
التطوّرات العسكرية، التي شهدها لبنان أخيراً، وعودة القصف الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، ردّاً على إطلاق صواريخ من لبنان على الأراضي المحتلّة، للمرّة الثانية منذ اتفاق وقف إطلاق النار، قد تكون مؤشّراً على ما ينتظر اللبنانيين في الآتي من الأيّام، مع كلّ ما يطرحه هذا من تساؤلاتٍ جدّيةٍ بشأن صمود اتفاق وقف إطلاق النار، وربّما عودة القصف والقتال.
قبل التطرّق إلى الزاوية اللبنانية للأحداث، من المهمّ الإشارة إلى تغيّراتٍ أساسية طرأت على الرؤية الإسرائيلية في التعامل مع ما تسمّيه “الجبهة الشمالية”، التي يمكن تلخيصها بـ: لا عودة إلى الوضع الذي كان سائداً عند الحدود اللبنانية – الإسرائيلية قبل 7 أكتوبر (2023)، الحكومة اللبنانية هي التي تتحمّل مسؤولية كلّ انتهاك أو خرق أمني لقرار مجلس الأمن 1701، وعليها أن تدفع الثمن؛ لا أمن ولا استقرار لسكّان الجنوب كلّهم، ولا للضاحية الجنوبية في بيروت، وربّما لاحقاً في بيروت برمّتها، إذا ظلّ أمن المستعمرات الإسرائيلية المتاخمة للبنان مهدّداً؛ عودة إطلاق الصواريخ من الجنوب باتجاه إسرائيل مؤشّرٌ على فشل الجيش اللبناني في فرض سيطرته على ما يجري جنوبي الليطاني وشماله؛ نزع سلاح حزب الله في الأرضي اللبنانية كلّها مطلب أميركي وإسرائيلي في آن، وإذا عجزت الحكومة اللبنانية عن تنفيذ ذلك، فإن إدارة ترامب منحت ضوءاًَ أخضر لإسرائيل كي تُحقّق هذا الهدف.
يجري هذا كلّه في ضوء واقع لبناني صعب وشائك، تحاول فيه الحكومة اللبنانية الجديدة التصدّي لحلّ مشكلاتٍ عديدة، فهي تستخدم الوسائل الدبلوماسية لحلّ مسألة الوجود الإسرائيلي في النقاط الخمس في داخل الأراضي اللبنانية، وتعمد إلى التفاوض مع الحكم السوري الجديد للتوصلّ إلى حلّ مشكلة الأمن في الحدود الشرقية مع سورية، بالإضافة إلى الاتفاق الذي وُقّع لترسيم الحدود البرّية مع سورية في جدّة أخيراً. يضاف هذا إلى القضايا الداخلية الملحّة، وفي طليعتها توفير المال اللازم لإعادة إعمار ما دمّرته الحرب الإسرائيلية، والاتفاق على خطّةٍ إصلاحيةٍ لحلّ أزمة المصارف مع المودعين، والمسائل الأخرى الشائكة كلّها، التي تعترض طريق الحكومة الجديدة وتُعرقل سعيها إلى إرساء حكم القانون والنظام والعدالة الاجتماعية والحوكمة.
في خضمّ الوضع الداخلي المعقّد، وفي ضوء الضغط الأميركي المستمرّ على الحكم اللبناني لنزع سلاح حزب الله، والتنظيمات المسلّحة الأخرى في الأراضي اللبنانية، شرطاً لاستقرار لبنان، وإعادة إعماره، تقف الحكومة أمام معضلة لا يبدو أنها تملك حلّاً لها سوى شعارات من نوع حصرية السلاح في يد الجيش، واستعادة الدولة قرار الحرب والسلم، من دون أن يُلمس في الواقع أيّ تحرّك رسمي من الحكومة في اتجاه إيجاد حلٍّ لسلاح حزب الله، وسائر التنظيمات المسلّحة، مثل إجراء حوار علني مع قادة حزب الله بشأن مستقبل سلاحهم، وتقديم الحكومة اللبنانية رؤيتها لكيفية حلّ مشكلة هذا السلاح. وفي غياب أيّ مسعى رسمي لبناني، علنيٍّ على الأقلّ، بشأن هذه المسألة، تستمرّ حالة التسيّب والفلتان الأمني، وتتجرّأ تنظيمات مسلّحة، قد تكون فلسطينيةً أو لبنانيةً، على إطلاق صواريخ نحو إسرائيل، والكلّ يعرف أن هذا من المستحيل أن يجري من دون علم حزب الله أو غضّ نظره، وهو الذي كلّما حصل ذلك يصرّح إنه ليس المسؤول عن إطلاق الصواريخ أخيراً، وقد يكون صادقاً، لكنّ هذا لا يعني أنه لا يتحمّل مسؤولية ما يجري، سيّما أن ثمن القصف غير المجدي يدفعه مرّة أخرى سكّان الضاحية الجنوبية خوفاً وذعراً وتهجيراً من أحيائهم.
يخدم تدهور الوضع الأمني مجدّداً في لبنان بصورة أساسية إسرائيل التي تريد، مرّة أخرى، أن تُثبت أن الحكومة والجيش غير قادرَين على تطبيق القرار 1701. وبالتالي، إنها مضطرّة للاحتفاظ بوجودها العسكري في لبنان إلى وقت غير محدّد. وهذا في حدّ ذاته يُحدث معضلةً كبيرةً على المديين، القريب والمتوسّط، ويعزّز حجّة حزب الله بالاحتفاظ بسلاحه، وضرورة استمرار مقاومة الاحتلال الإسرائيلي بقوة السلاح، وليس بالوسائل الدبلوماسية التي يعتمد عليها الحكم اللبناني حتى اللحظة. كما يعني استمرار عدم اليقين، وعدم الاستقرار الأمني، وتكرّر حوادث إطلاق الصواريخ والغارات الإسرائيلية إبقاء الجبهة مع إسرائيل مفتوحةً، ودخول لبنان مرحلةَ اضطراباتٍ أمنيةٍ لا نهاية لها في الأفق القريب.
هناك قناعة عميقة لدى حزب الله، وجزء لا بأس به من مؤيّديه من اللبنانيين، بأن تسليم سلاح الحزب لا يشكّل خسارةً لمحور المقاومة في لبنان فحسب، بل هو بمثابة استسلام وخنوع غير مشروطيْن لإسرائيل، التي تحتلّ وتقتل وتقصف في لبنان من دون رداع، وأن صواريخ الحزب كانت (وما تزال) عامل ردع لإسرائيل في حال انهار اتفاق وقف إطلاق النار، وفشلت المساعي الدبلوماسية لإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي في لبنان، وتجدّد القتال. في مقابل هؤلاء، ترى فئة كبيرة من اللبنانيين في استمرار الحزب والاحتفاظ بسلاحه، ورفضه مناقشة مستقبله، العائق الأكبر أمام استعادة الدولة اللبنانية سيطرتها في كامل أراضيها، وعلى قرار الحرب والسلم، ويجهض مساعيها الدبلوماسية من أجل تحرير الأراضي اللبنانية من الوجود العسكري الإسرائيلي.
ليست هذه المعضلة اللبنانية جديدةً، بل قديمة قدم الحروب الأهلية التي شهدها لبنان منذ أيّام سلاح المقاومة الفلسطينية في لبنان، واليوم مع سلاح حزب الله، مع اختلاف جوهري أثبتته الحرب في غزّة بعد “طوفان الأقصى”، وحرب الإسناد في لبنان، أن لا نصرَ حاسماً في هذه الحرب مع إسرائيل، وأن المدنيين يدفعون أثماناً لا طاقة لهم بها، في غزّة وفي لبنان. في غزّة خرج الغزّيون إلى الشوارع احتجاجاً على الحرب، فهل سيخرج اللبنانيون أيضاً للاحتجاج على عودة القصف الإسرائيلي، وضدّ تجدّد الحرب؟
الى متى سيظل الأزعر الصh يوني يفرض أجندته على المنطقة؟ معتمداً على فائض القوة التي منحتها له أنظمة غربية والإدارة الأمريكية، يفسر القرارات والعقود والمواثيق وفق رؤيته ويمارسها، فهل ستكون لبنان معزولة السلاح ضمن التطبيع الإبراهيمي؟ أم سيكون من يوقف هذا الأزعر؟.