مع اقتراب انهيار “تحالف المهزومين”.. هل يحق للسوريين التفاؤل؟

مصطفى إبراهيم المصطفى

بمنظور المراقب المحايد، حقّقت الحكومة السورية خلال العام المنصرم الكثير من الإنجازات التي لم يكن أشد المتفائلين يتوقع أن تنجز بهذه السرعة القياسية.
ولكن في بلد خرج لتوه من حرب مدمرة أحرقت الأخضر واليابس؛ من الطبيعي ألا يشعر المواطن الذي أرهقه الفقر وانعدام الاستقرار على مدى أربعة عشر عاماً بفوارق تذكر، خاصة وأن أغلب تلك الإنجازات كانت على مستوى السياسة الخارجية، فالمواطن -عادة- لا يشعر بالفوارق إلا عندما يتحسن وضعه المعيشي.
ورغم أن النجاحات التي أنجزت تصنف أنها جاءت في سياق السياسة الخارجية، إلا أنها تبدو وبكل وضوح هي المقدمات التي لا بد منها من أجل إنعاش الاقتصاد، وبالتالي كان من المفترض أن نلمس بعض التفاؤل بالمستقبل القريب، لكن المواطنين -في غالبيتهم- تسيطر عليهم مشاعر القلق والتوجس من المستقبل، فمن هي الجماعات التي تبث الذعر والقلق بين المواطنين؟ وما هي دوافعهم؟ ومتى ينتهي دورهم الهدام؟
“تحالف المهزومين”
شكّل سقوط النظام البائد السريع والمفاجئ صدمة لكل السوريين، أخذت هذه الصدمة طابع المفاجأة السارة عند الأغلبية منهم، وتسبّبت بحالة من الهلع والذهول لدى الأفراد والجماعات المتضررة من سقوط نظام الإجرام.
ولكن، سرعان ما استعادت هذه المجاميع توازنها وأخذت تبث سمومها في محيطها الضيق أولا، ومن ثم في الفضاء العام، وبقدرة قادر جمعت المصالح المشتركة أعداء الأمس في تحالف واحد يمكن أن نسميه “تحالف المهزومين”.
الملفت أن تيارا ممن كانوا محسوبين من بين مؤيدي النظام البائد -دون مصالح تذكر- يروجون الإشاعات التي يطلقها “تحالف المهزومين” واضعين أنفسهم في موقع الحليف السري..
وفي تناغم ملفت راحت تلك المجاميع تصدر خطاباً تضليلياً مشككاً بإنجازات السلطة وبمستقبلها في محاولة لخلق نبوءة ذاتية التحقق تحرض لدى المواطن سلوكاً مربكاً لسياسات الحكومة، خطاباً وتنبؤات تبث الذعر والتوجس لدى أغلبية المواطنين السوريين.
تشكّل هذا التحالف من بقايا فلول النظام البائد، وانضمت إليهم فئات وجماعات أخرى لم تكن تصنف بين المهزومين بداية، بل على العكس تماماً، فإحدى هذه الجماعات كانت تصنّف ضمن القوى الثورية المعتبرة، ولكن لدوافع غير واضحة تماماً، إلا أنّها تندرج في نطاق تضرر المصالح وجدت هذه الجماعات نفسها في “تحالف المهزومين”، وانخرط الجميع في ورشة عمل لا تتوقف عن تصدير كل ما هو مربك للحكومة ومعرقل لانطلاقتها، وهؤلاء أهدافهم معروفة؛ يريدون إسقاط السلطة أو إفشالها كحد أدنى.
لكن الملفت أن تيارا ممن كانوا محسوبين من بين مؤيدي النظام البائد -دون مصالح تذكر- يروجون الإشاعات التي يطلقها “تحالف المهزومين” واضعين أنفسهم في موقع الحليف السري، وهؤلاء بالتحديد هم من حير الكثيرين في تفسير دوافعهم السيكولوجية.
“جرح النرجسية الجماعية”
عندما تلجأ الأنظمة القمعية إلى استخدام العنف المفرط ضد معارضيها؛ تستبق ذلك بتهييء باقي المجتمع نفسيا لتقبل كل ما سوف يحصل مستقبلاً من قتل وإجرام، ويتم ذلك من خلال وسائل الإعلام بالإستناد إلى تقنيات نفسية معقدة.
تكون البداية بتجريد المعارضين من وطنيتهم واعتبارهم تهديد للأمن، وسبب الأزمات، وخطر على الهوية الوطنية، ثم يوصفون بالعدوانية والخطر الوجودي، ومن ثم يتم تبرير الجرائم التي ترتكبها السلطة على أنها واجب، أو دفاع عن النفس.
المهم في الأمر أن تعرض المواطن لهذا السيل من الضخ الإعلامي، يجعله مستلباً تماماً لروايات السلطة، ومن ثم ينخرط في تأييد إجرامها معتقداً أنه على صواب، وتظهر لديه بعض الأعراض الجانبية كازدراء الطرف الآخر واحتقاره، وشعوره بالتفوق عليه.
عندما يهزم الفريق الذي انتمى إليه هذا الفرد يصاب بما يسميه علماء النفس “جرح النرجسية الجماعية”، فالهزيمة لا تجرح القوة أو تؤذي المصالح فقط، بل الإحساس بالتفوّق والاستحقاق أيضا. ومن ثم يتحول الشعور بـ”كنا نستحق النصر” إلى كراهية للآخرين الذين “سرقوا النصر الذي نستحقه”.
من جهة أخرى، لا يحب هؤلاء أن يصدقوا ما تراه أعينهم، وإلا وجب عليهم الاعتراف بسذاجتهم وأن النظام البائد كان يخدعهم، فشعور المرء بأنه ساذج ليس مرفوضاً وحسب، إنما هو يهدد إحساس الفرد بقيمته الذاتية.
وبالتالي  -حسب علماء النفس- يبذل الناس جهدهم في محاولة تجنبه، وإحدى الحيل الناجعة لتجنب هذا الشعور هي التسليم بصحة شيء غير صحيح بدلاً من اعتراف المرء بأنه قد خدع، أو أنه كان ساذجاً.
تحالف هش في طريقه إلى الاضمحلال
إذا، يمكن القول: إنّ “تحالف المهزومين” تحالف بين مجاميع غير متجانسة بالعموم؛ تجمعهم “أحقاد المهزومين” التي توصف بأنها ليست مجرد شعور غضب عابر، بل حالة نفسية-اجتماعية مركّبة، غالباً ما تكون أخطر من الهزيمة ذاتها، فبعض الأفراد أو الجماعات يجدون صعوبة بالاعتراف بالهزيمة، ويفشلون في تحويل الألم إلى مراجعة أو تعلم، وبالتالي يتحول الألم إلى حقد ومن ثم إلى رغبة في التدمير.
هذا التحالف نشأ بين جماعات غير متجانسة، وغير واضحة الأهداف كان تحالفا هشا، وبدأت ملامح تصدعه تظهر مبكرا؛ فالجميع بدأ يشعر أن الآخر يستخدمه كمطية لتحقيق أهدافه الخاصة..
المشكلة في هؤلاء أنهم ليسوا معارضين سياسيين، فلو كانوا كذلك ربما انضم إليهم الكثيرون، فالحكومة التي امتدحنا إنجازاتها في مقدمة هذا المقال لديها ما يكفي من الأخطاء والتوجهات التي تدفع الكثيرين -حتى من حاضنتها- لمعارضتها، إلا أن توجهات “تحالف المهزومين” وسلوكهم يجعلهم في موقع الاتهام، فهم فئة حاقدة تبحث عن الانتقام حتى ولو كان انتقاما رمزياً، لأنّ هذا التحالف نشأ بين جماعات غير متجانسة، وغير واضحة الأهداف كان تحالفا هشا، وبدأت ملامح تصدعه تظهر مبكرا؛ فالجميع بدأ يشعر أن الآخر يستخدمه كمطية لتحقيق أهدافه الخاصة.
لذلك، ومع وصولنا لنهاية العام، علينا أن نتوقع انهيارا تاما لهذا التحالف، خاصة وأن هذا التاريخ (نهاية العام) ارتبطت به الكثير من الوعود الخلبية التي صيغت خصيصا لمداعبة مشاعر الناقمين، فلا أحداث كبيرة حدثت ولا خوارق حققت أحلامهم.
كل ما هنالك أن الموعد حان لانسلاخ أهم أركان هذا التحالف عنهم وانخراطه مرغماً في تنفيذ بنود “اتفاق 10 آذار”، وهكذا، مع تراكم الخيبات والصدمات؛ يتوقع أن يتراجع زحم “تحالف المهزومين” وتنخفض فعالية الأداء لديهم وصولا إلى مرحلة اليأس، ومن ثم الاضمحلال مع بدايات العام الجديد.
ما زالت الحكومة السورية بحاجة إلى بضعة أشهر من أجل استكمال بعض الترتيبات الإدارية واللوجستية والقانونية، لذلك، فمن المتوقّع أن يبدأ المواطن السوري بتلمس آثار الانتعاش الاقتصادي والاستقرار الأمني مع النصف الثاني من العام المقبل 2026، هذا إن بقيت الأمور تسير على هذا المنوال، ولم تحدث مفاجأة غير متوقعة.
المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى