بالكامل بثمار نهجها، حيث يعتبر ذلك كله في القانون الدولي أدلّة على نيات وأعمال موصوفة بأنها أعمال إبادة وجرائم حرب.
تقارير فريق ألبانيزي منذ عام 2022 هي التي وثقت للأوضاع في فلسطين، بدءاً بالذي تسمّي فيه ما يعيشه الشعب الفلسطيني بالفصل العنصري، حيث يدين جرائم التضيق الكبير الذي يفرضه الاحتلال على الشعب الفلسطيني لمحاصرته وإجباره على التهجير، تلاه تقرير عام 2023 عن أوضاع السجناء الفلسطينيين وأعدادهم الكبيرة ومعاناتهم اليومية وتعذيبهم. وجاء تقريرها في مايو/ أيار 2024 توثيقاً لوجود الإبادة الجماعية في غزّة، والتي رفض كثيرون منها بعض الدول الأوروبية التي تتغنّى بحقوق الإنسان تصديقها دعما للاحتلال ولدولته. وفي كتابها الصادر أخيراً “عندما ينام العالم”، تكتب ألبانيزي عن الصمت القاتل والموقف السلبي لدول الأمم المتحدة التي تتفرّج على الإبادة الجماعية وتشيح بأنظارها عنها بطريقة مخزية. ومن خلال عشر شخصيات فلسطينية، تسرُد غزّة ومآسي أهلها الصادمة، وتصف صمت العالم وعاره، عدم إحساسه وخضوعه واستسلامه لتهديدات المهووسين بالمضاربات المالية واستثمارات العقارات على أراض محتلة ومسروقة. تكتب ألبانيزي في مقدمتها الكتاب أن الحياد لا يعني عدم الاهتمام، إنما التحقيق بعمق والربط بين الأحداث والقانون.
وفي كتاب منفرد بالإنكليزية لها عن أطفال غزّة الذين تواصلت معهم، روت ألبانيزي للعالم كيف أن الحرب قد انتزعت طفولة الفلسطينيين وحرمتهم منها، كيف اختطفت أرواح 20 ألفاً منهم، تُرك آلاف الأطفال من دون ذويهم وعوائلهم. وكتبت أن العالم بأجمعه تواطأ ضدهم، بضمنهم فرنسا التي اعترفت بالدولة الفلسطينية لإنقاذ سمعتها كما تقول، وليس من أجل القضية الفلسطينية، وإلا، تتساءل، أين احترام الشعب الفلسطيني ودعمه وحمايته؟ أين الأدوية التي كان المفروض إرسالها؟ أين الموقف من عنف المستعمرين واغتيالاتهم في الضفة الغربية الذين قتلوا 264 فلسطينيا بغطاء الشرطة الإسرائيلية؟ أسئلة يتجنبها المتواطئون. واعتُبر كتابها الرابع “المحو الاستعماري بالإبادة الجماعية” قنبلة دبلوماسية، دفع حكومة الكيان إلى اتخاذ إجراءات عقابية ضدها ومنعها من دخول الولايات المتحدة وإلغاء بطاقاتها الائتمانية وتعليق إيجار سكنها في بروكسل. كما علّق اللوبي صوراً كبيرة لها في “تايم سكوير” في نيويورك شخصية معادية للسامية، كما هي عادته في الولايات المتحدة بغرض تشويه سمعة المعادين لخطابهم. وادّعى سفير الاحتلال في جنيف، دانيال ميرون، أنها معادية للسامية ويجب إقالتها، فيما اتهم محام من اللوبي في هولندا ألبانيزي بالعمل في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، واتهم مدارس في الوكالة بأنها تحتفي بهتلر! بل يتهم موظفو مجرم الحرب نتنياهو المقرّرة الأممية بأنها تقبض الأموال من لوبيات حركة حماس، وأنها قالت إن لهم الحق في المقاومة. … وبمثل هذه الجمل المكرّرة التي تلصق بالفلسطينيين، تتلاعب دعاية اللوبي بالعقول، يصمت كثر عن كذبها ويبتلع الأكثر بضاعته الرديئة خوفاً، لكن هذه الاتهامات تسير بشكل أكيد يوميا في طريق الانهيار منذ 7 أكتوبر في أنحاء العالم، وخصوصاً في أميركا مركز العمل الصهيوني المنظّم ضد الشعب الفلسطيني.
كتبت ألبانيزي أن العالم بأجمعه تواطأ ضد أطفال غزّة، بضمنهم فرنسا التي اعترفت بالدولة الفلسطينية لإنقاذ سمعتها
كان وجود فرانشيسكا ألبانيزي في باريس مناسبة للترافع من أجل تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ودولة الاحتلال، وهي على حق في حث الحكومات الأوروبية والشعوب بتعليق هذه الشراكة لمعاقبة الكيان الصهيوني، خصوصاً أنها تتعارض مع قوانين الاتحاد التي تطلب للشراكة باحترام حقوق الإنسان، لكن دول الاتحاد تجاوزت قوانينها هذه ومستمرّة في شراكتها معه، رغم عامين من حرب الإبادة، ورغم قرار محكمة العدل الدولية إصدار مذكرات ملاحقة بحق مجرم الحرب نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت. وهذا ما دفع البانيزي الى القول إن هذه الحرب قد كشفت بالأخص أوروبا وحكوماتها وتواطؤها مع الكيان ليس في أمر الشراكة فحسب، بل حتى في تقنين إرسال المساعدات الغذائية للغزّيين. وقد كشفت غزّة أن دولاً ما زالت تفتخر بتاريخها الاستعماري، وهذه الدول وشركاتها لم تعلّق الشراكة، لأنها طوال عامين استفادت، مثل كبرى الشركات الإسرائيلية الخاصة من الحرب، وحققت أرباحا هائلة، اذ سجلت بورصة الكيان أرباحا تصل إلى 224 مليار دولار لعام 2024.
مسيرة فرانشيسكا ألبانيزي، محامية القانون الدولي، في غزّة، درس كبير للعالم أجمع، درس مؤثر في الموقف الصلب من آلة الاحتلال، في شجاعة الرأي وقول الحق والتمسّك بالعدالة، في الالتزام الجاد بالإنسانية والتضامن الصادق والإيمان بالدفاع عن عدالة قضية تقف أقوى حكومات العالم ضد حقوقها، في تسمية الحقائق التي يزيّفها الكيان ويسوقها للعالم. تقول لكل من يريد سماعها: لا تقولوا إن ما يجري صراع، فهو صراع احتلال استعماري، تتهجّم فيه دولة على شعب مقاوم. … كانت هذه المرأة الشجاعة وجهاً من وجوه 2025 المنيرة.
المصدر: العربي الجديد






