
الصراعات المذهبية المسيسة باتت تشكل أحد سمات الجغرافيا الدينية والمذهبية فى المنطقة العربية، وتشمل الأديان السماوية، وخاصة الإسلام والمسيحية، وهو ما يؤدى إلى تديين النزاعات الاجتماعية، وتؤثر علي السلام الاجتماعى، والاستقرار السياسى، بقطع النظر عن السياسة الدينية والمذهبية للسلطات ، والنخب السياسية الحاكمة، لأنها باتت جزءًا من الثقافة الدينية الشعبية، ومحمولاتها من المرويات المتوارثة والأساطير، والإدراكات والصور النمطية عن الآخر الدينى والمذهبى. من ثم الصور النمطية عن الآخر المذهبى –داخل ذات الدين- الموروثة فى الثقافة الدينية الشعبية والوعى الجمعى، وتعيد إنتاج التناقضات، والخلافات، وسردياتها على نحو مشوه فى العقل شبه الجمعى داخل كل جماعة من الجماعات المذهبية والعرقية والقبائلية والعشائرية فى المجتمعات الانقسامية العربية.
بعض السياسات التعليمية، والمناهج المقررة في عديد النظم التعليمية العربية تميلُ إلى تبنى التصورات الشائعة عن المذاهب الدينية الأخرى داخل متون مذهبها التاريخي ، وبعضها الآخر لا يتناول ذلك إلا من خلال الدروس الدينية فى منهج الدراسة الدينى، الذي تلعب خلاله جماعات المعلمين والمعلمات –أيا كان مستواهم العلمى والثقافي والديني – دورًا فى إشاعة الصور النمطية فى شروحهم للدرس الدينى، أو دروس اللغة العربية، أو فى قيام بعضهم بتضمين آراءه المذهبية فى دروس العلوم الاجتماعية، وترويج التصورات الموروثة والشائعة، أو آراء بعض الجماعات الدينية التى ينتمى إليها بعضهم تنظيميا ، أو اقتناعا بها دون الانخراط فى أنشطتها الدينية السياسية والاجتماعية فى الحركات الإسلامية المعاصرة الفكر الدينى المذهبى الأقلوي او الأكثري . غالبا في نظام التجنيد داخل بعض هذه الجماعات ما يتم التركيز على دور المدرسين، والدعاة، والمسجد كمؤسسة من مؤسسات التنشئة الاجتماعية والدينية فى الترويج للخطاب المذهبى ومحمولاته، وحدوده وتمايزاته عن المذاهب الدينية الأخرى، لاسيما المذهب الأكثرى السني الأشعري .، وايضاً التوجه الشيعي فى مواجهة السنة فى العراق، والسعودية، والكويت، والإمارات، والسودان، وليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب. يمتد خطاب التميز والخصوصية المذهبية إلى المدرسة الفقهية داخل مذاهب الأغلبية كالمالكية، أو الحنفية، أو الشافعية او الحنبلية …الخ.
فى الديانة المسيحية خطاب التمييز الأرثوذكسي فى مصر وبعض طوائف المشرق العربي إزاء المذهب الكاثوليكى والبروتستانتى الإنجيلى، ومن هؤلاء إزاء المذهب الأرثوذكسى.
مخاطر هذه الخطابات المذهبية، وسردياتها ومواريثها التاريخية أنها تتمركز على الذات المذهبية الجماعية ومعتقداتها وطقوسها، ولاهوتها، على نحو جعل بعض الغلاة من الباحثين فى الأديان المقارنة، وصف كل مذهب ولاهوته، وتاريخه، بأنه بات يمثل ديانة، واتباع لها، وهو ما يعنى لديهم أن الإنتاج اللاهوتى المذهبى التاريخى والمعاصر، بات يشكل ديانة فى العقيدة والطقوس، واللاهوت، والوعى الدينى لدى لمؤمنين بهذا المذهب، أو ذاك.
بعض رجال الدين الكبار حاولوا كسر بعض الحدود الفاصلة بين المذاهب المسيحية من خلال الحركة المسكونية، والحوار، والتفاعلات اللاهوتية، وأيضا عبر طرح القضايا المعاصرة، وتحديات الحياة فى عالم مختلف علي العقل المسيحي المتعدد .
بعض التحولات الهامة تمت مع المجمع الفاتيكانى الثاني أثناء الحرب الباردة، وما بعدها مع حركة لاهوت التحرير فى أمريكا اللاتينية، وأفريقيا وآسيا، لإبراز الوجه الاجتماعى والعدالى داخل المذهب الكاثوليكى –مليار وأربعمائة وست مليون مؤمن بالكاثوليكية عالميا-، وانفتاحا على المعسورين فى مجتمعات القارات الثلاث فى عالمنا.
بعض الاتجاهات الإصلاحية الإنسانوية من رجال الدين والمفكرين والفلاسفة مع الاتجاه العولمى الكاسح، والتناقضات، والصراعات الإقليمية، والدولية ساهموا من خلال بعض المنظمات الدولية، أو مراكز البحث إلى السعى نحو الحوار حول القيم والمبادئ الإنسانية المشتركة كالإخاء، والمساواة، والحب، والعدالة، والمواطنة، والتعدد الإنسانى فى الأديان والمذاهب –السماوية والوضعية- لإيجاد المشتركات الإنسانوية فى عالمنا!
بعض هذه الحوارات الهامة ركزت على قيم الحياة الكونية المشتركة فى عالم بالغ الصعوبة، والسيولة وعدم اليقين.
هذه المحاولات لم تحقق نتائج مؤثرة على أهميتها، ومرجع ذلك أن التسييس المذهبى داخل الديانة الواحدة، وراءه مواريث تاريخية متراكمة، وخاصة فى المجتمعات خارج المركز الأوروبى وخاصة في بعض مجتمعات القارات الثلاث ومنطقتنا العربية . بعض الدول الأوروبية الرأسمالية الكبرى والليبرالية، وظفت الدين والمذهب والقيم الليبرالية فى مواجهة الاتحاد السوفيتى السابق داخل دول الكتلة الشيوعية، كجزء من الحرب الباردة الإيديولوجية، وساهمت هذه السياسة ضمن عوامل أخرى فى انهيار الاتحاد السوفيتى والكتلة الشيوعية. لم يقتصر توظيف الدين والمذهب على وضد الإمبراطورية الماركسية، وإنما تم توظيفه من الاستعمار البريطاني البغيض فى مواجهة حركات التحرر الوطني على نحو ما تم فى مصر على سبيل المثال، من دعم جماعة الإخوان المسلمين فى مواجهة حزب الوفد، والأحرار الدستوريين.
واستعارت السياسة الإمبريالية الأمريكية الدين فى مواجهة الناصرية، وحركات التحرر الوطنى بعد الحرب العالمية الثانية، وإنشاء الحلف الإسلامى، وأيضا فى مواجهة الاتحاد السوفيتى فى أفغانستان، من خلال الاتفاق مع السعودية، وبعض دول المنطقة، فى دعم حركات إسلامية سنية ، وإنشاء معسكرات تدريب لمن تم تجنيدهم من الدول العربية فى منطقة بيشاور فى باكستان، وإنشاء تنظيم القاعدة، ثم بعد 11 سبتمبر 2001، وضرب وتدمير أيقونات القوة الأمريكية الرمزية . واجهت امريكا التنظيم بعدها ، إلا أن سياسة تديين بعض الصراعات من خلال المنظمات الدينية استمرت مع تنظيم داعش في سوريا والعراق، وذلك وفق سياستها فى بث الصراعات داخل بعض النظم السياسية العربية ذات العلاقات الوثيقة مع إيران، وحزب الله مثل النظام البعثى الاستبدادي الحاكم فى سوريا، على نحو أدى إلى حرب أهلية، انتهت بوصول بعض الجماعات السياسية السنية إلى سدة السلطة بعد إسقاط النظام السورى وذلك من خلال دعم الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا لهذه المجموعات التى كانت تنتمى إلى الراديكاليات الإسلامية السنية، على نحو أتاح لها السيطرة وإسقاط نظام بشار الأسد ، وتمدد إسرائيل في سوريا إلى مناطق تبلغ مساحتها أكثر من قطاع غزة! فى سعيها إلى إحداث تغييرات جيو سياسية فى المنطقة العربية.
أخطر ما فى وصول الجولانى ومجموعاته إلى السلطة، تفجر بعض المنازعات المذهبية، والثأر السياسى الدموى من الأقلية العلوية فى الساحل السورى، تحت تعلات شتى غالبها مذهبى، ومن بعض المسيحيين، على نحو كشف عن توظيف الثأرات المذهبية على نحو دامى، والتعامل مع الطائفة العلوية، وكأن أغلبيتها الشعبية والوسطى كانت جزءًا من تركيبة الحكم السورى فى ظل حكم الأسد الأب، والأبن، وليس مجموعات من الموالين للعائلة وتحالفاتها الطائفية المتعددة.
لا شك أن تحول المذهبية الدينية السياسية إلى مكون رئيس فى ثقافات المجموعات الانقسامية فى المجتمعات والدول العربية ما بعد الاستقلال، فاقم من تسييس المذهبية السياسية، وتحولها إلى تناقضات وصراعات هوياتية حادة داخل ذات الدين الواحد، وحرص الأنظمة الاستبدادية المذهبية والسلطوية على توظيف الصراعات المذهبية فى الهيمنة على المجتمع ومكوناته الأساسية، وهو ما ساهم ولا يزال فى الحيلولة دون بناء موحدات جامعة تتجاوز التمايزات والخلافات المذهبية، وصراعاتها الهوياتية والفشل النسبي في تشكيل وبناء وطنية جامعة.
من الملاحظ أن استمرارية هشاشة الهويات الوطنية الجامعة فى سوريا، والعراق، والسودان، مرجعه فشل الإيديولوجيات القومية العربية التى اتخذها حزب البعث السورى والعراقى – المتصارعان – فى تشكيل وبناء هذه الهوية تحت مظلة القومية العربية، وتوظيف المسألة الفلسطينية فى بناء شرعية كلا النظامين معاً ، وقمع التعدديات المذهبية والطائفية داخل مجتمعاتها .
تفاقمت مسألتى الهوية القومية الجامعة، والأيديولوجيا البعثية فى ظل انهيار الإيديولوجيات والسرديات الكبرى مع سقوط الإمبراطورية الماركسية السوفيتية، ونهاية الحرب الباردة، وتحول المجتمعات العربية ونظمها الاستبدادية والتسلطية إلى سياسات التحول إلى الرأسمالية، والمشروع الخاص، وأيضا ثورة الاستهلاك المفرط حتى فى دول العسر العربية. نهاية الإيديولوجيات الاشتراكية، والماركسية، والقومية، وحركات التحرر الوطنى ساهمت فى إنماء وانفجار الهويات المذهبية السياسية، وسردياتها فى مواجهة بعضها بعضا، ومعها بعض المظلوميات التاريخية الشيعية فى العراق، واليمن، والبحرين، والسنية فى سوريا، والهويات العرقية السودانية فى دارفور، وجنوب السودان قادت إلى استقلال الجنوب، والصراع العرقى فى إقليم دارفور بين القبائل الأفريقية الدارفورية السنية، وبين الجناجاويد –القبائل ذات الأصول العربية- ثم إلى الحرب الأهلية فى السودان بعد انهيار سلطة عمر البشير، وفشل الانتفاضة المدنية ومعها زعماءها ، وانفجار الحرب الأهلية بين الجيش وقوات الدعم السريع المدعومة إماراتيا ومن أطراف إقليمية اخري .
من هنا الصراع العرقى المذهبى حتى داخل ذات المذهب السنى فى السودان مع هشاشة الدولة ما بعد الاستقلال، ونزاعاتها الهوياتية والعرقية الدينية – الدينية، وداخل ذات المذهب السنى، وإسناده إلى الطابع الأثنى،عليها ادت إلى الحيلولة دون بناء هوية سودانية ووطنية جامعة،، ومحاولة بناء هذه الهوية على أساس بعض المواريث التاريخية السياسية ما قبل الاستقلال، مع مصر على سبيل المثال، وأثارتها الدائمة للخلافات التاريخية عندما تعصف بها المشكلات السياسية والاقتصادية الداخلية من أجل تشتيت اهتمام قبائل الوسط النيلى الثلاث الكبرى وفرعياتها عن المشاكل التى تنتجها النخبة السياسية الحاكمة من المدنيين، أو من العسكريين.
من هنا تبدو خطورة وجسامة التوظيفات السياسية السلطوية المذهبية في مشكلات وأزمات بناء الدولة الوطنية الهشة ما بعد الاستقلال، وانكشافها الداخلى، وعدم استقرارها رغم القمع الوحشى –باستثناء الدولة القومية فى مصر والمغرب وتونس نسبيا-، وتفجر حروبها الأهلية. من ثم المدخل المناسب لإعادة بناء الموحدات الوطنية، يتمثل فى ضرورة الخيار الديموقراطي ، والحوار المذهبى المتعدد، وفى ذات الوقت نزع التسيس المذهبى عن السياسات الدينية والخارجية فى الدول العربية ومجتمعاتها الانقسامية.
المصدر: الأهرام